الرئيسية / الاخبار / العطشان والجائعة (الغرثان والغرثى)

العطشان والجائعة (الغرثان والغرثى)

علي أسماعيل حمة الجاف  /////

 

في صباح اليوم التالي، أتى “كورك” نحو المزرعة لشراء بعض المواد الغذائية من زوجة صاحب المزرعة، أما “شوان” فحمل الناظور معه وجلس على الطاولة الصخرية لمراقبة البحيرة وأحتمال مشاهدة “القاطور الأسود” هناك.

 

وصل “كورك” الى المزرعة وأستقبلته زوجة المزارع بسرور كبير، وقدمت له سلتين مليئتين بالطعام اللذيذ … قطع من اللحم المشوي وقدر فيه حساء، وخس وفجل طازج والمزيد من الطماطم … شكرها “كورك” كثيراً، فأضافت السيدة “الفاضلة”: أما في هذه السلة فوضعت لكم البيض والزبد والجبن والحليب وبعض الخبز الذي عجنته بنفسي، وهناك قطعة حلوى “لجوان” ايضاً.

 

شكرها “كورك” مرة أخرى وودعها، وفي الطريق كان يفكر بمدى سرور ربة المنزل الصغيرة “هاجة” برؤوية هذه الأمور …

 

وعندما أقترب من مكان البحيرة ناداه “شوان” قائلاً:

“هنالك شيء في المركب، تعال وأنظر، أنه يلوح بشيء أبيض اللون، ولكنه ليس منديلاً، لابد من أنه شرشف !”

 

فرح “كورك” بطعام السيدة “الفاضلة” وقالت “جوان”: هذه السيدة لها قلب من ذهب.  ثم أنهمكت في تحضير سلة الطعام لجولتهم ذلك اليوم …

 

غادر “كورك” المكان ونزلوا أسفل التل وسرعان ما وجدوا أصدقائهم بنتظارهم، أما “مام ريوي” فكانت “أبتسامته تنبيء عن مدى فرحته بلقائنا وقال مذكراً: أذن رأيتم أشارتي، ولكن “بيشك” لم يغير رأيه بشأنكم بل طلب مني ان أريكم أرجاء البحيرة.  ولقد لوحت لكم بقميصي الأبيض.”

 

سألت “جوان”: “أين نضع جاكيت السباحة والملابس والطعام لحين عوتنا من … ؟”

 

قال: “ضعيها في ذالك الصندوق … فهمت الكلام من أشارة أبهام يده اليسرى …”

 

وقادهم الى البحيرة، وسرعان ما تذكرها الأطفال من المسيرة قبل أسبوعين، وكانت “جوان” أصغر سناً من “كورك”، وكانت غير مرتبة للغاية.

 

قال “كورك”: “هل تريدين رؤوية الفيل اولآ؟”

 

وأتجهوا نحو الشجرة التي ربط حولها حبل الفيل …

 

قال لها “كورك” ضاحكاَ: “والأن أيتها السيدة “الكبيرة الفاضلة”، هل تريدين الأستحمام؟”

 

أطلق الفيل صوتاً جعل الصغار يقفزون من أماكنهم، أما “كورك” فقال:

“هاه … هاه … هاه …”

 

فما كان منها ألا ان لفت خرطومها حول خصره ورفعته في الهواء ثم وضعته فوق رأسها.

 

شهقت “جوان” وقالت: “هل أذتك؟”

 

فأجاب ضاحكاَ: “بالطبع لا، أنها لاتؤذي أحداَ !”

 

جاء رجل قصير القامة بعينين لامعتين وقال:

 “صباح الخير، هل أعجبتكم السيدة “الكبيرة الفاضلة؟”

 

قالوا الأطفال نعم، ونريد ان نستحم معها، كونها تعرف جيداَ كيف يداعب الصغار، وحينها حدث هدوء وصمت أستمر لدقائق، وسرعان ما أقترب “شوان” من الرجل قصير القامة ليصدر كلاماَ بصوت عالً جداَ قائلاً:

“ولكنهم كانوا خجولين جداَ منكما !”

 

وقالت “جوان”: “ياألهي، ما أجمل هذا اليوم ليتني كنت أعرف السيدة “الكبيرة الفاضلة” من قبل لتعلمني فنون الصيد والرماية وترويظ الحيوانات كما تفعل هي مع الفيل والحصان الأسود …

 

فرد الجميع عليها قائلين: “هل بمقدورك تحمل العناء والمسؤولية في مثل هذا السن ؟!”

 

فردت بسخرية: “أعتقد ان الفرصة تطرق أبوابها مرة واحدة، وأنا مسرورة للغاية وسأتعلم الكثير من السيدة “الفاضلة”، وسيكون لي لقاء “بالقاطور الأسود” …

 

وسرعان ما مر الصباح بزيارة الحيوانات، وحان موعد الطعام قبل ان تتاح لهم فرصة لزيارة مكان أخر وقال “كورك”:

“سنزور أماكن عديدة ونجري حواراَ مع أناس لم نلتقي بهم منذ سنين عدة … والأن لنتناول الطعام الى جوار البحيرة”.

 

يسأل “كورك” قائلاً:

“أين هما ياترى، هل هما في الخارج؟”

 

أجابه “شوان”: “نعم، في أحدى جولاتهم السرية.  فأحياناً عندما نكون في حالة أنتقال من مكان الى أخر، يختفي عمي ليلة كاملة، أنهض فلا أجده”.

 

قالت “جوان”: “وأين يذهب؟”

 

فرد قائلاَ: “أنا لاأجروا على سؤاله، وعلى أية حال أنه مع زمرة بعيدون عن هنا، ولا أتوقع مجيئهم قبل المساء”.

 

تناولوا الطعام الى جوار البحيرة.

 

ثم نهضوا لزيارة بستان “الخوشويستان” وشاهدوا فيه بناية صغيرة في وسطه محاط بأشجار الصنوبر من جوانبه الأربعة، متألية للسقوط وعلى جدرانه توجد صور منحوتة للفيل الكبير والقاطور الأسود، ولم يدخل أحداً منهم لأن الحارس أخبرهم ان السيدة “الفاضلة” لديها ضيوف أعزاء اليوم …”

 

 حزنت “جوان” وتوجهت نحو أريكة خشبية كانت بجوار البناية، وأنفجرت بالبكاء وأخرجت أصواتاَ متأملةً ان تسمع السيدة “الكبيرة الفاضلة” صوتها …

 

سأل “كورك”: “هل هي تبكي حقاً لأنها لم تتعلم السباحة وفنون الصيد؟”

 

قال “شوان”: “كلا، أنها تريد ان تلتقي بالرجل “القصير الأسود” والسيدة “الكبيرة الفاضلة” !”

 

تقدم الحارس ذو وجه بني اللون وعينين حادتين من “جوان” وأمسك بها من كتفيها وقال:

“أنظري ما فعله قردك الأهوج “كر” ! لقد وضعته في قفصه ولكنك لم تقفلي الباب جيداَ !  فخرج وفتح باب قفص القرود، سوف ألقنه درساَ لن ينساه ان أمسكت به، ودخل أحد القرود البناية دون علمي ليشاهد …، فسوف يحكي لكي ما رأه في الدخل …”.

 

سألت “جوان” وهي تسحب نفسها من قبضة الحارس: أين مالك البناية أذن؟  ألا تستطيع ان تعيدهم الى قفصهم؟”

 

فرد قائلاً: “مالك البناية ذهبت الى المدينة، وسوف تسر جداَ من هذا المنظر !”

 

قال “كورك”: “أنها صاحبة القرود هذه، أنظروا هناك، أنها قادمة، الأن ستعود المياه الى مجاريها”.

 

لاحت لهم أمرأة نحيفة للغاية تقترب، أمرأة قصيرة القامة وحول كتفها شال أحمر … صرخ أطفال المزرعة:

“قرودك خارج قفصها “ياتيجر” !

 

فما كان منها أنه ان تقف في مكانها وتنطق بكلمات غير مفهومة … حتى صار القرود يتقاطرون أليها الواحد تلو الأخر … فأتجهت بهم ببطء نحو قفصهم.  وكان الجميع يراقبها بصمت.  ألتفت الحرس الى الأطفال وقال:

“والأن، سأخذ “كورك” والأطفال الى البحيرة لكي يسبحا قليلاً، وستدخل “جوان” الى البناية لمقابلة السيدة “الكبيرة الفاضلة” …”

 

كان الماء بارداً في البحيرة وقد تمتع الجميع بالسباحة !

 

قررت “جوان” الدخول الى عالم المرح والسعادة الأبدية رغم صغر سنها حيث كانت بعمر التاسعة عشر، وهي شابة في مقتبل العمر تموج نشاطاً وحماساً من أجل ان تضع لنفسها ولغيرها غداً أفضل !

 

وكانت تشعر أنها ستصادف شاباً طلق المحيا، لطيف المعشر، ولكنها خائفة ان يكون شاحباً ووجهه الجميل عليه حزن ظاهر، وفعلاً دخلت البيت الذي يعرف بمملكة الأنسان الهادئة … أنه يعيش فيه بحرية، وهو واحة طبيعية وسط سحراء الحياة.

 

ولكن كان القدر له رأياً غير ذلك.  في داخل البيت كانت السيدة “الكبيرة الفاضلة” والرجل “الأسود الصغير” غاية في الخسة واللوم والأنحطاط.  صدمت “جوان” وكانت تريد القول:

“من أجل ان يبقى مشعل الفضيلة والأنسانية متوهجاً يضيء الطريق …”

 

كانت “جوان” كلما رأت طفلاً أنتابتها مشاعر تهز وجودها، وربما تسمرت في مكانها تتأمل ذلك ان تحس بما يجري حولها …، وأصبح لغزاً مستعصياً ان أراها كل يوم …

 

مضى على ذلك عدة شهور، وبدأ فصل الشتاء، وكان الجو قارص البرد، وهطلت الثلوج ثلاث مرات، كانت ترتدي حذاءً رجالياً ممزقاً … شعرت بالغيظ من أجل ذلك، ولكني تظاهرت باللامبالاة وأحبت بأقتضاب:

 

“يا أيتها السيدة “الفاضلة” و الرجل “الأسود الصغير” المحترمون، شكوت أليكما السغب ؟!”

 

“أنه جلد كبش مدبوغ بالقرظ”، قالت “جوان”.

 

ربتت السيدة “الفاضلة” على كتفي بحنان ومسحت عن أهدابي قطرات الدمع العالقة وقالت:

“نحن لسنا في أرض “مدين”، نحن في باريس وأمريكا و …”

 

أعتقدت “جوان” ان تهب السيدة “الكبيرة الفاضلة” لتغيث فتاتين مظلومتين منعتا من السقاء لهما …

 

كيف أكتشفت “جوان” آمانته وقوته، فقالت الفتاة:

“تجلت قوته وهو يشق زحام الرعاة ويسقي لنا، وقد هب لنصرة المظلوم دون وجل … فصنع لنا ما يعجز غيره عن ذلك … أما آمانته فقد أكتشفتها يوم ذهبت أليه أدعوه وكانت الريح شديدة فما رضي ان أتقدمه؛ لأن الريح كانت نصف جسم الأنسان من وراء ثيابه ! وهكذا كانت “جوان” تبحث في الرجل عن قوته وآمانته … وهذا ما رأته في ملامح “جارا نوس”.

 

وكانت تتلوى ألماً، وكانت الآلام الرهيبة تموج على ملامح وجهها، ولم يعد هناك من مكان للتفكير … وأغمضت عينيها مستسلمة للعذاب … هملت عينا المرأة الزرقاويتين بالدموع …

 

قطب الرجل، وفجاءةً أشتعلت فكرة شيطانية في أعماقي … بحيث تجمعت في عيني العجوز الواهنتين الدموع، وتأوه بحسرة وقال:

“شعرت “جوان” بأن كيانها يرتجف بشدة، وان قشعريرة عنيفة تسري في كل ذرة في جسدها، وتفجرت الدموع من عينها، وشعر العجوز بالدهشة فسأل مستغرباً:

“لقد كان أنساناً يتدفق عاطفة، ولكني أغتررت بجمالي وشبابي، كنت أكتم صرختي في صدري، لقد تعلمت الصمت، تعلمت كيف أكظم شكواي، لقد كنا أشبه بغريبين يعيشان تحت سقف واحد، بالطبع لقد كان الجفاء من جانبي وحدي فقط !”

 

شعرت بأنه يمزق نيارط قلبي وصرخت به غاضبة، وبقيت أتجرع مرارة الوحدة بين جدران بيت مقرع بالحزن والهم واليأس … والأن أريد الذهاب الى الغين لانها كغادة وهناك يوجد الغيل لاأغتسل به بدني، أنني في غيلة بسبب الغوائل … أنه المغالة … أنه الغلس … ولاأكن أكثر صراحة أنه الغل … لأنني كنت كالغرثان والغرثى، ويجب ان يصدر بحقي التغريب قرب العيس، وأخيراً كل ما حل بي وسيحل بالأخرون أمثالي سببه الغيثرة …

 

عادوا الأطفال تاركين ورائهم “جوان”، متمنين ان تزودهم بالمعلومات التفصيلية حول رحلتها … وأخذوا ينظرون الى الأماكن والبنايات والعربات المختلفة برسمومها وألوانها … ووصلوا اخيراً الى مكان فيه بناية تشبه بناية بستان “الخوشويستان” ولكن ثمة تغير واحد: الأطفال تم أستقبالهم من قبل المدعوا “صائد الغزلان” الذي أعطى كل واحداً منهن رقماً ومفتاحاً لغرفة على عدد البنات، وطلب من “كورك” و “شوان” البقاء في سيارة “صائد الغزلان” … وبعدها أخذهم الى مطعم لتناول وجبة عشاء خفيفة بدون الفتيات … وتركهم متوعداً بالعودة !

 

حاولت “بيشك” و “شينر” حمل الأغراض، ولكن “صائد الغزلان” أخبرهن ان من واجبه ان يساعدهن في أنزال الأغراض ووضعها في غرفهن بدون ان يتعبهن لأنه ثمة عمل كثير بنتظارهن عليهن أكماله …

 

قال “كورك” وهو ينظر الى ساعته: “أنها السابعة، لقد تأخر بنا الوقت ويجب ان نعود الى البناية …؟”

 

قال: “سأخذ أحد عمال المطعم معنا، فأذا ظللت الطريق في الظلام فهو سيساعدنا …!”

 

تألم “كورك و “شوان” من قطع اللحم المشوية التي أكلاها في مطعم “الموعد الأخير”، وكان العامل قد ناول كلاهما بطلاً من الماء فيه سم ليتخلص منها كونه صديق “صائد الغزلان” … وليفارقا الحياة بدون ضجة ولا صوتاً يصدر منهما لكشف الحقيقة.

 

صرخ السائق: “يا ألهي … الماء مسموم !”

 

حلم “العامل” وقال: “لقد أنتهى “كورك” و “شوان”.  وكانت هذه نهاية اليوم الجميل.”

كان السائق يرتجف، وكانت ركبتاه تصطكان وهو يضع يده فوق رقبة “العامل”. 

 

قال “العامل”: “سيكافئك صديقي وهو رجل قصير القامة أسمه “صائد الغزلان”، واذا وافقت سيجد لك عملاً أفضل من عملك في مطعم “الموعد الأخير”، لأننا لدينا بناية في بستان “العشاق” وأخرى في مركز المدينة يرتادها كبار الرجال وأثرياء البلد، ويطلب ممن يعمل معنا، ان يكون ذكياَ شرساَ، وغداَ وشريراَ لأن أيجاد المياسم وتسليمها الى القواطير أمراً صعباً، ويستدعي صرف الكثير من الجهد والوقت والمال لأرضاء الكبار …!

 

“لدي سؤالاً واحداَ فقط”، قال “العامل”.

 

“وما هو سؤالك؟”، رد “صائد الغزلان”.

 

“من الذي يعد قطع اللحم والماء المسموم، لقد أدهشتني طريقة العمل والتغليف و…؟”، سأل “العامل” بأستغراب.

 

أجابه “صائد الغزلان” بتهكم: “ومن تعتقد، هل يوجد شخصاَ يتجرأ غير السيدة “الكبيرة الفاضلة” والرجل “الصغير الأسود”؟!”

 

وأستمر “صائد الغزلان” في حديثه موضحاَ: “أنهم يريدون الأطفال، الورقة البيضاء، وتحديداً الفتيات اللائي يملكن مباسم صغيرة جذابة … وانت تعلم ان القواطير تريد ولا تعطي، ونصيحتي لك هي: أيجاد لقمة العيش لاأولادك، ولاتسأل عن أي شيء ولا تتدخل في شؤون غيرك !”

 

والأن لنذهب ونرى الفتيات في البناية، ولربما يكونوا بحاجة لشيء …

 

أخذ “العامل” يفكر مع نفسه، ما هو سر هذا العمل، ولماذا يريدون الفتيات الصغيرات؟  أعتقد سيكشف الزمن تلك الخفايا والأسرار، وعليٌ ان ألزم الصمت داخل البناية، وشاهد الأثاث الفاخر والمناظر الخلابة، وكان هناك مسبحاً صغيراً في وسط البناية، معلقة على جدران الحائط من الداخل، ووجود خدم لكل طابق بزي يختلف عن بقية الطوابق بحيث كان زي الطابق الأول أحمراً، والثاني أخضراً، والثالث أسوداً والرابع أبيضاً، وكذلك كان هناك عمال منهمكين بتحضير وجبات الطعام، وأشياء غريبة أخرى جذبت أنتباهه كالمكتبة وقاعة التصوير وغرف النوم … ورمق بعضاً من الفتيات بملابس النوم مع السيدة “الكبيرة الفاضلة”، وسمع أحدهن تقول:

“هل أنتهى الدرس الأول، متى يبدأ الدرس الثاني لأنني أشتقت لمشاهدة ودراسة محتوياته لأن الكلام الأستهلالي قد شدني، وأثار مشاعري الكامنة بأكملها …؟”

طلبت السيدة “الكبيرة الفاضلة” من الرجل “الصغير الأسود” ان يعطي الخطوط العريضة المهمة ويترك التفاصيل التطبيقية على الأشهر القادمة، لأن الوقت متأخر وكذلك لوجود فتيات في بناية بستان “العشاق” بنتظارهم …

 

ردت “جوان” قائلة: “قررت ان أترك الدراسة وأبدأ العمل معكم كون الدراسة هنا تشمل الجانبين: العملي والنظري، وأغلب المتعلمين يستوعبون المادة بسهولة أذا كانت تدرس عملياً ونظرياً”.

 

ردت السيدة “الكبيرة الفاضلة” بحزن عميق وألم مبرح: “نحاول جعل الأباء يهتمون بأبنائهم ويسمحون لهم الدخول في مدارستنا رغم معارضة الكثيرين منهم … ولكن نود ان نجعل منكم النواة لأننا لم نعد قادرين على تحمل المسؤولية أكثر … وهذا هو طموحي منذ ان كنت صبية”.

 

فكرت “جوان” لبرهة بكلام السيدة “الفاضلة” وردت بصوت عالً:

“سأحاول أقناع الأخرين لاتقلقي بشأن الأباء وأفكارهم الكلاسيكية المعقدة، أننا اليوم بعصر التغير، التطور، الثقافة الجديدة والأنفتاح، لماذا لاتوجد هناك مناهج خاصة لعلاج: الكبت، الوحدة، الحزن العميق، العلاقات، الضيق، الهم، الحرمان، اليأس، التنويم الأجتماعي، العوامل اللاشعورية، عامل الوجاهة، عامل التنفيس، عامل الشفاعة، …”

 

أجابت السيدة “الكبيرة الفاضلة”: “ان المنهج الوحيد لكل هذه الآلام والأحزان هو قضاء يوم في بناية بستان “الخوشويستان”، وستتعلمين فن الرسم والنحت والتصوير، ثمة وجود خبراء في مجال الفنون التشكيلية والفوتغرافية التي من شأنها معالجة جميع تلك الأشياء وتجعل منك أنموذجاً لتحفيز أولئك المرضى لنزع ثوب اللاشعور والتنويم الأجتماعي وأرتداء ثوب التغير والحداثة والتطور السريع الذي يغازل العقول الصافية التي لم تتأثر ألا بفعل صدمة الرومانسية الهادئة ذات الموسيقى العذبة والصوت الهادئ، الذي يداعب المشاعر المكبوتة والخامدة.  بالحقيقة، ان هذا السحر فائق النظير لايظهره ألا فنانون تشكيليون لديهم القدرة والمهارة على رسم الصورة الخالدة ذات الذوق الرفيع والتي تشد العقل وتثير الوجدان والنشوة لديكم، أيها الشباب المعذب … الى أين أنتم سأرون … أين الطريق؟!”

 

بدأت “جوان” تحلم كسائر الصغار بالحصان الأسود والفيل الضخم والكلاب المدربة والقرود الهائجة والطيور المغردة، … كلها لها هدف في الحياة، الى أين نحن سأرون، لانعرف !  فربما الى ذلك المطعم حيث “العامل” و “صائد الغزلان” وفي النهاية نتناول اللحم والماء المسموم !

 

أما “شيبك” فقفزت من نومها وأبعدت الرجل “الصغير الأسود” … أذ حلمت أن أحدهم قد وضع السم في البيض لها ولأختها منذ سنة ومازالت تصارع الموت؛ ولكنها رفضت العودة الى محيطها لأن الوصمة ملازمة عقلها … ولم يكن اليوم التالي حاراَ، وكانت السماء مليئة بالون الأسواد الداكن، ولم يكن أحداً فيهم متبهجاَ أو مسروراً … أذ قرروا أستشارة السيدة “الكبيرة الفاضلة” حول الحل !

 

أوجدت السيدة “الكبيرة الفاضلة” لهم حلاً: “الصحراء”.

 

فقررت الفتيات الشابات الذهاب الى المزرعة، والعيش في بناية بستان “الخوشويستان”.  وأما السيدة “الكبيرة الفاضلة” فكانت جاهزةً بنتظارهن، وقدمت لهن طعاماً رائعاً، أما هديتها فكانت معروفة أعطاء كل واحدة هوية “الأحتراف” التي لاتمنح ألا بعد موافقة السيدة “الكبيرة الفاضلة” وتعلم الفنون التشكيلية والزخرفة والتصوير بصورة نظرية وتطبيقية، وبعدها أستلام كعكة زنجبيل رائعة.

 

سألتها “جوان”: “هل يأتي كثيرون الى المزرعة لشراء الكعك؟”

 

أجابت السيدة “الكبيرة الفاضلة” مبتسمةً: “كثيرون جداً، خصوصاً الزنوج، رافعي الأثقال، كبار التجار والشخصيات، …”

 

أستغربت “جوان” لما سمعته.  وطلبت نوع الكعك وحجمه.  قالت السيدة “الكبيرة الفاضلة”:

“يأتي الرجال ومزاجهما سيء للغياية بسبب خلاف مع رؤسائهم أو حتى زيجاتهم لاتحسن التصرف معهم … وكأنهما يحومان في المنطقة لسرقة الدجاج كوننا نربي الدواجن المنزلية بكثرة، وستتعرفين عليهن وتصبحين واحدةً منهن !

 

“أنني حقاً سعيدة، وهل أحتاج الى الناظور لأميز بين الرجل القبيح والرجل الجميل؟”  أستفسرت “جوان” محاولةً أستدراج السيدة “الكبيرة الفاضلة”.

 

أندهشت السيدة “الكبيرة الفاضلة” لما قالته “جوان” وطلبت أيضاحاً حول موضوع الناظور !

 

أسهبت “جوان” بالحديث وأنتهت بالقول، يوجد هنا دجاج كثير، ولكن ان صاحبة الناظور بأمكانها معرفة الرجل الساذج والسارق من خلال عدساته …

 

قالت السيدة “الفاضلة”: “هذا أمر مؤسف للغاية، أنت مازلتي بحاجة الى تدريب عملي مكثف على أيدي فنانين تشكيلين كبار أمثال جاسبر جونز وروشنبيرغ لتعلم طريقة التعامل مع سطح اللوحة وكيفية أدخال مواد غريبة جداً على قماشة الرسم، ويجب التعرف على أفكار الكاتب ناثار نوبلر الذي سيختصر لكي مسافة طويلة في كيفية تذوق الأعمال المعاصرة.  بالأضافة الى وضع قدمك في طريق آخر، هو الطريق المؤدي الى التعبيرية الألمانية، والتعرف على رسامين مثل كريشنر وماكس بيكمان وأوغست ماكه وأميل نولده، وتعتبرينهم كنزكي السحري وأصدقائك الوحيدين، وتقرأي عن فرانس مارك، وكيف قتل في الحرب العالمية الأولى وهو شاب جميل، واخيراً رؤوية نتاج الرسام البريطاني فرانسيس بيكون.  لاتخبري “القاطور الأسود” بكل هذه التفاصيل، فهو يخاف من أدنى الأمور، تعلمون هذا، ويبدو بأننا الأن في منتصف مغامرة كبيرة !  هل تريدون ان نقفل راجعين ؟  سنجري سفرات مدرسية عديدة، وزيارات لجامعات ومعاهد أوربية لاأريك كيف تكون الحياة هناك، وأنا واثقة بأنك سوف تقيمين علاقات كثيرة …”

 

قالت “جوان”: “كلا … أبداً …”

 

أما السيدة “الكبيرة الفاضلة” فقالت: “لن أقبل بالرجوع ولن تقبل ذلك “جوان” ايضاً.  سأدعوا زميلاتي وصديقاتي للمجيء الى بستان “السعادة” وبناية الفن التشكيلي في المدينة ليدرسوا الفنون الحقيقية التي تعتمد على الجواني التطبيقية، وسنأسس جمعيةً ومنتدى للقاء الأحبة، …”

 

“بقي شيء لم أتعلمه لحد الأن هو كيف تصنع الكعكة السوداء الدائرية … وما هي مكوناتها الأساسية؟” أستفسرت “جوان” بلهفة وأشتياق.

 

فقد يجبرك هذا الموضوع الأنتظار طويلاً.  ولكن الرجل “الآسود الصغير” لديه الكتاب العملي وأسمه “فنون الطبخ القديمة” وهناك أسم أخر مشهور جداً به: “تعلم الطبخ القديم خلال أسبوع” !  ما هو رأيك بأكمال الدورات في جمعيتنا هذه لتكوني محترفة في كل الفنون ؟!

 

وبالحقيقة، لم يكن من السهل الصعود فوق العربة، فسقفها كان مرتفعاً.  وكان عليه ان يأتي بحبل، ويربطه، ويلقي بالجزء المربوط حول المدخنة، وقد نجح في ذلك، وبعد ان قذف صرة الطعام الى الأعلى، وأستقر فوق العربة، وبدأ الصعود مستعيناً بالحبل، وأستمر فوق العربة لينام منبطحاً فوقها، كان متأكداً من عدم أستطاعة أحد في الأسفل رؤيته أما أذا صعدوا فوق التل فبالتأكيد سيرونه، وهذا أمر كان لابد له من المجازفة به … مكث هناك ينظر الى البحيرة، وكان شاكراً لكون الجو غير حار وألا كان سيلقى فوق سطح العربة، وتغنى مع نفسه لو أنه ملأ قنينة بالماء كأحتياط في حال عطشه.  وشاهد الأخرون يلعبون ويمرحون على حافة التل وتخرج أعمدة دخان صغيرة من مخيم السيرك في الأسفل، وسمع أحدهم يصفر، فجمد في مكانه معتقداً ان يد العدالة قد تطاله، ألا أنه لم يكن سوى أحد الفلاحين العاملين في مزرعة السيدة “جارا نوس” ومعناه بالعربية “قدر” !

وبعدها سمع “كورك” صوتاً، وصار قلبه يدق متسارعاً … لم يجرؤ على رفع رأسه مخافة ان يروه، ولكنه عرف صوتهما عندما أقتربا.

 

قال أحدهما:

“ليس هناك أحد هنا.  واخيراً ذهبوا الى المدينة وأخذوا معهم ذلك الكلب المزعج”.

 

قال الآخر:

“شاهدتهم يركبون الباص، وقد أخبرتك بذهابهم اليوم بطوله.”

 

كنت يومها شاباَ … أحببت فتاة طيبة القلب … ولكنها كانت من أسرة فقيرة … ووقفت أمي في طريق الزواج سداً، وحاولت المستحيل لتمنعني … ومع ذلك فقد تزوجت بها سراً … وكانت ثمرة الزواج بنتاَ أسمها “جوان” …

 

البنت العاقة والصهر اللئيم يسيئان معاملة …

 

ثم دلف الى غرفته وراح …

 

برقت عينا الفتاة طمعاَ، وكذا الرجل “الصغير الأسود”.

 

لم يحط أحداَ كبريائي، لم أسمح لأحد ان يلوث عفتي، لقد كانت أرادة الله ومشيئته ان أبقى عفيفة.  أرتديت “الشادور”، وذهبت الى بيت الجيران.  وعددت أدراجي من سطح البيت، وأنا ما أزال أبكي … شعرت أنني أغتسل في دموعي …     

 

 

 

علي أسماعيل حمة الجاف

 

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار