الرئيسية / الاخبار / الجزء الثاني / من قصة رحلة

الجزء الثاني / من قصة رحلة

 

ملكة الياسمين 

 

عصفور المحبّة يكركرُ معلناً انطلاقة يوم جديد .. تتفتق عتمة الليل وتولد أَعمدة الضياء المكلل بالحياء ، يتناثر العطر بين أَوتار النخيل ، فيعزف النهر أُغرودة الصباح ، الأزهار بندى الفجر ترفع رؤوسها مستبشرة ، فتهيج أمواج الاشتياق في نفسه .. منزوياً جنب جذع شجرة ، ينظر إِلى حبيبته المتوارية خلف سحب المجهول ، يتخذ قراره .. سأرحل باحثا عنها ، أجوب الوديان ولو كلفني ذلك عمري !.

عاد هائماً تائهاً لأمه ، فلَاذَ بالسكوت وسكّ عليه باب غرفته. ينادي الأب زوجته  بكلمات متكسرة :

– ” تحطمت أحلامي !!” .

–   ”  ما الأمر ؟!”

الصمتُ يطبقُ  ويتسيّد المكان ، الظلّ تسمّر على الأَرض ، ازدادت حيرته ، وارتفعت أَمواج التساؤل ، يطلق نظرات روحه في كل الأرجاء ..

-” ولدك! .. خرج باحثاً عن “ملكة الياسمين”! 

 ارتسمت على وجهها غيوم ملبدة بالأكدار، “… وأين يجدها في زحمة العشاق ؟ “

يرفع رأسه :

–  “لا عليك سيرجعه الليل والجوع ، وما ” ملكة الياسمين ” إلا حلم الأولين والآخرين من الهائمين !!”

خرج .. يهمهم مع النسمات ، ويحاكي النجوم ، يرسم الدروب في قلبه ، يدخل غابة ، علّه يجد دليلاً يوصله إليها ! ..

 أشعة الشمس تخلخل كثافة الأشجار ، يصغي لهمسٍ فؤاده ، ثم يعرج ليسير مع الشعاع ، كإكليل ملكةٍ ضوء الشمس يتلألأ على وجه الماء ، يبدو له لؤلؤاً منثوراً ، ينزل المنحدر ، يصل إِلى نهرٍ بعذب الماء يسري .. بلحن الحياة يغنّي ، حوله الطيور والفراشات تطير ، الأسماك ترسم خرائط الزمن على وجه الماء ، يأخذ حفنة بيديه ، يشمه ويبكي ، وكأنه شرب من نهر الحزن حتى اشتد عظمه .

أرهقه البكاء والتجول ، فارتسمت أمارات التعب عليه ، توسّد حجرة واستظلَّ بشجرةٍ ، يلقي ببصره على صفحات الماء المتماوجة ..

 يدنو … تمتدُّ يداه ، يرفع شالها بخجلٍ ويمشط  شعرها الحريري بهدوءٍ ، ويرسم من خصلاتها حكاية عشقِه الطفوليّ .. يهمس لها بلطفٍ ، ويداعب أناملها بعطفٍ ، يأخذ بيدها إِلى الشاطئ ،  يتجولان .. حتى يحلو العناق .

على السفح يهرولان ، تتقافز بعض الأَسماك الذهبية فتلمع أجسادها البلورية ، يهمسان لبعضهما ..ما أَحلى صمت الليل وتلألأ السماء والماء !! .. يجلسان وتتساقط أضواء البدر على ثغريهما ، تشده إِلى الماء ترمي به على الشاطئ ، يرشّها بقطرات الحياة النابضة بالحُبِّ ، تتبعه لترشّه بما يمتزج بذيل فستانها من قطرات لؤلؤية .. يستلقيان على الرمال ويخلعان أثواباً من العناء ، يمدان رجليهما لتتفتق الموجة تلو الموجة .

تبادره بحكايتها : ” انتظرتك في الصباح بعدما أعلنت العصافير نزول الندى على ضفاف الأُفق ، فهل لضوء الشمس طعمٌ دون همس الحبيب !” .

تضع يدها تحت رأسه ، وشعرها اللين على جبهته ..” أتعرف ! .. الظلام واليأس طوقني وخنق كلّ  حلمٍ حلمته ؟! ،  فبدا لي كلّ  حبٍّ حكاية شهرزادية ، لكنك قلبت الموازين ، وصنعت العشق بدمائك البريئة مع كلّ صباح .. كأَنَّك تغرس قدميك في نهر الطفولة ! “.

يخفي دموعه بقطرات الموج ، يعاوده الارتجاف .. أطبق أنفاسه وحاول إخفاء ما بداخله .

 بغتة يشحب نور وجهها ، تنكس رأسها ، ولا تتحرك إلا خصلات شعرها مع نسمات الهواء العليل .

 يا هدية الرحمن ” ما بك ؟!”

صوتها نسي عذوبته .. غادرته بداهة الإجابة ، وغار في عجمة الصمت ، لم تبادله بشيءٍ .. خنقتها عبرتها ، فَوَخَزَ قلبه طائفٌ من السوء..

–         ” ما الأمر يا سرَّ الفؤاد ؟ ” ..

يرفع رأسها المتكئ على ركبتيها ، يحدق بعينيها يغطيهما شعرها ، ومغرورقتين بالدماء … !! ، وجحافل من الأقوال تحكيها ، صمتت شفتاه ، تزلزلَ فؤاده ، اهتز كيانه ، يهوي بين يديها ، ليتلاشى الجسم الشاخص ويلتصق بظلّه . بعد أَن خفت لحنه رويداً رويداً .. يغرقان في حشرجة الأنفاس ، ودقات نبضٍ كأَنَّها نذير من عذابٍ نازل .

يزداد تدافع دمها فتخضب ثوبها ، ترفع رأسه تضعه في حجرها ، وبيديها الناعمتين تمسح وجهه ، تهوي دمعة قلبها على قلبه ، ليفتح عينيه ، يبصر وجهها الملائكي مخضباً بالدماء ، فتدمع روحه .. يهمُّ بالكلام ، لكن لسانه يتلعثم ، وكأَنَّ النطق محالٌ بين الأحباب ، فتهامست عيناهما بلغة الامتزاج والفداء فتحتضنه ويمتدّان على برودة الأرض .

إطلاقة نار ، ويسقط طائر قربه ، فتأخذه رعدة ، وينزل رعبٌ في كيانه ..  أَين ….. ؟!

أصوات غريبة ، وحركات الأمواج مختلفة ، يلامس وجه الماء ، يحسُّ أن هناك ثمة قارب يدنو منه .

–       “من هذا ؟ وما تفعل هنا ؟”

       يوجهون البنادق صوبه ، وبحذر شديد يتجه كبيرهم نحوه .

يحاول جاهداً أن يرى ما حوله ؛ لكن البكاء قد أخذ قوة بصره ، وسلب منه صوته الغنَّاء ، واستعار منه الحزن مرونة حراكه .. ينزل الآخرون ويجلسون معه ، يسمعون حديثه الشجي ، يخبره أحدهم سمعت حكاية تقول إِنَّ ” ملكة الياسمين ”  تقطن وادي الورود ، وهو في أعالي هذا النهر .

 بشوق عتيد ، وتنهيدة ثقيلة من قعر النفس ، يتأمل عبارة الصياد .. ترقرقت دمعة رقيقة تتأرجح على أهدابه ، وكأنّ عبارة الصياد نسمة حياة أُلقيت في غرفة مهمومة صماء ضوؤها الباهت يشربه الظلام ، نفد عمر شمعتها سوى ما ظلّ حول الذّبالة من دموع ، فها هي ترقص رقصة الوداع مع نغمات أوتار المحيط الجميل .

–        “أحقاً ما تقول ؟!!”

ابتسم ابتسامة غريبة ، تومئ بارتياب ، أغلق عينيه بلطف ، يطرق رأسه ببطء  ”  نعم … “

–      ” أرجوكم خذوني إِلى هناك ، فلا أستطيع العيش من دونها .”

 – “نعم ، لكن .. “

قاطعه .. ” أرجوك ، أشفق عليّ أرجوك !!”.

–       “اسمع أيها الفتى ، “ ملكة الياسمين ” هي حكاية خرافية ، تحكيها العجائز ، وترويها الكتب ، ليس إلا !” .

–      ” وما  الضير إن نقلتموني إلى هناك ! ؟”

يوصلونه ويتركونه على الشاطئ ، الأرض مفترشة بالعشب ، الدروب محفوفة بالأَشجار ومزخرفة بأَلوان الورود ، يستنشق أريج الجزيرة ، يثمل والقلب يطرب .

يراه أحد حراس الملكة ..” قف !! ..  من أنت ؟ وما تصنع ؟”

يحدق في اتجاه الصوت ، يرى ظلاً ، يدنو منه الحارس يصرخ بوجه..”  ألم تسمع ! .. ما تعمل ؟”

–         ” أريد الملكة .. أريد الملكة !”

–          ” وما شأنك والملكة ؟

–          ” سائل!” .

تشفق عليه جارية  سمعت الحوار ، تخبره أنَّ الملكة في المشفى ولا يمكن أن يراها أحد ! .. يذهبان إِلى المشفى ، يدخلان قاعة الانتظار ، يخرج الطبيب “.. نحتاج إِلى متبرع بالقلب ..!!”

 يجيبه الفتى ” لبيك! “

 يأخذون جرعة دمه ، وإذا يجدونها متوافقة تماماً ، يدخلونه صالة العمليات ، يطلب قطعة قماش بيضاء ومبضعة ، وبسبابته يخطّ وصيته ، وهو يخفي دموعه بقطرات الماء التي غسلوا بها وجهه ، وحشرجات أنفاسه يموه لها بحركة الكتابة :

” يا قنديل أيامي ، كنت في دياجير الدروب ، أَتعثرُ وأتأمل ، والآن أَبصرت دروب الحقيقة وعرفت طُرقَ السّراب ، فيا أُسطورة أحلامي الآن أموت قرير العين ، لأعيش عطراً ياسمينياً ، وينبض اسمك بين أَغصان قلبي !…. “

 

 

 

 

منتظر السوادي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار