الرئيسية / الاخبار / الكون المرئي بين رؤيتين : تقليدية وتجديدية

الكون المرئي بين رؤيتين : تقليدية وتجديدية

د. جواد بشارة /////

 

نشر ألبرت آينشتين Albert Einstein في بداية القرن العشرين، وبصيغيتن، نتائج أبحاثه وتأملاته حول طبيعة الحركة. ظهرت الصيغة الأولى سنة 1905 وركز على الزمان  والمكان والسرعة ولم تتظرق إلى لا إلى التسارع ولا إلى قوة الثقالة أو الجاذبية وسميت بالنسبية الخاصة، وهي النظرية التي استند إليها العالم ديراك Dirac سنة 1928 وبتشبيكها بالفبزباء الكمومية أو الكوانتية physique quantique من أجل صياغة معادلته الشهيرة التي حملت إسمه وسنتناولها في سياق البحث. ومن ثم نشر آينشتين سنة 1915 الصيغة الثانية لنظريته النسبية التي تناولت موضوع الجذب الثقالي attraction gravifique . ومنذ طلك التاريخ لم يظهر ديراك آخر في الوسط العلمي ليتمكن من وصف سلوك الجسيمات الكوانتية particules quantique  داخل حقل أو مجال من الثقالة  الكثيفة gravité intense  وهنا تجلت المشكلة أو المعضلة  العويصة التي تعيق توحيد النظريتين النسبية والكوانتية. حصلت انعطافة حادة في العقل الجمعي البشري بشأن الكون بفضل آلية انتشار المعرفة والمعلومة العلمية بواسطة وسائل التعبير العلمية والتربوية والتكنولوجية الحديثة خاصة في العقود الأربعة المنصرمة، أي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشريين. فلم تعد مفردات كالمادة والطاقة والزمان والمكان والقوة والواقع، تحمل نفس القيم والتفسيرات، وبالتالي بات من الضروري مراجعة مداركنا وتصوراتنا لهذا الكون المرئي وما يتعلق به من مفاهيم ومعطيات، خاصة فيما يتعلق بمفهوم تعدد الأكوان. لقد سمع الجميع بحدث فيزيائي شهير إسمه “الانفجار العظيم Big Bang” والذي يعتبر بداية لتوسع أو تمدد الكون. ولكن لا يوجد كثيرون يعلمون بكيفية تقديم العلم ووصفه لتاريخ الكون. فلم تبن هذه القصة في يوم واحد! بل كانت نتيجة لعمل طويل قام به الالاف من الاشخاص الذين فقد بعضهم حياته، مثل جيوردانو برونو Giordano Bruno ، الذي أحرق حياً من قبل محاكم التفتيش في البندقية – فينيسيا في 17 شباط- فبراير سنة 1600 … ولكن يجدر بنا القول أن هذه القصة عن الكون كما نفهمها الآن تبدو غريبة جداً، وغير قابلة للتصديق وبالتالي هي ليست بديهية.

في العصور القديمة
 الشعوب القديمة عموما تصورت السماء ثابتة: كما تصورت تلك الشعوب كذلك بأن  الكون كان موجوداً دائما أي أنه أزلي وأبدي وليس له بداية ولا نهاية. أما في الهند، فقد أعتقد الفلاسفة هناك بأن الكون لانهائي. بينما كانت النظرة إلى السماء في أوروبا، تبدو وكأنها قبو مليء بالنجوم، وهي كواقع مادي، تبدو ككرة ضخمة ولكنها محدودة الأبعاد زرعت فيها النجوم. وبالنسبة لبعض الشعوب الأفريقية، كانت درب التبانة، أي مجرتنا، ” بمثابة العمود الفقري للوجود وإنها تدعم السماء وتمنعها من الانهيار. وبالنسبة لبعض الشعوب الهندية الأمريكية، كانت في السماء أربع شجرات ضخمة يستند عليها الكون … ومن اللافت للانتباه أن كل هؤلاء الناس دفعوا للاهتمام الدقيق بالأشياء السماوية، وبعد قضاء الآلاف من الليالي الطوال للتدقيق بالعين المجردة، لمعرفة ما كان يحدث … تشكلت لديهم قناعات بدائية لكنها قابلة للتطور، فقد كانوا يعرفون مسبقا أن هناك 6 “نجوم تائهة”، وإن بعض الكواكب يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وتجولت أنظارهم في الأبراج، وتوصلوا إلى ما عرف لاحقاً بمدار الشمس، ومعرفة مجموعات من البروج …
 ما عدا في الهند حيث كان ينظر إلى الكون على أنه كان موجوداً دائما، كان لدى جميع الشعوب القديمة نظرياتهم الكونية، بدءاً بسفر التكوين، وخلق العالم. وأشهرها هو ما جاء في الكتاب المقدس أي التوراة، الذي يقول إنه تم خلق الكون على يد إله واحد. وكل من تجرأ على الطعن بهذه النظرية كان مصيره الموت..على خشبة المحرقة.
ولكن مع ذلك، بدأت الأبعاد الحقيقية للكون تترسخ تدريجياً. وبفضل تردد بعض العلماء بقبول الرؤية الغيبية بدأ الناس يتعرفون أكثر فأكثر على الكون بصيغته العلمية. وكان إيراثوستين Erathostène ، هو أول من تمكن من حساب قطر الأرض بدقة رائعة حوالي 200 سنة قبل الميلاد، ( وكانت نسبة الخطأ لا تتجاوز 100 كم فقط!).
 وكان إيراثوستين Erathostène مديراً لمكتبة الإسكندرية العظيمة، والتي كانت منذ ما يقرب من ثمانية قرون أكبر مكتبة في العالم في ذلك الوقت. ولكن تم تدميرها في  سنة 685، وحرق الكتب الثمينة من أجل (تسخين الحمامات العامة!)  وكانت بحق أكبر كارثة في تاريخ البشرية. وبذلك فقدنا مصدراً هائلاً من المعرفة بسبب حماقة بعض البشر المتعصبين …
كان كثيرون يعرفون أن الأرض كبيرة جداً، ولكن هناك العديد من الكواكب المشابهة لها ومنها ماهو أكبر منها بكثير ولها اقمار وتوابع كقمرنا لا سيما في الكواكب البعيدة جدا. يبدو أن هذه المعرفة  ضاعت أو فقدت خلال العصور الوسطى، ولكن ليس تماماً،  حيث تجدر الإشارة إلى أن كولومبوس  كان يعرف حسابات إيراثوستين Erathostène، لكنه خدع من حوله وأخفى معرفته بهذه الحقيقة العلمية وجعلها معلومة خاصة به  لم يعرضها عندما قدم مشروعه للذهاب إلى جزر الهند من ناحية الغرب، كما لو أن الأرض كانت كبيرة جدا وبلا حدود. كان اختراع التلسكوب من قبل غاليليو في عام 1609 هو الذي أحدث ثورة في علم الفلك: ووجدت المجموعة الإنسانية نفسها مضطرة لقبول أن الكواكب تدور حول الشمس كما أثبتت ذلك الأقمار الصناعية فيما بعد ( وقد نجح غاليليو في اكتشاف الأقمار الأربعة الكبرى التابعة  لكوكب المشتري).
العصور الحديثة
طيلة قرنين من الزمان، كان الناس يراوحون في نفس المكان فكرياً فيما يتعلق بتصورهم للكون: فهو لا يتعدى النظام الشمسي والنجوم. ولا أحد يعرف ما هي المسافة التي تفصلنا عنها حيث بقي ذلك سراً. إنها بعيدة جداً، لأنه بخلاف ذلك كان ينبغي أن نجد فرقاً في زاوية الرؤية عند رصدنا نفس النجمة بتلسكوبين متباعدين عن بعضهما، أو على نحو أفضل، أن يتم الرصد بتلسكوب واحد، ولكن مرة كل ستة أشهر (بما أن الأرض تدور حول الشمس في سنة واحدة، وأنها تبعد عن الشمس  150 مليون كيلومتر،  كان ينبغي أن نجد أنه بعد مرور ستة أشهر فإن المسافة بين موقعين بالنسبة للأرض تكون 300 مليون كيلومتر). لكننا لم نجد مثل هذا الفرق.
 ظهر السبب في القرن التاسع عشر: تطلب الأمر أداة قياس دقيقة للغاية، واختيار نجمة قريبة بما فيه الكفاية. وجدنا من خلال القياس المباشر (اختلاف في زاوية الرؤية، سميناه المحور المتوازي  parallaxe ) أن المسافة مع أقرب نجم هي: أربعة وأربعون ألف مليار كيلو متر ، أو ما يعادل ثلاثمائة ألف مرة المسافة بين الأرض والشمس. واليوم، تستخدم وحدات قياسية أكثر عملية من الكيلومترات. مثل السنة الضوئية L’année-lumière ، والتي على الرغم من اسمها فهي طريقة لقياس المسافة، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة، أو حوالي عشرة آلاف مليار كيلومتر. إن نجمة Alpha du centaure ألفا دوسنتور،  هي أقرب نجمة (مرئية في نصف الكرة الجنوبي)، وتقدر المسافة التي تفصلها عنا بـ 4.3 سنة ضوئية. أي أننا نراها كما كانت عليه حالها قبل أربع سنوات وأربعة أشهرتقريباً. بينما تبعد الشمس عنا، بـ 8 دقائق ضوئية: أي إننا نراها كما كانت قبل ثماني دقائق!
و الـ parsec بارسيك، التي هي المسافة التي  يكون الاختلاف في زاوية الرصد (المحور المتوازي parallaxe )، بعد انقضاء ستة أشهر، يساوي ثانية في القوس une seconde d’arc (أي  1/3600e  درجة زاوية). والبارسيك تساوي حوالي 3 سنوات ضوئية. وكما نرى فإنه لقياس المسافة مع النجوم القريبة، يتعين علينا معرفة قياس الزوايا بنسبة 10/1000 من الدرجة. وبالنسبة للنجوم البعيدة؟ في هذه الحالة، فإن أفضل التلسكوبات في العالم، بما في ذلك التلسكوب الفضائي هابل télescope spatial Hubble ، تكون عاجزة، نظراً للمسافات البعيدة جداً للنجوم: وتطلب الأمر منا أن نتعاطى معها بشكل غير مباشر. وأبسط فكرة هي أنه كلما كان النجم يبدو أقل إضاءة، فإنه يكون أكثر بعداً، على الأقل في أول تقدير تقريبي. ولصقل هذا التقدير التقريبي، يتعين علينا أن نعرف ما هو السطوع الفعلي للنجوم، أو ما نسميه مقدار النور الحقيقي في تلك النجوم leur magnitude vraie . ولكن كيف لنا أن نعرف ذلك؟
هنا لا بد لنا من الاستشهاد بـ أوغست كونت Auguste Compte ، وهو الفيلسوف الذي بحث عن حدود المعرفة البشرية، والذي أكد في العام 1840 أنه سيستحيل على الإنسان وإلى الأبد معرفة تكوين وتركيبة النجوم. وبعد ثلاث سنوات من وفاته اكتشف العلماء أن ذلك ممكن، وذلك عن طريق تمرير ضوء النجوم من خلال موشور، ليظهر الضوء على شكل قوس قزح، ونتج عن ذلك أيضاً خطوط مظلمة أو داكنة، والتي كشفت بعد فحص تكوينها!  وتبين بعد الفحص أنه لم يكن لدى النجوم نفس الألوان ولا نفس التكوين، بل ظهر أساسا أنها تحتوي على 90-99٪، من الهيدروجين hydrogène والباقي من الهيليوم hélium وآثار من العناصر الأخرى. وهذا يعني أن  اوغست كونت Auguste Compte أخطأ في اختيار مثاله.
ثم بدأت عملية طويلة من المسح الكوني d’arpentage cosmique  باستخدام هذه التقنية، أي طريقة التحليل الطيفي spectroscopie . وعلى نحو تدريجي،  وانطلاقاً من النجوم القريبة التي باتت مسافاتها وتكوينها معروفا الآن،  تبين أن بإمكاننا تحديد أنواع الأطياف ونوعيات النجوم التي كانت معروفة،  ويمكننا تحديد مقدار النور الحقيقي لها magnitude vraie. لذلك، فإنه كان كافيا لنذهب أبعد من ذلك  إنطلاقاً من ألوان الطيف القادم من نجم  ومن سطوعه الظاهر sa magnitude apparente ( أي سطوعه المقاس على الأرض)،  إذ سيكون بوسع المرء حساب حجمه الحقيقي، وبالتالي مسافته التي تفصله عنا!
 وهكذا ظهرت الأبعاد الحقيقية لمجرتنا: أي أن قطرها هو حوالي 100 000  سنة ضوئية. ولغاية أواخر القرن التاسع عشر، كنا عند هذا الحد من المعرفة : وكان الكون، عند الكثيرين ليس سوى مجرة ​​درب اللبانة، وهذه المجرة فريدة من نوعها ووحيدة. وكان عمل الفلكيين بسيطاً: فكل ما كان عليهم فعله هو وضع “خريطة الكون كله” المحددة بمجرة درب التبانة. وكان علماء الفلك في ذلك الوقت رسامين لخرائط، وليسوا منظرين.
 
 
 
معجزة
 لا يزال هناك، مع ذلك، مشكلتان “ثانويتان”: أولا، لم نكن نعرف كيفية عمل النجوم. وما هو مصدر قوتها المذهل؟ فكل متر مربع من سطح  كوكبنا يتلقى يومياً حوالي 1 كيلو واط من الطاقة الشمسية. وإن إجمالي مانحصل عليه من الطاقة من الشمس، يسقط في الصحاري، حيث الطاقة المنتشرة فيها تفوق آلاف المرات كل ما نحتاجه من الطاقة … والشمس تبعد بحوالي مائة وخمسون مليون كيلومتر عن الأرض! ولم تعد نظرية “كرة النار” صالحة: لو كانت الشمس مكونة من عنصر الكاربون، فإن الاحتراق فيها من شأنه أن يستمر أقل من ألف سنة. ولكن  الشمس مكونة من الهيدروجين، وليس الفحم وهذا هو سر استمرارها …
 ثم كانت هناك مشكلة مع هذه الأجرام أو الأجسام الغامضة ، التي أعتبرت بأنها الغمامات أو”السدم”nébuleuse ، والتي من الواضح أنها لم تكن نجوماً، ومع ذلك يمكننا مشاهدتها ورصدها في جميع أنحاء السماء. فقط عندما تم بناء التلسكوب الكبير على جبل ويلسون (ويبلغ قطره 2.54 م )، في كاليفورنيا، سنة 1917، بات بإمكاننا أن نميز، في مجرة آندروميد، نجوماً صغيرة قليلة. أغلب السدم، والمجرات ، كانت عبارة عن عناقيد أو حشود من النجوم ولكن على أية مسافة كانت تتواجد؟ اعتقد معظم علماء الفلك أنها كانت تتواجد في مجرة درب التبانة.
هنا حدثت معجزة صغيرة: ففي عام 1912، بدأت عالمة الفلك الشابة، هنرييتا لوفيت Lewitt Henrietta (أو leawitt)، تحلم. وكانت وظيفتها أخاذة: كانت مكلفة بتحديد وتصنيف القياسات و درجات السطوع والمسافات لبعض النجوم المتغيرة، المعروفة باسم ” céphéïdes “، لأننا نجد الكثير منها في كوكبة سيفييه la constellation de Céphée. إن هذه النجوم المتغيرة  variables  هي واحدة من عجائب الطبيعة: فبدلا من “احتراقها” بانتظام مثل شمسنا، نجد أنها غير مستقرة. فلمعانها يختلف بانتظام مع مرور الوقت وهو لمعان متذبذب. فعلى سبيل المثال، نجد أن نجمة ميرا (المدهشة أو العجيبة) في برج الحوت، تشهد تبدل تألقها من العادي أو البسيط إلى المضاعف في غضون أشهر قليلة! وقد أزعج هذا التشخيص العالمة الشابة هنرييت، حيث بدأت تضع على الرسم البياني حالة السطوع (درجة النور الحقيقي magnitude vraie ) للنجوم وفقا لفترة من التذبذب الضوئي. ولم تصدق العالمة عينيها، فقد جاء الرسم البياني  على شكل خط مستقيم! كان السطوع الحقيقي للـ céphéïdes عبارة عن وظيفة أو دالة مباشرة fonction directe  عن فترة ديمومتها. بات من الممكن، فقط من خلال مراقبة céphéïde واحدة وقياس مدة عملها ودرجة تألقها الظاهري éclat apparent تحديد سطوعها الحقيقي، وبالتالي المسافة التي تفصلها عنا! والحال أن الـ céphéïdes  ليست نادرة، وتوجد بكثرة في مجرة أندروميد. وقد قدرت تلك المسافة بمليوني سنة ضوئية! مما يعني أن تلك الحشود النجمية تقع خارج مجرتنا وتتبع لمجرات أخرى أي أن الكون المرئي لا يقتصر على مجرة درب اللبانة، بل يحتوي على عدد لا يحصى من المجرات الأخرى، “الأكوان الجزر les univers-îles “، كما كانت تسمى في ذلك الوقت … كان الكون أكبر بعشرات، أو مئات، أوآلاف أو ملايين المرات مما يمكن للمرء أن يعتقد أو يتصور. وبعد ذلك تم العثور على عدد كبير من الـ céphéïdes ، في السدم والمجرات الأخرى، وغدا القياس يتم من خلال عشرات ومئات  الملايين من السنوات الضوئية لتحديد أبعاد الكون… ولكن كان ذلك مجرد خطوة!
حياة وموت النجوم
 وبعد حين جاء الدليل الأول … ليس من علم الفلك، بل من الفيزياء النووية la physique nucléaire . في سنوات الـ 1920، ظهرت نظرية الكم أو الكوانتا théorie quantique التي نشأت لفهم الذرة، وأيضا لفهم أداء النجوم: كانت النجوم بمثابة قنابل نووية حرارية عملاقة thermonucléaires . ففي كل ثانية تفقد الشمس أربعة أطنان من كتلتها، وتحولها إلى الطاقة الضوئية. وفي قلبها، عند أكثر من مائة مليون درجة، تندمج ذرات الهيدروجين أو تلتحم لتشكل ذرات الهيليوم. والحال أن كتلة ذرة الهيليوم أصغر من ذرات الهيدروجين التي ولدت خلال ردة فعل الانصهارالنووي … ثم يتم تحويل الاختلاف في الكتلة إلى طاقة وفقا لمعادلة آينشتاين الشهيرة E = MC2  أي الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء. في هذه المعادلة، E هي الطاقة المنطلقة في جول م Joules, m ، بالغرامات و c هي سرعة الضوء في متر في الثانية (soit c =3×108). بسبب هذا العامل الذي ينبغي رفعه إلى مربع العدد، فإن فقدان كتلة، مهما كان ضئيلاً (4 طن في الثانية الواحدة)  فإنه سيؤدي إلى إطلاق هائل من الطاقة، وبهذا يمكننا فهم مدى قوة الطاقة الشمسية.
ولذلك، بات من الممكن، بالنظر لمعرفتنا بآلية التفاعلات النووية المستخدمة في الشمس والنجوم ، أن نحسب كتلتها، وأيضاً عمرها ومدة حياتها. وهكذا بفضل ضوء الشمس: تم تقدير عمر الشمس بـ 5.5 مليار سنة، وأنها لا تزال تضيء سماءنا لمدة خمسة مليارات سنة قادمة وربما أكثر. لكن هذا ليس هو الحال بالنسبة لجميع النجوم. وهنا يتم  تطبيق منطق غريب: فكلما كان النجم كبيراً، كلما عاش عمراً أقصر. فالنجوم الكبيرة جدا، و “العمالقة الزرقاء” توجد فيها تفاعلات نووية مكثفة جدا وتبذر رأس مالها الثمين من الطاقة، بعد بضعة مئات الملايين من السنين على الأكثر. وفي المقابل، أمام النجوم الصغيرة تمتد حياة طويلة وهادئة تقدر بعشرات المليارات من السنين.
وبالتالي، فإن النجوم والمجرات تولد وتموت كالبشر وككل شيء في الكون المرئي. فكيف تولد النجوم؟  من عمليات التكثيف، التي تحدث تحت تأثير الجاذبية، من الغيوم الضخمة “الأغبرة” ( غاز الهيدروجين في الغالب) التي تم العثور عليه هنا وهناك في المجرة (والسدم التي ليست مجرات أخرى هي مثل هذه الغيوم).
 وهكذا يمكننا تحديد عمر مجرتنا: حيث قدر بحوالي 10 إلى 15 مليار سنة. فالشمس أكثر شباباً مرتين من العمر التقديري للمجرة، كما انها تشكل جزءا من الجيل الثاني من النجوم في المجرة. فكل جيل يحتوي على أقل قدر من الهيدروجين  من سابقه و أكثر قدر من الهليوم من الجيل السابق من النجوم، وذلك لأن الهيليوم هو “رماد” من التفاعلات النووية الحرارية réactions thermonucléaires . بيد أن ولادة نجوم الجيل الثاني هو أكثر تعقيدا، وفي الحقيقة أن السحب الكثيفة من الهيدروجين من الكثافة بمكان أنها كانت قادرة على توليد الجيل الأول من النجوم في المجرة ، فالغيوم الكونية الأخرى، الأقل كثافة، تحتاج  إلى “دفعة” إضافية لتتكثف وتؤدي إلى خلق نجوم أخرى. وإن الذي سيعطي هذه الدفعة الإضافية ناجم من جراء انفجار نجم، أو “سوبر نوفا” super nova .
وهذا ما حدث بالقرب من شمسنا: فمما لا شك فيه أن  نجماً هائلاً سوبر نوفا قد انفجر، قبل ستة او سبعة مليارات سنة، في جوارنا الكوني، الذي لا يتضمن سوى سحابة كبيرة من الهيدروجين والهليوم حيث سببت موجة الصدمة الناجمة من هذا الانفجار الهائل، انهيار السحابة، وهذا ما قاد إلى خلق الشمس ، ولكن ليس هذا فقط. ففي الواقع، إن انفجار سوبر نوفا، ومن قلب الحرارة الرهيبة للنجم  وهو في حالة الإنفجار، التي تصل إلى بضعة مليارات من الدرجات، وفي خضم التفاعلات النووية الأخرى المحتملة: نلاحظ أنه بدلا من تحويل الهيدروجين إلى الهيليوم، كما هو الحال في نجم عادي، يمكنها تحويل الهليوم إلى أكسجين، والأكسجين إلى الكربون، وتفاعلات أخرى. والتي يمكنها في الواقع أن تنتج حتى ذرات لعناصر ثقيلة مثل الحديد والذهب، علماً بأن الذرات التي لم تكن موجودة من قبل. ولأنه يوجد الذهب على الأرض، فإننا نستنتج أنه لا يمكن أن ينتج هذا المعدن الثمين إلا بدرجات حرارة تشبه تلك السائدة في السوبر نوفا وهي في حالة انفجار، ونحن نعلم أن مثل هذا الحدث قد وقع. وقد خلق هذا الحدث كل الذرات والجزيئات التي تؤدي في النهاية إلى ولادة الكواكب والأرض. وهكذا فإن المواد التي ذكرناها كانت قد ولدت في قلب نجم.
 السيناريو يبدأ في التبلور: الكون يتطور ،وتركيبته الكيميائية تتغير مع مرور الوقت. في البداية، (ولكن عن أية بداية نتحدث وماذا نقصد بالبداية بالضبط؟.)، لم يكن هناك سوى الهيدروجين والهيليوم، ولا شيء آخر. نجوم الجيل الأول تولد ومن ثم تنفجر. والمواد المصنعة في قلب النجوم تنفجر، وتطلق  في الفضاء بسرعة هائلة، حيث تثري الغيوم الكونية بالعناصر الأثقل التي تأتي منها نجوم الجيل الثاني ومنها شمسنا.
إذن هل الكون محدود أم لا؟
 واستمرت أعمال المسح الكوني، ولكن هذه المرة على صعيد آخر،: كان المطلوب تعداد المجرات، وتحديد المسافة وذلك باستخدام طريقة الـ céphéïdes التي اقترحتها العالمة هنرييت لفيت Lewitt. عند ذلك دخل للمشهد العبقري الصغير، إدوين هابل Edwin Hubble. فلم يكتف هذا العالم، في عام 1923، بتحديد المسافة بيننا وبين مجرة آندروميد la galaxie d’andromède باستخدام طريقة الـ céphéides ،  بل إنه اكتشف ظاهرة غريبة في عام 1929 ألا وهي ظاهرة الانزياح الطيفي: فكلما كانت المجرة بعيدة، كلما انزاح طيفها أكثر نحو الأحمر. إن أطوال الموجات من “الخطوط الطيفية” للهيدروجين وعناصر أخرى هي أطول مما ينبغي. فما هو السبب؟ فسر هابل Hubble هذه الظاهرة قائلاً: كلما كانت المجرات البعيدة ، كلما ابتعدت عنا بسرعات عالية. ويتم ذلك بسبب وجود تأثير بسيط جدا هو ما يعرف بتأثير دوبلر l’effet doppler. فعندما تتجه نحونا سيارة شرطة أو سيارة إطفاء الحرائق في سرعة عالية، يكون صوت صفارات الانذار المنطلق منها أكثر حدة plus aigu   مما لو كانت تبتعد عنا. وهذا هو، تأثير دوبلر l’effet doppler ، وهو ينطبق على جميع الموجات، الموجات الصوتية، والموجات الضوئية أو موجات الراديو.وبالنسبة لهذه الأخيرة  فإن حدة صوتها  “تتناسب مع انزياحها نحو اللون الأزرق، والصوت “الحاد grave ” ينزاح  نحو اللون الأحمر.
ومن خلال قياس المسافات والانزياح نحو الأحمر بشكل منتظم للمجرات الأقرب إلينا (نسبيا) ، اقترح العالم الفلكي  هابل “ثابت هابل constante de hubble “، الذي يربط الإنزياح الطيفي أو اللوني بمسافة المجرات: فكلما كانت منزاحة أكثر نحو الأحمر ، كلما كانت أبعد ولكما ابتعدت أكثرعنا.
وهناك احد من أمرين، فإما أن  مجرتنا تحتل مركز الكون وكل شيء يفر منا ، وهو موقف ليس إنساني الشكل أو ليس تشبيهوي أو تجسيموي anthropomorphique ولا يمكن تقبله في الواقع insoutenable ، أو  يبدو الكون كما لو أن المجرات رسمت على “منطاد ballon de baudruche “(رباعي الأبعاد ) وهو ينتفخ تحت تأثير وجود” تمدد أو توسع للكون expansion de l’univers “. وبالتالي فإن الكون تمدد و توسع، مما يعني أنه لديه أصل أو بداية داخل الزمن:  وإن معكوس ثابت هابل يعطي مباشرة عمر الكون: من 13 إلى 15 مليار سنة. في ذلك الوقت، كان الكون صغير جدا، وحار جدا، كما لو كان قد نجم عن انفجار عنيف cataclysmique explosion. وسيكون هذا الانفجار الكبير هو البغ بانغ BIG BANG ، وهو التعبير الذي انتشر في لمح البصر في جميع أرجاء العالم.
ومن ثم لم يعد علم الكونيات أرضية صالحة لنشاطات مساحي الأراضي، بل أصبح ساحة رئيسية  للمنظرين في مجال الفيزياء النظرية وعلم الأكوان. وسيتكاثر أعدادا هؤلاء المنظرين بوفرة. وسوف تتحاذى النظريات أكثر فأكثر ويزداد عددها، في محاولة لتفسير هذا الانزياح نحو الأحمر بفعل سبب آخر غير تأثير دوبلر. ووفق نظرية التعب الضوئي théorie de la fatigue de la lumière:  فعندما ينتشر الضوء على مسافات هائلة غير قابلة للقياس ، “فإنه سيتعب”، ويفقد جزءاً من الطاقة، وبعد ذلك سوف يتحول إلى اللون الأحمر (الفوتونات ذات الانخفاض  الأقل وتيرة لديها أقل طاقة، وفقا لنوعية العلاقة الكمومية أو الكوانتية E=h ). الطاقة المفقودة سوف توجد مرة أخرى من جراء الخلق العفوي للمادة، والتي من شأنها أن تملأ الفراغ  المجري vide galactique   تدريجيا: وفي هذه النظرية أن الكون ثابت وغير محدود، وهو نفسه تقريباً في كل مكان وفي أي وقت. .. فما هو الصحيح وما هو الخاطيء في هذه الأطروحة؟ ومن هو على حق؟
إن هذه الملاحظة سوف تعني نهاية كل تلك النظريات الجميلة، وترك واحدة منها فقط هي ، نظرية الانفجار العظيم Big Bang: وفي عام 1965 تم اكتشاف أن خلفية السماء، حيث لا يوجد أي كائن جسم أو جرم  سماوي، تنبعث منها موجات الراديو في ترددات ملليمترية fréquences millimétriques. إن طيف من “ضجيج الخلفية الكونية Bruit de rayonnement fossile ” هو بالضبط  نفس الطيف الناجم من “الجسم الأسود” بدرجة حرارة 3 درجات كلفن، أي -270 درجة مئوية. فماذا يعني هذا؟
إن “إشعاع الجسم الأسود rayonnement du corps noir ” هو مصطلح خاص وغامض … استخدمه الفيزيائيون لوصف الاشعاع المنبعث من جسم ساخن: من الصلب أو الفولاذ المنصهرعندما يسطع الضوء البرتقالي الجميل، ومن داخل فرن للانحلال الحراري four à pyrolyse نشط حيث يكون الشعاع هو الأحمر الداكن، وفي الواقع أن كل جسم ليس في درجة الصفر المطلق (0°K soit -273,18°C) يبعث إشعاعاً. وبالنسبة لجسم باردا جدا، فإن هذا الإشعاع لم يعد واضحاً أو مرئياً، بل هو حتى ليس في نطاق الأشعة تحت الحمراء، بل ضمن موجات الراديو وبالتالي فإن الأشعة الكوزمولوجية rayonnement cosmologique تقيس درجة الحرارة الكونية المتبقية في الكون:  3°K 3 ° ك. إن درجة الحرارة هذه هي على وجه التحديد تلك التي يتم تحديدها  وقياسها من خلال محاكاة تبريد الكون منذ الانفجار العظيم.و يبدو أننا قد نكتشف من خلالها  الهيكل الحقيقي أو البنية الحقيقية  للكون.
الكون هو إذن محدود في الفضاء، وهو محدود في الماضي. فهل هو كذلك في المستقبل؟ ما هو شكله الطوبولوجي؟ ماذا نعني  بالقول أنه بمثابة “فقاعة تتوسع في أربعة أبعاد”؟ هل تختلف سرعة التوسع أو التمدد مع الوقت أو بمرور الزمن؟ لم ينته العلماء في التخمين والافتراض بشأن هذه التساؤلات.
تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى حجة غريبة فيما يخص محدودية الكون. في البداية، يبدو طرح سؤال كهذا ساذجاً: لماذا تكون السماء مظلمة ليلا ؟ إذا كان الكون لانهائي، ويحتوي على عدد لا حصر له من النجوم؟، هل  يمكن أن يعتقد أن وراء كل نقطة في الفضاء ينبغي أن يكون هناك نجم ما، وبالتالي فإن هذه النقطة يجب أن تلمع أو تسطع. وبدلا من أن تكون السماء سوداء، فإنها ستكون كأنها فرن! والخلاصة: هل الكون محدود؟ في الواقع، هذا منطق بسيط ..وعلينا تجنب  التبسيط. التفسير الحقيقي لواقع لماذا السماء سوداء يتطلب حججاً  وتوضيحات معقدة جدا مستمدة من نظرية النسبية العامة.
لذلك كل شيء واضح؟
 خلاصة القول أن الكون المرئي ولد قبل حوالي 15 مليار سنة – وربما أقدم من ذلك بكثير – من جراء إنفجار عظيم مذهل  fanstastique explosion  ،  اشتهر باسم الانفجار الكبير le big bang..  ينبغي التحذير بانه لا يجب علينا أن نتصور وقوع انفجار تقليدي في الفضاء، بل علينا أن نتخيل انفجاراً للفضاء نفسه: بمعنى من المعاني، إن الانفجار الكبير لم يحدث في موقع معين من المكان الكوني، ولكن في كل مكان في آن واحد. أما بشأن السؤال لماذا هذا الانفجار العظيم، فإن النظرية السائدة تقول ان ذلك نجم عن “تقلب كمومي أو كوانتي fluctuation quantique ” ضخم تعلمنا  فيزياء الكم أو الكوانتا لا نعرف عنه الكثير اليوم بعد ولكننا نعرف أنه( وفق مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج principe d’incertitude de Heisenberg) أننا لايمكننا قياس طاقة لجسيم أو مجرد جزء من الفضاء بدقة لا متناهية في زمن محدد أو محدود: فحالة عدم اليقين بشأن الطاقة تصبح كبيرة جدا إذا ما حاولنا قياس ذلك في فترة زمنية قصيرة جدا. أما في فترة زمنية تعادل صفر، فإن الفاصل الزمني للطاقة هو … ما لا نهاية. ومن هنا حدث الانفجار الكبير، الذي تتوافق فيه الطاقة مع حالة عدم اليقين للقياس “خلال زمن بلانك temps de Planck “، وهو أصغر فاصل زمني للوقت  يمكن تخيله وله معنى فيزيائي بالمعنى المادي.
 في البدء كان الكون حاراً جداً، في لحظة ما فريدة. ومنذ ذلك الحين، فإن الكون يتوسع باستمرار مع تزايد برودته. ويمكن قياس درجة حرارته الفعلية: 3°K 3 ° ك. إن المجرات في هذا الكون المرئي تتحرك بعيدا عنا وكلما ابتعدت أكثر ازدادت سرعة ابتعادها. إذن فقياس (بموجب تأثير  دوبلر par effet doppler) سرعة الركود vitesse de récession   هي التي تعطي المسافة بينهما ولكن لا تزال هناك بعض المشاكل. وربما تتسبب تلك “المشاكل الصغيرة” بتدمير صرحنا الكوني النظري الجميل.
النموذج القياسي أو المعياري…و مشاكله
 لذلك ترسخت فرضية أنه كان هناك بيغ بانغ انفجارعظيم.  ولكن متى وقع؟ ان ذلك يعتمد على معدل توسع الكون. ومن المرجح أن  هذا الإيقاع يؤدي إلى التباطؤ مع مرور الوقت، ولكن في الحقيقة، وبسبب قوة الجاذبية بين المجرات، وكتلة الكون نفسه، قد “يكبح” ذلك التوسع الكوني.
 إن ثابت هابل La constante de Hubble ، الذي يربط بين سرعة الركود (التباعد) للمجرات مع المسافة بينهما، يمكن أن يمنحنا إمكانية إعطاء عمر تقديري للكون. والذي هو حوالي 15 مليار سنة.  العقبة الأساسية  أمام هذا التقدير  تكمن في صعوبة تحديد قيمة ثابت هابل الذي أعيد تقديره عدة مرات في فترات زمنية متتالية، كما تجدر الإشارة إلى ان هذا الاجراء يفترض أن ثابت هابل هو ثابت (في المكان والزمان)، وهو الأمر الذي لم يكرس رسميا …
 الانكماش الكبير   Big Cruch؟ Big Crunch
 إن هذا العمر المقدر للكون ينبغي أن يتسق مع عمر أقدم النجوم المرصودة، والتي يمكن حسابها باستخدام النماذج الداخلية لعملياتها أو تفاعلاتها النووية (وسيكون من العار أن يكتشف أن هناك نجوماً أكبر سنا وأقدم من عمر هذا الكون وهو أمر غير مستبعد علمياً مع تقدم التكنولوجيا وتطور أجهزة القياس والرصد.
 ماذا عن مستقبل هذا الكون؟ وهل سيستمر التوسع إلى أجل غير مسمى، أو سيتوقف؟، وفي هذه الحالة سوف تتبعه مرحلة انكماش تتسارع على نحو متزايد، مما يؤدي في النهاية إلى عملية “إنكماش كبير big crush “، أي فعل معاكس لعملية الانفجار الكبير big bang ؟ إن الفرضية الثانية لا تخلو من عوامل الجذب: وفقا لبعض المنظرين، حيث سيتم خلال عملية الانكماش، حسب افتراضهم،” إنعكاس الزمن ” مما سيؤدي إلى نموذج جذاب، وبسيط هندسيا. يمكن للمرء أن يتصور أيضا أن يعقب عملية التقلص أو الإنكماش الكبير وعلى الفور عملية إنفجار كبيرة جديدة، وهو نوع من الانتعاش أو القفزة rebond. سيكون لدينا عندئذ ذلك النوع من الكون الدوري أو التعاقبي un univers cyclique ، مع مراحل متكررة من التوسع والانكماش، مفصولة بمرحلة الانفجار الكبير / والانسحاق أو الإنكماش الكبير. وفي هذه الأخيرة ، سوف تفقد كافة المعلومات المتعلقة ببنية الكون: فلا توجد معلومات يمكن أن تمر من كون إلى أخر. ولذلك ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة كيف كانت ماهية الكون الذي سبق كوننا الحالي ولا معرفة ماهية الكون الذي سيعقب كوننا المرئي الحالي.
يجب أن نذكر أيضا بأن الانفجار الكبير يتوافق مع خلق الزمان والمكان أو الزمكان حسب التعبير الآينشتيني: ليست الطاقة فقط هي التي يتم إنشاؤها أو خلقها، بل وأيضا المكان والزمان نفسهما. وبالتالي فإن مسألة ماذا كان يوجد “قبل” الانفجار الكبير “لا معنى لها. ولكن قبل أن نشرح ما يعنيه هذا القول، لنبقى في كوننا المرئي، سواء حدث أو سيحدث إنكماش كبير أم لا.
 كل شيء يعتمد على متوسط ​​كثافة الكون. إذا تجاوزت هذه الأخيرة درجة كثافة معينة هي درجة الكثافة الحرجة (منخفضة جدا: بضع ذرات لكل متر مكعب)، عند ذلك سيتوقف التوسع، و في نهاية المطاف يحق لنا القول بإمكانية حدوث إنكماش كبير (بعد مائة مليار سنة على أقل تقدير ): يقال أن هذا الكون مغلق fermé. فإذا كانت هذه الكثافة أقل من أو تساوي الكثافة الحرجة، حين ذاك سوف يستمر التوسع إلى ما لا نهاية: عندها سيقال بأن هذا الكون مفتوحاً. والحال أن من الممكن تقدير متوسط ​​كثافة الكون: إذ يتم أولا حساب متوسط كثافة المجرات (وذلك أمر سهل نسبياً، لأننا نعرف حجم وكتلة النجوم والغيوم أو السحب النجمية والمجرية وتلك الموجودة  بين النجوم المكونة لها)، ثم متوسط كثافة المجرات في الكون:ويبدو أنها تتجمع في مجموعات أو حشود وأكداس en amas  في بضع عشرات أو مئات من المجرات، وتلك الأكداس والحشود تتجمع بدورها في “عناقيد السوبر حشود super amas “، والتي تتجمع هي ايضاً فيتم تجميعها في مجموعات سوبر آماس مضاعفة super-super amas ، والتي تبدو كما لو أنها  رتبت في شرائط طويلة، أو نوعا من “الخيوط المتشابكة filaments “، مثل شبكات العنكبوت، مفصولة بفراغات هائلة. وفي المجموع، تكون النتيجة هي أقل من الكثافة الحرجة: وبالتالي يبدو أن توسع الكون يجب أن يستمر بلا نهاية.
في كل هذه الحسابات لم نضع في الاعتبار سوى المادة المرئية la matière visible. والحال يبدو أن هناك العديد من  الموجودات والأشياء والكائنات غير المرئية في الكون: مثل الثقوب السوداء les trous noirs ، والنيوترونات les neutrinos ، والكواكب الوحيدة التائهة les planètes solitaires ، و “المادة المظلمة أو الداكنة أو السوداء matière noire  matière sombre,. ما هي هذه الاشياء؟ سنتحدث لاحقاً عن المزيد من هذه  الموجودات والأشياء والمكونات والكائنات  الغريبة وغير العادية objets insolites. ولكن في الوقت الحاضر، ما يهمنا و ما يعنينا هنا هو أن كثافة الكون يمكن أن تكون أكبر من أو مساوية للكثافة الحرجة. ولأسباب جمالية، نلاحظ إن علماء الكونيات يرغبون في أن تكون مساوية تماماً للكثافة الحرجة، ولكننا هنا في  معمعمة المضاربة كلياً. فأخذ التمنيات على أنها واقع لم يساعد أبدا في تقدم التخطيطات والرسومات البيانية Schmilblick  … لكن الوضع ليس بهذه البساطة.

انحناء الكون La courbure de l’univers

 الطوبولوجيا La topologie هي دراسة الأشكال. ؟ فما هو شكل الكون ؟ كنا نتصوره دائما على أنه نوع من الكرة الهائلة أو المجال الكروي العملاق d’immense sphère ولكن هذا ليس هو الواقع. أولا ليس بوسعنا الفصل بين الزمان والمكان.!: فنحن نعيش في الزمكان النسبي espace-temps relativiste ، وإن هذا الزمكان منحني courbe . فالفضاء العادي الذي في داخله، كما نتصورهن يحتوي على ثلاثة أبعاد: وهذا يعني أنه ببساطة، ولتحديد موقع جسم بالنسبة لجسم آخر، نعتبره “الأصل” ، يؤخذ كمرجع، وبأننا سنكون بحاجة إلى ثلاثة إحداثيات، ثلاثة أرقام، والتي نسميها x,y, و z. ويمكن حساب المسافة بين جسم ما والأصل ببساطة باستخدام نظرية فيثاغورس pythagore: وفق هذه المعادلة d2 = x2 + y2 + z2. وتسمى هذه بالمسافة الإقليدية Euclidienne ( نسبة لاسم إقليدس Euclide ، وهو فيلسوف وعالم يوناني في العصور القديمة)، ونقول إن الفضاء هو الفضاء الإقليدي euclidien.
لكن زمكان النسبية ليس إقليدياً، وعلاوة على ذلك لديه أربعة أبعاد: مما يعني ببساطة أننا بحاجة إلى تنسيق البعد الرابع أو العثور على إحداث رابع من إحداثيات الفضاء الآينشتيني، ونشير إليه هنا بـ q ،من أجل موضعة أي جسم بالنسبة لجسم آخر لكن q ليس الزمن كما كنا نعتقد. في الواقع لدينا المعادلة التالية q = i.c.t حيث t هو الزمن، و c هو سرعة الضوء و i ” رقم تخيلي أو وهمي imaginaire ” مثل i2 = -1. في مثل هذا الفضاء، تكون النقاط هي الأحداث: فهي تتوافق مع “هنا والآن” أو “هناك وهذا التاريخ الخ”. في النسبية، نحب أن نطلق S (بدلا من d) على المسافة بين نقطتين- حدثين points-évenements. ومن ثم لدينا s2 = x2 + y2 + z2 – c2t2  (لاحظ علامة الطرح). يمكن للمرء أن يتصور مثل هذا الفضاء من خلال تخيل أن الإحداث q = ict يقيس التعاقبات الزمنية  بصيغة المتر الزمني mètre de temps ، وهذا الأخير هو المدة التي يستغرقها الضوء ليقطع متراً واحداً. “المسافة s ” المعرفة أعلاه تسمى مسافة مينكوفسكي la distance de Minkowski. وفي النسبية، تسمى “الزمن المعاش أو “الزمن القح” temps vécu” ou “temps propre.
عندما يحدد الرياضيون مسافة، فإنهم يبحثون عن التحولات التي تحافظ على هذه المسافة. أما في الفضاء العادي، الإقليدي، فإن هذه التحولات هي الترجمات translations والتناوبات rotations. في الفضاء المانكوفيسكي “Minkowskian” للنسبية، وتقتصر هذه التحولات على، أو تختزل في تحول واحد هو: تحول لورنتس transformation de Lorentz، والذي يتوافق مع “التناوب من زاوية وهمية أو تخيلية” لنظام إحداثيات ذو أربعة أبعاد …
لكن هذا ليس كل شيء: لقد قيل لنا إن هذا الزمكان منحني. فماذا يعني هذا؟ هذه طريقة بسيطة لتمثيله: تخيل أننا نسعى للتوصل الى هدف يقع على بعد 10 أمتار منا بواسطة كرة، ورصاصة بندقية. في الفضاء العادي، تكون المسارات، مختلفة جدا. مع الكرة التي تقذف بسرعة على 10 م / ثانية، ويمكننا تحقيق هذا الهدف من خلال وصف قوس البالون لارتفاع 3M، ومسار الكرة سوف يستغرق ثانية ونصف ثانية. مع بندقية، تطلق الرصاص في 500 م / ث، يمكننا بلوغ الهدف من تسديدة قريبة جدا، مما يجعل القوس بارتفاع 0.5 ملم في الطول، ومسار يستغرق 2/100 من الثانية، أو، في اطلاق النار بشكل عمودي تقريبا، يمكنك أن تصف قوس الكرة بارتفاع 12 كم: بشرط أن يكون المرء رامي حاذق ومدرب جيداً، وأن نهمل تأثيرات الغلاف الجويeffets atmosphériques ودوران الأرض، وفي النهاية، يمكننا ضرب الهدف مع فوتون من الضوء، الذي يطلق بسرعة 300000 كم / ثانية. والقوس (الذي هو غير موجود) سيكون غير محسوس تماما، والطلق الناري سيسير بخط مستقيم تقريبا. ولكن دعونا نضيف البعد الزمني ونقيس الوقت أو الزمن بصيغة المتر الزمني mètres de temps  عندئذ تصبح منحنيات أوتقوسات المسارات هي نفسها متشابهة، سواء بالنسبة للفوتون، أو الكرة أو الرصاصة. إن  وسط  أو مركز القطر كبير جداً gigantesque: وأن متوسط الإنحناء يكاد يكون قرابة السنة الضوئية! وإن هذا الانحناء المتسق uniforme ، هو ذلك الذي تنشئه الجاذبية الأرضية: فالمادة تحني الزمكان، خاصة إذا كانت تلك المادة كثيفة. وهذا هو السبب الكامن وراء استغراب ودهشة غاليلو غاليله Gallilée: بشأن تسارع جسم في حالة هبوط حر (كيلو من الريش أو طن من الرصاص) حيث يكون هو نفسه دائماً، أي  متساوي  في محاذاة أو بالقرب من الأرض:. 9,8 m/s2, ou 1G.. النسبية تخبرنا أن  انحناء الزمكان، العائد  لكتلة الأرض هو الذي يؤدي إلى هذا التسارع الذي نسميه الجاذبية la pesanteur.
 وبطبيعة الحال،  إن مركز إنحناء الثقالة الأرضية la gravité terrestre  يوجد على بعد سنة ضوئية تحت سطح الأرض ولا يقع في الفضاء الثلاثي الأبعاد، مثلما هو الحال مع كون مركز دائرة لا يكمن في الدائرة نفسها. فهل الكون الذي يحتوي على هذه المادة منحني؟ لا يبدو كذلك!  بل يبدو أن متوسط انحنائه  يكاد يكون معدوماً nulle وحسب المشاهدات هذه حقيقة غريبة ، وتستحق التوقف عندها قليلاً.

فما هو “شكل” هذا الكون؟ Quelle est donc la “forme” de cet univers 

 لنتصور سطحاً ثنائي الأبعاد مغموراً في فضاء ثلاثي الأبعاد: ولنتصور أن هذا السطح ذو انحناء  يعادل صفر في كل نقطة. عند ذلك  يمكن أن نعتقد ان هذا “السطح” يمكن أن يكون مجرد خط منبسط. ولكن سيكون مثل هذا الاعتقاد خاطئاً! فهناك العديد من “السطوح ذات انحناءات بحدودها الدنيا”، إلا أنها بعيدة عن أن تكون منبسطة être planes! علينا أن ننتبه إلى أنه عندما نتكلم عن انحناء صفرcourbure nulle، فإن ما نسميه انحناء ليس إلا مجموع الانحرافات أو الانحناءات المحلية في كل الاتجاهات: فإذا تخيلنا سرج حصان، على سبيل المثال،  فهو منحني صعودا (نحو الحلق)، ولكن أيضا إلى أسفل (نحو الركبان) على حد سواء وفي اتجاه عمودي. وعموماً، فإن سرج الحصان هو سطح ذو متوسط  انحناء يعادل صفر.
وتبين أنه في مكان ذو أربعة أبعاد،  فإن الهندسة ليست بديهية: إن “السطوح ذات انحناءات الحد الأدنى” كثيرة. وبالتالي قد يكون الكون المرئي ليس سوى كرة هائلة ومذهلة”hypersphere“. وقد يكون شكله أكثر تعقيدا بكثير. ويمكن أن يكون الشكل الحقيقي لهذا الكون عبارة عن “غطاء أو طلاء ذو طبقتين من الحيد 4 4-tore ،” في اللغة المجازية أو التجريدية المتخيلة من  قبل علماء الرياضيات. والجواب الحقيقي هو: نحن لا نعرف حقاً ما هو شكل الكون. في الواقع، أننا لا أعرف حتى إذا كان الكون هو محدود أم لا ( أي إذا كان لديه “فروع لا نهائية”، لأن كل شيء يعتمد على العلاقة بين كثافته وما يعرف بـ “الكثافة الحرجة”.
وفي واقع الأمر لكل عالم كونيات أولوياته وتفضيلاته. ويمكن لمعادلات النسبية العامة أن تؤدي إلى حلول متعددة، ، وإلى تصور عن شكل الكون سواء كان ثابتاً أو في حالة توسع. وفي الواقع، فإنها، أي معدلات نسبية آينشتين،لا تسمح لنا لاتخاذ قرارحاسم بهذا الصدد. إذ إن المشاهدة هي التي تسمح بذلك. ومهما كانت مراقبة ورصد ومشاهدة أعماق السماء ، والمجرات الأكثر بعداً، فإننا سنشاهد جوارنا الكوني (كما كان عليه قبل 15 مليار سنة مضت، على الأقل)، لأن الفوتونات المنبعثة من المجرات قد قامت بجولة “في جميع أنحاء الكون.” وكما أن الأرض مستديرة، والكون لا يوجد لديه “حافة”. فإنه يمكن أن يكون في آن واحد محدوداً ولا محدود.
 ولكن في الواقع هناك “حافة للكون المرئي”: هي عبارة عن أفق في الماضي. في الحقيقة أن كل ما تواجد في فترة أقل من  000،300 ثانية بعد الانفجار الكبير big bang يكون غير مرئي بالنسبة لنا، لأنه قبل ذلك الوقت كان الكون غير تصادمي non collisionnel: كان الكون آنذاك يتمدد se dilatait  بسرعة لدرجة أن أي تفاعل بين الجسيمات لم يكن ممكنا. وبعد هذه اللحظة الحاسمة، باتت الجسيمات في نهاية المطاف قادرة على التفاعل، وصار بوسع الفوتونات الهروب من الفرن الكوني fournaise.  إن الأشعة الكونية الخلفية المتحجرة Le rayonnement de fond cosmologique  يعود تاريخها الى تلك اللحظة. وإن القياسات والحسابات والتدابير التي يمكن أن تجرى على هذه الأشعة تبين أن الكون كان متسقا للغاية خلال تلك الفترة: ويتراوح فيها متوسط ​​كثافته في أقل من 1/10000e في جميع أنحاء الكرة السماوية.
 من هنا تأتي ثلاثة أسئلة مثيرة للاهتمام:
• إذا كان الكون البدائي غير تصادمي ، فكيف كان متجانساً homogène ، عندما أصدر أو بث الأشعة الخلفية الكونية le rayonnement cosmologique ؟ في لحظة انفجار “طبيعي”، على سبيل المثال، مثل انفجار قنبلة يدوية أو قنبلة نووية، نرصد دائماً أن هناك تفاوتات كبيرة من الشظايا في الحطام المتبقي إثر الانفجار، وهي لا تذهب بعيدا بشكل موحد في جميع الاتجاهات! والحال أن الانفجار الكبير Le Big Bang كان انفجار متسقاً تقريبا، على الرغم من أن مكونات الكون في بداياته المبكر لم تستطع أن تتفاعل مع بعضها البعض! ثم السؤال القاتل: لماذا، نلاحظ أو نشاهد الآن انحناءاً شبه معدوم courbure nulle ، في حين أن كثافة الكون البدائي كانت هائلة بالضرورة، وبالتالي فإن انحناءه لا يمكن أن يكون صفراً؟
 • يعتقد أن الكون المرئيكان  في بدايته، (،300000 ثانية بعد الانفجار الكبير) موحدا ومتسقاً uniforme.. ولكن ليس تماما: فلماذا كانت تلك الاختلالات الصغيرة) بنسبة déséquilibres infimes (1/10000e   وما  الذي تسبب بها ؟
 • إن كوننا اليوم بعيد عن أن يكون متسقاً ومتجانساً كلياً! كما لاحظنا في أيامنا، إثر رصد ومشاهدة الحشودات العظمى للمجرات super amas de galaxies  والتي توزع في مجموعات من المجرات الفائقة على شكل خيوط شبكية طويلة longs filaments تفصل بينها فراغات كبيرة. فكيف أتيح لتلك الفوارق والتخلخلات الصغيرة أن تنمو وتتضخم لتخلق هذه الهياكل الضخمة immenses structures ، أي خلق المجرات؟ لذا نتساءل، ما هو أصل المجرات؟

التضخم L’inflation

 إن النظرية الشائعة لشرح الحقيقة الأولى هي نظرية التضخم: وبموجبها يمكننا أن نتصور، ولنقل بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير، ، وجمد تفاوتات كبيرة في ذلك الكون البدائي. لكن في أقل من ثانية في وقت لاحق من الثانية الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم، توسع أو تمدد الكون بشكل سريع بحيث تم تسوية تلك التفاوتات aplanies ، ومن ثم سوف يصبح الكون البدائي تقريبا “مسطح”. وبالتالي يجب علينا أن ندرك أننا نتحدث عن حدوث تمدد فوري تقريبا ” للفقاعة الكونية” dilatation quasi instantanée de la “bulle  d’univers ، وهو ما قد زاد من حجم الكون فجأة مليارات المليارات من المرات! وهذا يبدو غير معقول وغير قابل للتصديق والإدراك .ومع ذلك فإن علماء الفيزياء الذين يدرسون “الحقول اللاموجهة ” champs scalaires، حددوا أن عدم الاستقرار في هذه المجالات أو الحقول يمكن أن يسبب التضخم الذي وصفناه للتو. فهذه النظرية، ولإنها بدت معقولة، لقيت استقبالا حسنا من قبل الغالبية العظمى من علماء الكونيات والذين باتوا يعتقدون أنه كانت هناك “مرحلة تضخمية”، بعد وقت قصير من بداية الكون. ولكن في واقع الأمر أننا نعوم في مجال التكهنات المحضة. وفي الواقع، إن مشكلة تجانس الكون البدائي، والتسطيح للكون l’homogénéité de l’univers primitif et de la platitude de l’univers   لا تزال مطروحة.

الثابت الكوني La constante cosmologique

 في بداية القرن العشرين، حاول آينشتاين فهم بنية الكون و من خلال دراسة معادلاته، اكتشف أنه كون آخذ في التوسع. إلا أنه رفض قبول هذه الفكرة (في ذلك الوقت، كان الجميع يعتقد أن هذا الكون ثابت)، ابتكر هذا العالم الفيزيائي الفذ فكرة “الثابت الكوني” constante cosmologique  وذلك لمواجهة التوسع. وذلك بإضافة عبارة ثابت في المعادلة التي تصف المادة، لأنها تتيح للعالم أو الكون أن يكون مسطحاً.
 ولكن سرعان ما اختفى الثابت الكوني من المعادلات، ما أن اقتنع المجتمع العلمي وتقبل فكرة أن الكون آخذ في التوسع. ( وقد ردد آينشتاين نفسه في وقت لاحق  مقولة أن الثابت الكوني كان أكبر خطأ علمي ارتكبه في حياته!). لذلك كانت قيمة الثابت الكوني صفر. لسنوات، وتم نسيانه بعد ذلك.
 لكن الوضع ربما ليس بهذه البساطة. فإثر رص ومراقبة النجوم المتفجرة البعيدة جدا السوبرنوفا supernovae ، في نهاية عام 1998، قام فريق دولي من الباحثين بعد حسابات معقدة، بتشخيص ان الكون، ليس فقط في حالة توسع، فحسب،  بل وكذلك  أنه شهد مرحلة من التسارع منذ نحو 4 مليارات سنة! ولتفسير هذه الظاهرة، توجب أن يستعيد الثابت الكوني وظيفته: وفي هذه المرة، صار يرمز الى “طاقة الفراغ” l’énergie du vide ، الذي هو قوة في الاتجاه المعاكس لقوة الجاذبية أو الثقالة la force gravitationnelle. واذا تأكدت ظاهرة التسارع هذه ، فسوف يؤدي هذا إلى حد ما  إلى تغيير  نظرتنا إلى العالم …
وينبغي أن يكون من المسلم به اعتبار إدخال الثابت الكوني في المعادلات، لا يستند إلى أي مبرر نظري: فالنظرية النسبية بدون الثابت الكوني هي بناء نظري جميل وأنيق استنادا إلى مبدأ كوني شمولي، وهو مبدأ النسبية الذي يقول أن: قوانين الطبيعة يجب أن تحافظ على النموذج ذاته أو وحدة الشكل في جميع الأطر المرجعية المستخدمة لوصفها. ولكن تمت إضافة الثابت الكوني بالنسبة للمعادلات التي تسمح للكون أن يكون في حالة توسع. واليوم بحثنا ووجدنا حجج جاءت من ميكانيك الكم أو الكوانتا mécanique quantique لـ”تبرير” إدخال هذا الثابت الكوني: ففي ميكانيكا الكم، هناك في الفراغ طاقة تسمى طاقة الفراغ الكوانتي . والنتيجة هي قوة “ضاغطة سلبية” تمارس على المكان أو الفضاء، الذي يجب أن يتوسع أو يتمدد تبعاً لذلك. المشكلة تكمن في أن هذا المزج في نظرية الكم والنسبية العامة يثير مشاكل ومعضلات لايمكن حلها في الوقت الحاضر. هناك بعض المنظرين، وهم نادرون، ينكرون الثابت الكوني، ويعتقدون أنه ينبغي أن ننطلق من المبادئ الأساسية ومن الهندسة. فالنسبية هي نظرية هندسية، وبالتالي ينبغي علينا أن نبحث عن الحل في علم الهندسة، وفي طوبولوجيا الكون.
 

المادة المضادة Antimatière

 من المعروف اليوم،  أن قوانين الفيزياء  المعروفة تقول بوجود نوعين من المادة هما: المادة matière والمادة المضادة Antimatière. وهما تختلفان عن بعضهما البعض من خلال شحنتيهماا الكهربائيتين و تتميزان بالمساواة parité . فعندما  يلتقي جسيم من جسيمات المادة بجسيم من جسيمات المادة المضادة ، فإنهما يعدمان بعضها بعضا s’annihillent في وابل من أشعة غاما Rayon Gama . وأيضا في المقابل، فإن فوتون غاما يحمل ما يكفي من الطاقة بحيث يمكن أن يتحول تلقائيا إلى  زوج  من الجسيمات (على سبيل المثال جسيم مثل الالكترون éléectron) و جسيم مضاد توأم مثل مضاد الإلكترون، أو بوزيترون antiéléctron, ou positon). وللفوتون، جسيم مضاد خاص به أيضاً لكنه معدوم الشحنة، مما يساعده على البقاء والاستمرار بسهولة أكبر.
  والحال أن الأرض والمنظومة الشمسية، ومجرتنا، وكل الكون المرئي، يتكون من المادة وليس من المادة المضادة فكيف نفسر ذلك وأين اختفت المادة المضادة؟  هذا أمر بسيط جدا إذا  أخذنا بالاعتبار تصادم المجرات، صحيح أنه حدث نادر، ولكن نظرا للعدد الهائل للمجرات في الكون، فإنه يمكن للمرء أن يرصد ذلك بسهولة. وإذا كانت هناك  مجرات مضادة antigalaxies، فإن لقاءاتها العشوائية occasionelle مع المجرات “الطبيعية” المادية ستنتج موجة  صدمة باروف Barouf هائلة لدرجة أننا نسمع  ضجيج الراديو الناجم عنها في الطرف الآخر من الكون. بيد أننا لم نسمع مثل هذا الضجيج الكوني مما يعني أنه لاتوجد مجرات مضادة يمكن أن تصطدم  صدفة بإحدى المجرات في الكون المرئي.
 لا يوجد أي سبب في أن ينتج الانفجار العظيم مادة أكثر من المادة المضادة. في الواقع أن النموذج القياسي أو المعياري للكون يخبرنا أن هذه الكميات من المادة والمادة المضادة كانت متساوية تقريبا والاختلاف بينها لايتجاوز نسبة واحد بالمليار. وعندما أصبح الكون تصادمي، تمكن بالكاد من تجنب تدمير الذات التام. في واقع الأمر لم يبق أي شيء من المادة المضادة وبقي أقل من واحد من مليار من المادة مما كان عليه في الأصل. والحال أن الكون اليوم يتضمن من الفوتونات مليار مرة أكثر من جسيمات المادة. لكن لماذا كان هناك ما يزيد قليلا على جزء من مليار من المادة أكثر من المادة المضادة ؟ سنأتي لبحث ذلك والإجابة عليه لاحقاً.

مفارقات علم الكونيات   Les paradoxes de la cosmologie      

 قبل النزول في لهيب النموذج القياسي أو المعياري، نسمح لأنفسنا بالقول أن هذا النموذج  يستند على النظرية “التقليدية” الأكثر اكتمالا في الفيزياء في الوقت الراهن وهي نظرية: الديناميكا الكهربائية الكمومية أو الكوانتية l’électrodynamique quantique. إن هذه النظرية، التي وضعها أو صاغها بول ديراك Paul Dirac واستكملت من قبل العديد من علماء الفيزياء من بينهم ريتشارد فاينمان Richard Feynmann ، ملفتة للنظر لأنه لديها القدرة التفسيرية التي تغطي ظواهر لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك فإن ما تم تأكيده من توقعاتها وتكهناتها قد حصل بتجارب مختبرية علمية أي تم إثبات صحته بالتجربة: ولم يتم العثور على أية سلبيات تدحض صلاحيتها، ، في مجال هائل من الطاقة (من الجسيمات الأولية إلى الانفجار السعاري السوبر نوفا super novaes). وهذا أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. وكانت نظرية الديناميكا الكهربائية الكمومية أو الكوانتية L’électrodynamique quantique قد ولدت من عملية الدمج بين الميكانيكا الكمومية أو الكوانتية ، والنسبية الخاصة، ونظرية  المجالات أو الحقول التي تنسب إلى  ماكسويل Maxwell.
 

سهم اتجاه الزمن La flèche du temps

 
سنتناول هذا الموضوع بإسهاب وتدقيق علمي لاحقاً في بحث مستقل ولكن لنفترض الآن أن لدينا طاولة بليارد نجمع على سطحها، وفي وسط هذا السطح، مجموعة من الكرات على شكل مثلث. ثم قمنا بأخذ صورة فوتوغرافية لهذا الشكل، ثم نقوم بضرب مثلث الكرات بعصا البليارد، ونقوم بأخذ صورة أخرى بعد الصدمة، فهل من الممكن، استناداً إلى الصورتين معرفة أي الوضعين سبق الآخر؟، في الواقع، يبدو الأمر سهلاً: فبعد الاصطدام، توزعت الكرات على سطح طاولة البليارد في كل الاتجاهات على نحو عشوائي، وأنه من غير المرجح أو المحتمل أن نعثر عليها وهي على هيئة التكوين والتنظيم الذي سبق ضرب الكرات بالعصا: إن مجرد رؤية الصور يكفي للتوصل إلى هذه البديهية، إذا قلنا أن “التكوين la configuration الأكثر تنظيما يتوافق مع الحالة الأولية l’état initial “. إذا كررنا التجربة عدة مرات، سنلاحظ أن الأوضاع النهائية “غير المنظمة inorganisés ” أكبر عدداً من الأوضاع “المنظمة organisée “. ويقال إن مثل هذا النظام، يمتلك استقرارية ويسمى ارجوديك ergodique ، وهو مصطلح ابتدعه بريغوجين ايليا Ilya Prigogine. وأخيراً إذا كان لنا أن نحيط كرات لعبة البلياردو لدينا مع شرائط من الفيلكرو، على سبيل المثال، فإنها سوف تكون قادرة على البقاء عالقة معا في وقت الصدمة، ويجوز ظهورتكوينات منظمة لاحقة للتكوينات غير المنظمة السابقة. الأمر الذي يسمح بظهور التشكل morphogenèse أو(إنشاء النماذج) وهذه العملية الصيرورة التي تعمل في الخلايا العضوية الحية organismes vivant   الكائنات الحية ، لخلق بنيتها الداخلية المنظمة، وتزيد في الواقع بشكل أسرع أنتروبيا الكون الخارجي. ألم يكن غرض الحياة  الأساسي تبديد المزيد من الطاقة ؟ إذا كان لنا أن نحكم بموجب هذا الإنجاز الرائع أي القنبلة الذرية،  فالجواب هو نعم!
سنقوم بعملية التعميم التبسيطي schématisation عندما نقول أن أي نظام معزول يميل إلى حالته الأكثر احتمالا، والذي هو ما يعادل القانون أو المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية thermodynamique. وسوف يغرينا ذلك ويدفعنا إلى القول أنه لتصنيف  حالتين زمنياً، يكفي ان نقول ان كل من لديها البنية الأكثر اختلالاً  من الحالتين هي سابقة للأخرى.
 وغالباً ما يتم ربط هذه الظاهرة المتعلقة بالتنامي الحتمي بمعامل يعرف بإسم الأنثروبي entropie حيث في المعادلة الملازمة لذلك نجد أن :  P  يرمز لاحتمالية حالة ما وأن ، S = k Log P  حيث  k  في المعادلة هو ثابت بولتزمان la constante de Bolzmann.  . ولكن يتعين علينا أن نحذر من حدوث لبس: فأحيانا يكون الوضع أو الحالة الأكثر تنظيما ليست هي التي كنا نظنها كذلك: فلو قمنا بتسخين الماء في قدر (يجب أن نضع القليل من الماء وأن تكون الحرارة جدا ملطفة على سطح سخان كهربائي متجانس الحرارة!)، يمكننا أن نلاحظ ظهور دوامة سداسية maille hexagonale! هل هذا يعني أننا أنشأنا شيء منظم بفعل التسخين؟  هل بوسع الماء المغلي أن ينمي أو يزيد من نسبة الأنثروبي ؟ الجواب هو كلا، بالطبع، فإن ذلك يعني ببساطة أن مفهوم الأنثروبي غير صالح إلا بالنسبة للنظام بأكمله، أي  المقصود به هنا في مثالنا الموقد الكهربائي والقدر وكمية المياه والغلاف الجوي atmosphère! وفي الحقيقة أن الخلايا المبددة التي  نلاحظها تمتلك تأثير تسريع التبخر، وبالتالي الزيادة الإجمالية للأنثروبي.
 والآن نبقى نتساءل من أين جاءت هيكيلية أو وبنية الكون ؟ لمعرفة ذلك، ينبغي علينا العودة إلى الوراء في الزمن.  فعندما أصبح عمر الكون  حوالي خمسة عشر مليار سنة، فإن هذا يعني أننا نعيش في الزمن t = 15 مليار سنة. الكون الحالي معقد للغاية: أنه يحتوي على الكواكب والنجوم والمجرات … لو قدرنا t = مئة مليون سنة. كيف كان حال الكون آنذاك؟ علماء الفلك يقولون لنا أنه كان في حالة اتساق تام parfaitement homogène!
كيف يمكن لهذا الكون المتجانس أن يتطور الى ما نعرفه عنه اليوم؟ كيف يمكن للزمن أن يجري في حين لا يحدث شيء ؟  الكون متجانس ولكنه يبرد مع مرور الوقت … وفي الحقيقة لا يكفي معرفة مواقع الجسيمات لكي نتمكن من وصف نظام تلك الجسيمات فسنحتاج أيضاً إلى معرفة سرعاتها! فالسرعة هي أيضا معلومة جوهرية ! (لذلك لوصف نظام مع جزيئات N، فإن معرفة مواقعها وسرعتها يكفي، خاصة في عالم ثلاثي الأبعاد، والكميات هي 6N. وهذه الحقيقة لافتة للنظر، فهناك نظريات تتطلب معطيات تسريع معين، لكن هذه النظريات لا تقاوم التجربة.
المفارقات الكونية  Les paradoxe  de l’univers   

المفارقة الأولى: Premier paradoxe

 

فضاء المراحل والانثروبي Espace des phases et entropie

 
 اعتاد علماء الفيزياء وعلماء الكونيات، بدلا من تمثيل المواقع والسرعات في مكانين أو فضائين بثلاثة أبعاد ، تحديد المكان بستة أبعاد والذي تكون فيه البيانات والمعطيات لنقطة واحدة تمثل موقع  و سرعة نقطة مادية حقيقية ( أي جسيم). بعبارة أخرى أبسط يدعونا هؤلاء العلماء إلى أن نفترض أو نتخيل وجود كون ذو بعد واحد فقط (خط مستقيم بسيط)، حيث جسمين أو شيئين محددتين تجذب كل منهما الآخرى لكي يسهل علينا تصور الهيكيلية الكونية.

الأنثروبي،والكون: Entropie et univers

 
 الكون هو نوع من الأميبيا في ستة أبعاد: في الواقع يمكن اعتبار كل الجسيمات في الكون بمثابة نقاط في فضاء مرحلي بستة أبعاد.
 نحن نعلم أن الكون يتوسع ويتمدد وإن هذا التوسع يترجم بانخفاض في السرعة.
 صحيح أنها ليست بديهية، لأنه إذا نظرنا الى الكون من حولنا، لا نلاحظ تباطؤ في السرعات على مر الزمن. وهذا لايعني أن التباطؤ غير موجود ، إلا أنه في الوقت الراهن متدني جدا، وغير قابلة للرصد. لكن لنقم بقفزة الى الوراء في الزمن إلى لحظة قريبة من بداية الكون، لنعتبر أن  t = 1 an ت = 1 سنة. عندما كانت بداية الكون حارة جدا، ومن السخونة بمكان بحيث أن”السرعات الحقيقية” التي يمكن أن تكتسبها الجسيمات من جراء لعبة التصادمات يمكن تخطيها أو إخفاءها escamotées بفعل متوسط السرعة العامة والشاقة vélocité الناجم عن درجة حرارة عالية ينتجها مرجل يغلي كما كان الحال في بداية الكون (أنا هنا أتجاهل حقيقة أن النظرية “التقليدية” تنص على أن الكون، في وقت مبكر، لم يكن تصادمي non collisionnel) فالكون البدائي يبرد كلما ازداد توسعه وتمدده، كما تتباطأ سرعة جسيم متوسط ​​ la vélocité moyenne des particules.وإن هذه العملية لا تزال تعمل وصالحة إلى اليوم!
 وبسبب نقص السرعات ، تبقى أنثروبيا الكون ثابتة. علماً بأن ذلك يناقض المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية وهذه هي واحدة من المفارقات في علم الكونيات الحديث!
 ومن اللافت أن هذا التناقض أو هذه المفارقة لا يشار إليها في العروض “التقليدية” في علم الكونيات، كما لو أن الفيزيائيين كانوا يخجلون من التعرض لهذه المفارقة! ولا بد من القول أن النموذج القياسي أو المعياري لا يفسر هذا التناقض أو هذه المفارقة … وسوف نرى لاحقا أن هناك تفسيرا جذاباً ومقبولاً حتى في إطار، غير قياسي أو غير معياري…
 وليس فقط أن أنثروبيا الكون لديها ثابت أنثروبي، بل والأكثر من ذلك أنها تبلغ الحد الأقصى، وبالتالي فإن هذا الاضطراب بلغ ذروته في لحظة الانفجار الكبير …
عالم الجسيمات: المفارقة الثانية! Le monde des particules :un second paradoxe
 من أجل فهم أفضل، للتعاطى مع نظام الجسيمات système de particules ذكرنا ان التطور يتم في نطاق أنثروبيا ثابتة طالما لا يوجد هناك اصطدامات collisions: في الواقع، أن من يخلق الفوضى هو الاصطدامات: وبما أن الكون البدائي كان ذو أنثروبيا مرتفعة جداً، فإنه ينبغي أن يكون تصادمي إلى حد كبير.
 وللأسف، فإن الحسابات تشير الى ان الكون البدائي توسع وتمدد بسرعة لدرجة أن الجسيمات لم تتمكن من التجمع أو الالتقاء وحتى في سرعة الضوء ففي النموذج القياسي أو المعياري، فإن الكون يتمدد بأسرع من الضوء، وبالتالي من المفترض أنه لم يكن هناك تصادمات …

ما بعد الانفجار الكبير مباشرة  Juste après le big bang

 
 دعونا نعود إلى كوننا، حيث توقفنا عند 000 000 T = 100 مليون سنة: وإذا أقتربنا أكثر من لحظة الصفر، فإن سرعة الجسيمات تزداد أكثر: وهي تسير كلها بسرعة تقرب من سرعة الضوء. لكن نظرية النسبية الخاصة la relativité (restreinte)  تقول لنا انه عند هذه السرعات، يتباطأ الزمن: مما يجعل من المستحيل تقريبا العودة إلى نقطة الصفر. فهل  هذا يعني أن الانفجار الكبير ضرب من الخيال العلميLe big bang serait-il un fantasme de scientifiques ؟
 الدليلين الوحيدين في حوزتنا عن وجود هذا الانفجار الكبير هما:
 • الانزياح نحو الأحمر للضوء القادم من المجرات البعيدة: فكلما كانت بعيدة، كلما ازدادت سرعة ابتعادها عنا كما لو كنا على سطح بالون في حالة انتفاخ وتوسع.
 • الإشعاع الحراري الكوزمولوجي الذي تم اكتشافه في عام 1957 من قبل بنزاس Penzas و ويلسون Wilson ، وإن “ضجيج الخلفية” من ​​موجات الراديو القادمة من كل الاتجاهات في الكون بنفس الكثافة (بنسبة واحد من عشرة آلاف) لديه طيف الإشعاع  ذاته الموجود في إشعاع الجسم الأسود بدرجة حرارة  3 درجات مطلقة: يتم تفسيرها كما لو أنها الاشعاعات المنبعثة عند لحظة الانفجار الكبير البغ بانغ big bang ، والتي تنامى فيها طول الموجة في نفس وقت توسع أو تمدد الكون المرئي.

المادة والمادة المضادة: المفارقة الثالثة Matière et anti matière : le troisième paradoxe

 ما نسميه “فراغ” ليس فراغاً حقاً! وكما نعرف منذ ديراك Dirac بأن الفراغ هو مزيج أو تجمع من “الجسيمات الافتراضية” من المادة والمادة المضادة.
 ويمكن للمرء أن يتصور “الفراغ”، كما لو إنه سطح القرميد surface carrelée ، مثل الحمام الخاص بك، إلا أنه يتم تحريك هذا السطح بواسطة الموجات: إنها الفوتونات، أو جزيئات الضوء.
 وبإمكاننا استخراج الطاقة من الفراغ، بفضل تأثير كازيمير l’effet Casimir: عندما نقرب في الفراغ لوحين مصنوعين من مادة موصلة، فإن الفترة الزمنية الفاصلة بين الصفيحتين  تصبح في لحظة ما صغيرة جداً بحيث  لا يمكن لـ “موجات الفراغ”، والفوتونات ذوات الطول الموجي الطويل، أن توجد في هذه الفجوة l’interstice ، وبالتالي فإن ضغط الجسيمات الافتراضية الناجمة من الفراغ بين اللوحات أو الصفائح les plaques  هي أقل من ضغط الجزيئات الموجودة على الطرف الآخر أو الجانب الآخر، في الخارج (يتم وضع هذا الضغط بطبيعته بما يساوي الصفر، وبالتالي فإن الفجوة أو الفراغ بين اللوحات  أو الصفائح تكون ذات ضغط سلبي!): والنتيجة هي القوة الجاذبة القابلة للقياس تماما والتي يمكن استخراج الطاقة منها:
للأسف إن هذا النظام قابل للاستخدام لمرة واحدة حيث ما أن يتم لصق اللوحين أو الصفيحتين، سيتوجب علينا أن تنفق الكثير من الطاقة للفصل بينهما … الفيزيائيون لا ييأسون، من التوصل إلى طريقة  لاستخراج الطاقة من الفراغ من خلال تأثير كازيمير، وذلك باستبدال اللوحات او الصفائح  بموجات ضغط في البلازما الموصلة، وهي موجات يمكننا أن ندمرها من دون إنفاق الطاقة بمجرد أن يقوم تأثير كازيمير بالتقريب بينها … وهناك عدد قليل جدا من المختبرات في العالم يدرسون هذه الطريقة رغم كونها واعدة من أجل حل مشاكل الطاقة التي تواجهنا …
عندما تلتقي موجتان صريحتان، فإن بلاطة تنفصل وتبدأ بالتأرجح أو القفز gambader على سطح الحمام، فوق تموجات من الحجر الرملي. ويمكن أن ترمز هذه البلاطة للمادة، والفراغ الذي تتركه هو المادة المضادة. حسب تشبيهات عالم الفيزياء النظرية جون بيير بتي Jean Pièrre Petit.

ميكانيكا الكم أو الميكانيك الكوانتي  La mécanique quantique

 
بالنسبة لعلماء فيزياء الكم أو الكوانتا ، يختزل الكون بمعادلة شرودنغر l’équation de Schrödinger: إن هذه المعادلة تحكم تطور وظيفة معقدة (أي من C إلى C) ويسمى الدالة الموجيةfonction d’onde  التي يرمز لها أحيانا بالحروف psi. إن هذه المعادلة الحتمية كلياً parfaitement déterministe تفسر التغيرات في الزمان psi  وفقاً لطاقات الأجسام المتفاعلة énergies des corps en interaction ، التي هي حتمية تماما، ما يفسر التباين في الوقت اعتمادا على طاقات الأجسام المتفاعلة. إن أهمية هذه المعادلة يكمن في أن  مربع معامل أو دالة psi ، هو رقم حقيقي يتراوح بين صفر وواحد، ويحدد احتمال أن التباين والتغيير variation من الطاقة المعطاة (أو إذا فضلنا القول باحتمال حدوث حدث ما).
 ويطلق على الـ Psi “وظيفة موجة أو وظيفة دالة” حيث اتضح أننا يمكن أن نقيم فيما بينها وظائف أو دالات موجية والحصول على تداخل في وظيفة أو دالة الموجة: وهو التداخل الذي جعل مجموع طاقتين ليس دائما أكبر من الطاقات المكونة له!
 وبالتالي يمكن لميكانيكا الكم أو الكوانتا أن يتنبأ ويتوقع إحصائيا ما يمكن أن يحدث، ولكن لا يعطي أي فكرة أو مؤشر عن متى سيحدث ذلك. وأكثر من ذلك  أن من المستحيل أن نعرف ماذا سيحدث لأننا ما أن  نلاحظ النظام، فإن رصد ظاهرة ينتج عنه “الحد من وظيفة موجة أو إنقاص دالة الموجة” الأمر الذي يفرض على النظام، حتى لو كان ممتداً مكانيا، لتبني السلوك الذي ينتج عن المراقبة أو الرصد.

الزمان والطاقة: المفارقة الرابعة Le temps et l’énergie : quatrième paradoxe

 اقترنت معادلة شرودينغرl’équation de shrödinger  بزمن مميز، هو زمن بلانك temps de plank : وهذا الزمن يعادل 0,53 . 10-43  ثانية. فمن المستحيل، باستخدام معادلة شرودينغر وصف ظاهرة لها زمن أقصر من زمن بلانك. : إن  للزمن الحاضر présent  سماكة محدودة جداً!
 وهذا يعني أيضا أنه من المستحيل على علماء الفيزياء السفر في الزمن والعودة الى الوراء  إلى لحظة الانفجار الكبير لأكثر من 10-43   ثانية.
 يتكون الكون من الطاقة الضوئية أو الفوتونات والجسيمات المادية. هناك مليار مرة من الفوتونات أكثر من المادة. ويمكن للجسيمات المادية أن تتفاعل معا، وتجتمع، وتنفصل، أو استيعاب وامتصاص  وبعث الفوتونات. في الواقع، إن المادة والضوء ليستا سوى ظاهرتين لكيان واحد، ألا وهو الطاقة – المادة l’énergie-matière .
 ولهذا الأمر تداعيات مهمة: ففي فيزياء الكم، ترتبط كل مادة مع موجة في المعادلة التالية ، وإذا كانت E هي كمية الطاقة المادية للجسيم، فإن طول الموجة ستحدده المعادلة المذكورة أعلاه من حيث أن  h هو ثابت بلانك constante de Plank  و C هو سرعة الضوء.
 ما يثير الاهتمام هو أن حزمة الموجة تمثل جسيم من المادة يحتفظ بطول موجته على مر الزمن (والواقع يتعين عليه الحفاظ على طاقته)، في حين أن الفوتون يتبع التوسع في الكون وطوله الموجي، وبالتالي يمتد مع الزمن. إن هذين الشكلين من الطاقة – المادة  l’énergie-matière لا يعيشان التوسع الكوني بنفس الطريقة.
 وهناك ما هو أكثر غرابة: بما أن الطاقة تتنوع وفق معكوس الطول الموجي، فإن توسع الكون يعكس فقدان مستمر لطاقة الكون! وهذه هي المفارقة الرابعة لعلم الكونيات. بدلا من كون ذو أنثروبيا ثابتة وطاقة متغيرة، وكنا نفضل أن يكون العكس!
من الذي يدفع ثمن التوسع؟! Qui paye le prix de l’expansion ?
المفارقة الخامسة Cinquième paradoxe
 وهكذا رأينا أن المادة تبدو أنها تتوسع مع توسع الكون. وفي الواقع، ليس من الممكن حتى للمجرات أن تتوسع، لأنها ستفقد توازنها الثقالي équilibre gravitationnel. نفس الشيء بالنسبة لمجموعات أو حشود المجرات المتقاربة. إلى درجة أننا نصل إلى صورة غريبة، ولايمكن الدفاع عنها في نهاية المطاف:
 يمكن أن نتخيل على نحو كلاسيكي توسع الكون كما لو أنه بالون قد رسمت على سطحه المجرات: وهذا تصور خطأ! والأصح هو تصور أننا نثبت على سطح البالون قطع لاصقة صغيرة والتي يفترض بها ألا تتوسع على مر الزمن.
 

 

د. جواد بشارة

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار