الرئيسية / الاخبار / النساء الحالمات في حكايات ( رجل النهر )

النساء الحالمات في حكايات ( رجل النهر )

كاظم حسوني  /////

 

 

 

يمكن لقاريء قصص ( رجل النهر ) للقاصة نادية الالوسي أن يرى فيها قصصا لها اجواؤها الفنية وحرارتها وتجربتها الأنسانية الخاصة . أخذت معينها من مادة الحياة وامتلاك نكهة الواقع في بناء عوالمها وحضورها , وفي صياغاتها السردية , مجسدة حقيقة تراجيديا شخوصها المتمردة , الرافضة لعوامل الأستلاب والقهر ما يجعلها في ضروب شتى من المواجهة . لا شك أن الواقع في العادة يستأئر باهتمام الكتاب للبحث في شتى مناحيه لكشف مناطقه المعتمة والسرية , ألا ان البعض ينزلق بفخ التسجيلية والمعالجة القاصرة والأخفاق في مزج البعدين الواقعي والفني ضمن دائرة نسيج حي متحرك وما يستدعي من قدرة ومهارة لتداخل البعدين وصهرهما في مركب جديد من شأنه ازاحة الواقع من جموده ورتابته , الى فضاء يزخر بالحيوية والنمو والأتساق اذ تتجلى موهبة القاص في ابتكار عوالم اخرى من مادة الفن , رغم انها لا تتحقق الا بدرجات ومستويات متفاوتة في الوعي والأبداع .

ما يلاحظ في قصص مجموعة ( رجل النهر ) انها كتبت بأسلوبية يمكن عدها متجاوزة للأطر التقليدية , وبتناول يختلف عما درجت عليه سرديات المدرسة الواقعية باشتغالها ردحا طويلا من الزمن .. رغم انها ( اي المدرسة ) انتجت واقعية جديدة , اتخذت لها مسارات مختلفة اعتمدت التعاطي مع آخر معطيات العلوم والفنون والثقافات , في خلق حداثة ومناهج معاصرة قادرة على فهم الواقع والأرتقاء به عبر الأبداع , الى يوتوبيا الحلم المرتكز على صيرورة وتحولات الراهن الحياتي . . كما قرأنا في هذا الصعيد لمبدعين عراقيين أمثال القاص محمد خضير , جليل القيسي , فهد الأسدي وغيرهم , اذ تعد مساهماتهم في النتاج الأبداعي نقلة للواقعية من أرها التقليدية الخمسينية الى مصاف نمط جديد من الكتابة القصصية ذات ايقاع مغاير بحساسية متماهية مع الفنون وركيزتها ..الواقعية . القاصة الالوسي حملت مروياتها في ( رجل النهر ) و حكايا ذات زخم متداخل من التجارب والأفكار والوقائع , تحت صياغة احداثها وعرض مشاهدها ودراما صورها بأسلوب امتاز بالبساطة المعمقة , اسلوب توهج بحيويته وتدفقه التلقائي دونما تصنع وافتعال ما يشي بتوفر الكاتبة على الخبرة والتبصر في صنعة العمل السردي مثلما تفصح عن تمكنها بتلمس جوهر المشكلات والصراعات التي يتعرض لها أبطال قصصها .. مثل شخصية ( صبرية ) بطلة قصة ( رجل النهر ) التي حملت عنوان المجموعة . تلك المرأة التي ظلت مشدودة بانتظار عودة زوجها الشهيد ! اذ لم تكت تقتنع انه قتل في الحرب رغم تسلمها لجثته ودفنها لكنها ترى انها لآخر وليس لمهدي زوجها . فجعلت تنتظره لساعات طويلة كل نهار عند ضفة النهر , وتمضي بمناجاته والبوح بأسرارها وبث همومها وعيونها متطلعة الى الموج . تناديها رائحة الحياة المنبعثة منه فتستجيب ويطير قلبها اليه , كل صباح تجلس على ضفته تبوح بما في قلبها وتصغي اليه في همس الأشجار والشقائق حتى كأنها جزء من المكان , زهرة كبيرة فيه لولا السواد . بودها لو انها خلعته فربما هو الذي اغضب الطيف فغاب عن الدار . ولكن عندما يعود مهدي سيعرف كم هو مقدار وفائها له . لقد نجحت القاصة في التعبير بصدق عن نموالحدث واتساعه وكشف عالم البطلة وحياتها المعلقة بالزوج الغائب الشهيد أو الذي سيعود في اية لحظة . واستبان مايعتمل في داخلها من ألم وفرح وعذاب كما جاء استثمارها للموروث الديني على نحو متقن , ما اعطى للقصة بعدا روحيا وعمقا من رؤيتها بوصف مرهف صور اللحظات الأكثر حضورا وتأثيرا في حلم البطلة التي بتنا نلمس تفوقها الروحي وأصرارها على التشبث بالحلم وسط رماد مأساتها . وثمة شخصيات اخرى لا تق اهمية , امتازت بالبساطة في مجتمع تهيمن عليه قيم الأستبداد والتخلف , لا سيما المرأة التي تعرضت لسلطة الماضي بموروثاته المتخلفة . اذ رصدت في قصتها ( ليلة سبت ) حياة فتاتين يقلقهما موضوع الزواج ويتعلق بشأن اختيار الزوج . لا تخلو المهمة من مخاطر , رغم كونها ممارسة طبيعية الا انها ربما تخضع لمعايير خاطئة , والمساومة على مستقبل وحياة هذه الفتاة أوتلك من دون الأهتمام برأيها ما يجعلها عرضة للتدخلات والضغوط والأكراه .

في موقع آخر تنقلنا القاصة هذه المرة عبر قصة ( العيدية ) الى سحر الطفولة وعالمها الرحب البهيج . اذ تقوم الراوية بزيارة لقريتها على ضفاف نهر الفرات , ويحتشد الأطفال احتفاء بقدومها لكن مايلفتها من بينهم طفلة جميلة كانت ( نحيلة شاحبة الوجه , شعرها الأشقر وحشي الترتيب بظفائر قصيرة ورفيعة . ظلت واقفة في مكانهاتنظر الي بعد ان تفرق الصغار الآخرون في كل اتجاه , لكنها لم تبادلني ابتسامتي ولا ابدت خجلا ولا حتى أومات ايماءة بسيطة ) . القصة تجعلنا نتأمل الطفولة , والتفكير بمأساة هذه الصغيرة الخرساء الجميلة التي ربما لم تكن تعي مأساتها كما يعيها الكبار . ومثل هذه النماذج تبقى من دون أن تبارح الذاكرة .. مثلما احتوت مجموعة ( رجل النهر ) على قصص اخرى مثل ( الفخ ) و ( ثرثرة ) و ( من كسر جنح الحمامة ) , قدمت القاصة الآلوسي عبرها تجربة قصصية حية تميزت بالنضج والوعي واصدق في التعاطي مع فنها , عبر صنع الشخصيات ونسج الأحداث التي روتها بتمكن لأقناعنا بحقيقة ما جرى في حكاياتها بتلك السلاسة وايقاع البساطة في الأسلوب صعب الأمتلاك .

 

 

كاظم حسوني

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار