الرئيسية / كتابات / البناء الفني في شعر أديب كمال الدين: – – وكالة ذي قار

البناء الفني في شعر أديب كمال الدين: – – وكالة ذي قار

المجلد السادس أنموذجاً

د. نجاح هادي كبة

عن منشورات ضفاف، لبنان– بيروت 2020 ، صدر المجلد السادس للشاعر أديب كمال الدين، بحدود (286) صفحة من القطع المتوسط، يحتوي على (5) مجاميع شعرية، هي: شخصيات حروفية، حرف من شمس، قال لي حرفي، فتنة الحرف، وكان له حرف.

أول ما يستوقف المتلقي في هذا الديوان قدرة الشاعر على إبداع قصائد نثر تمتاز بتكثيف غير مخلّ وباسلوب سردي– قصصي على طريقة النثر الفرنسية وبعنوانات موازية للنصوص ومناص لها أو هي ثريا النص كما يقول إمبرتو ايكو، وبأسلوب يوحي بالوحدة العضوية للقصيدة من خلال تدرج الحدث بمضمون هادف اجتماعي أو سياسي أو ثقافي وكأنك تتابع تدرج الالوان الأخاذة في اللوحة التشكيلية، لتنتهي القصيدة عموما بضربة مفاجئة توقظ خيال المتلقي وتزيده باتساق المضمون مع الشكل بانسيابية  تكسب عاطفة المتلقي. وترى الشاعر يتناص مع الموروث والحديث مستفيدا من أسلوب الحكاية أو السيرة (البيبلوغرافيا) لشخصيات مثل كلكامش، شهريار وشهرزاد، هاملت، صاحب الشاهر، سعد محمد رحيم …الخ بأسلوب حداثوي وكأنه يخلق سيرة افتراضية إبداعية لشخوصه وكثير من قصائده فضاء مفتوح للتأويل (الهيرمينوطقيا) وبأسلوب رمزي شفيف ثم ليفاجئك الشاعر بقصائد لا تخلو من اللاشعور في التمرد والعبث وتوظيف الاحلام والتفسير الافتراضي لها حتى أنه يبدع قصائد على شكل مقطوعات مفككة يترك الحرية للمتلقي في كشف اتساقها. قصائده فيها موهبة وطبع وتطبّع، تذكّرنا هندسة قصائده بالمدرسة الأوسية وبشعراء الحوليات في العصر الجاهلي مع المفارقة الأسلوبية وبانزياح حداثوي وبلاغة حديثة.

تطبيق اجرائي

في قصيدة (الآخر الذي هو أنا)

 القصيدة فيها ذوبان صوفي من خلال العنونة (الآخر الذي هو أنا) فعنوان القصيدة بالاضافة إلى أنه عنوان شاعري لكن يحيلنا إلى فكرة وحدة الوجود عند المتصوفة أمثال الحلاج والقشيري وغيرهما وهو نص مواز لنص القصيدة – بحسب جيرار جنيت- أو مناص فالقصيدة فيها توحد صوفي مع الآخر فتنفتح على عالم انساني واسع وهي في الوقت نفسه دحض للفلسفة الوجودية التي تركز ذات الانسان كفرد ولا سيما اذا عرفنا أن الشاعر قد توحّد مع الاخر (الأعمى) في العمى ليكسب عاطفة المتلقي، يقول:

 لم أكنْ مُحتاجاً إلى ما تقول،

كنتُ مُحتاجاً إلى شفتيكَ.

ولم أكنْ مُحتاجاً إلى شفتيكَ بل إلى لسانِك.

لا لم أكن مُحتاجاً إليه بل إلى روحِك.

لا لا لم أكنْ مُحتاجاً إليها بل إلى حائك،

أعني إلى بائك،

أعني إليك.

وأعرفُ أنّكَ لا تعرفُ نَفْسَكَ مِثْلي

فقدْني إليك.

نعم،

جميلٌ أن ألتقي بأعمى مِثْلي،

تائهٍ مِثْلي

يبحث عنّي

ولا يتركني أهذي في الطّريق

إلى أن أموت.

فالشاعر يستنطق الحروف وهو كالمتصوفة يبحث عن الذوبان  في نفس الآخر فهو لا علاقة له بالمجسم وما يقول (لم أكن محتاجا إلى ما تقول) ثم يتدرج بحرف العطف (بل) الذي يفيد الاضراب بأنه كان– وليس الان- محتاجا إلى شفتي الآخر ولسانه وروحه بل اليه كله بما اشتمل عليه، وبذلك يتناص مع طريقة المتصوفة في الذوبان بالذات الالهية تدرجا إذ يبتدئون بتقليد صفات الله سبحانه وتعالى لكي يوصلهم ذلك تدرجا إلى مرحلة الذوبان في الذات الالهية إذ يعتقدون أنهم وصلوا إلى حد الذوبان في صفات الله سبحانه وتعالى وبما أن الخالق (لا يؤيّن ب أين) ولا(يكيّف ب كيف) فإن الشاعر يوظّف الحروف رمزا لكلية الآخر (لا لم أكن محتاجا إليها بل إلى حائك) أي (أعني إليك). وبما أن الشاعر يصوغ أفكار المتصوفة إبداعيا وليس تقريريا فإنه يكمل الوحدة العضوية للقصيدة بضربة مفاجئة:

جميلٌ أن ألتقي بأعمى مِثْلي،

تائهٍ مِثْلي

يبحث عنّي

ولا يتركني أهذي في الطّريق

إلى أن أموت.

والشاعر بهذه الضربة المفاجئة مال إلى المحسوس ورسم لنا لقطة سينمية جميلة ليختم أسلوبه السردي – القصصي مستندا إلى ابداعه الخاص الذي يتناص مع التراث ايضا تناصا جزئيا، هو يحيلنا هنا إلى حكاية وردت عن الشاعر بشار بن برد المصاب بالعمى (حيث تقول القصة إن عابرا سأل بشار الأعمى عن عنوان معين فأخذ بشار يشرح له الطريق للوصول إلى هذا العنوان لكن الغريب لم يستوعب المكان فما كان من بشار الا أن أخذ بيده وقاده في الطرقات وهو يردد هذا البيت :       

          أعمى يقود بصيرا لا ابا لكم          قد ضلّ من كانت العميان تهديه

( د. صلاح العتيقي ، 28 اكتوبر 2016 ، القدس، عن الانترنت)

ولابد من أن أشير إلى أن الشاعر أديب كمال الدين قد جدد إبداعيا الكثير من الافكار الصوفية واضاف إلى هذا التراث العريق ابداعيا الكثير من القيمة والاهمية كما اضاف للتراث بصورة عامة من خياله الخصب في عصر نحن بحاجة إلى تاكيد ذاتنا.

تطبيق اجرائي ثان 

في قصيدة (حفلة الأقنعة)

في قصيدة (حفلة الأقنعة) يتناص الشاعر مع الحكايات الشعبية للقص الحيواني لكن بشكل حداثوي لا يخلو من التأثر بالتراث الموروث، وهو يوظف الأسلوب السردي – القصصي الذي يحافظ من خلاله على الوحدة العضوية للقصيدة وبالتسلسل المنطقي الابداعي الذي يبدأ بتمهيد وعرض وحوار وتصعيد الاحداث ليصل إلى الحبكة الدرامية فالذروة ثم الحل الذي يأتي على شكل ضربة مفاجئة تكسب عاطفة المتلقي، يقول :

حينَ دخلتُ الحفلةَ في آخر لحظة،

وجدتُ القومَ يلبسونَ مُبتهجين

أقنعةً للقِرَدَة

وأقنعةً للفِيَلَة

وأقنعةً للكلابِ وأخرى للفئران.

سألتُ عن سرِّ الحفلةِ أو مَغزاها،

فضحكَ القردُ،

أعني مَن يضعُ قناعَ القردِ على وجهه،

وقال: الفلوسُ يا مَنحوس!

ويستمر الشاعر بسرد واستنطاق بقية أصحاب الاقنعة من الحيوانات فيقول:

وسخرَ الكلبُ وقالَ بصوتٍ مبحوح:

النّسوان.

وغمزَ لامرأةٍ عاريةٍ مَرّتْ

وهي تضعُ قناعَ غزال.

وسألتُ الثعلب

فتبسّمَ وظلَّ يلتهمُ اللحمَ المشويّ

بشهيّةِ ثعلب.

حتّى قادتني قدماي إلى أسدِ الحفلة

فصاحَ بوجهي مُبتهجاً:

مُبارك لكَ جائزة الحفلة!

والشاعر يتدرج بالحوار والصراع ليضع أنامله الابداعية على عقدة الحدث فالحل المفاجئ:

انتبهت الأقنعةُ جميعاً

وأجابتْ بالتصفيق،

بعاصفةٍ مِن تصفيقٍ وصُراخٍ وصَفِير.

قلتُ له:

أنا لم أضعْ قناعاً.

هذا هو وجهي!

ضحكَ وقال:

كيف؟

ممنوعٌ أن تدخلَ للحفلةِ من دونِ قناع!

ويأتي الحل بضربة مفاجئة تكسب عاطفة المتلقي ، فيقول:

قلتُ بصوتٍ مُرتبكٍ:

هذا هو وجهي من دونِ قناع.

فضحكَ ثانيةً

وصاحَ بصوتٍ عالٍ:

مُبارك لكَ جائزة الحفلة.

فأنا منذ دهورٍ ودهور

لم أرَ وجهَ الإنسان!

لقد عبّر الشاعر من خلال قصيدة (حفلة الأقنعة) بأسلوب درامي ممسرح عن محنة الانسان الذاتية ونرجسيته واغترابه عن المثل والقيم الانسانية في العصر الحديث فأصبح يلهث وراء (رغباته الذاتية – النرجسية تجاه المرأة والنقود “الفلوس” والطعام واللحم المشوي) وعبر عن كل ذلك بأسلوب ابداعي مبتكر فيه الكثير من التجديد والتحديث يشعر المتلقي بصور حسّية أخاذة.

تطبيق اجرائي ثالث

قصائد اللقطات السريعة السينمية

في (المجلد السادس) الكثير من قصائد الصورة أو قصائد اللقطات السريعة (flash back) في السينما، لقد أصبح للصورة في العصر الحديث قيمة معلوماتية تفوق حتى الابداع الادبي فهي وسيلة وغاية في الوقت نفسه في توصيل الكثير من المعارف والفنون والاداب والعلوم ولاغرو أن يسمى العصر الحاضر بعصر الصورة سواء أكانت الصورة ورقية أو تلفزيونية أو سينمية، فهي موازية لمعاني كثيرة ومكثفة لكثير من ترهل الكلام كما ان الصفة البصرية للصورة بما تتميز به من فن تشكيلي وطيف لوني مثير شرطي للمتلقي يولد استجابات شرطية طبيعية أو غير طبيعية – نظرية الانعكاس الشرطي- لاحظ هذه الصورة التي التقطها الشاعر من الواقع المعيش باسلوب اللقطة السينمية القصيرة في السينما flash back  التي تعبر عن واقع سبب- اجتماعي في قصيدة (حين قُتِل الملكُ الشّاب):

حينَ قُتِلَ الملكُ الشّاب

هجمَ النّاسُ على بيته

ونهبوا سيّارتَه وملابسَه وحصانَه،

ونهبوا صورتَه الشّخصيّة.

يا ليتهم ما فعلوا ذلك

إذ جاءَ من بعده طاغيةٌ

هجمَ على بيوتِهم بيتاً بيتاً

ونهبَ أعمارهم عمراً عمراً.

إن هذه الصورة، وان التقطت بعين الكاميرا، لكنها توحي بمعادل موضوعي لكثير من الانزياح – كما يسميه جاكسبون- بالاضافة لما احتوت عليه من تضاد متسق وحركة ايحائية تحيلنا إلى طرز التشكيل المعماري في السقوف أو في الواجهات المعمارية فالضد يبرز ضده – كما في القول المأثور- والصورة الأدبية لدى الشاعر منفردة الايحاءات فقد تأتي بصورة نقد اجنماعي، يقول:

في المطعمِ الفخم

جلسَ إلى مائدةٍ واحدة

كلبٌ وذئبٌ وقرد

فملأوا المطعمَ نباحاً وعواءً وصُراخاً

لكنَّ صاحب المطعمِ لم يفعلْ شيئاً أبداً

رغمَ احتجاج النّاسِ، كلّ النّاس.

لأنَّ قائمة مَن نبحَ وعوى وصرخ

كانتْ مدفوعة مُقدّماً مع البَقْشيش.

واذا كانت الصورة الأولى رسمها الشاعر بريشة  واقعية فان الشاعر مال في رسم هذه الصورة إلى الرمزية، كما ان هذه الصورة لا تخلو من العلاقة بالقص الحيواني الموروث، ولابد من ان أشير إلى اني لمستُ – كمتلقٍّ – لشعر الشاعر توظيفا واستثمارا للحواس كما في القصيدة – أعلاه – اذ استثمر الشاعر حاسة السمع في كسب عاطفة المتلقي مع الضربة المفاجئة (لأن القائمة … كانت مدفوعة مقدما مع البقشيش ).

 وأخيرا أقول: إن للشاعر أديب كمال الدين طاقة شعرية كبيرة، وهو نسيج وحده في ابداع قصائده- قصائد النثر- وأراه من المجددين ليس على المستوى المحلي بل على مستوى الوطن العربي.




عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار