الرئيسية / الاخبار / بدر الرجال

بدر الرجال

يحيقُ بهم الخوف من المجهول وهم يقبعون خلف آياتٍ تحميهم من جبروت وطغاة فتراهم تراهم أسرة واحدة كالأساور على معصم، هكذا كانوا معه. فلقد كبرت تلك البذرة التي غرسها في نفوسهم وأثمرت قوةً وإرادة مؤمنة بما جاءَ به متحملة وزر الانتماء الثقيل من ملاحقة العيون وكيد الأعداء لأنهم يدعون إلى نبذ الرق والانعتاق من الذلة والمسكنة. وأتوّ بمنهجٍ جديد مخالفٍ لما همُ عليه لا ينسجم وأخلاقيات رؤساء قريش الذين استعبدوا الناس والدين الجديد، يخالف مصالحهم ويعتقد إن الدين الجديد سيكونُ سبباً في سقوطه عن الحكم لذا فهو يحارب ما جاء به الرسول لأنه يدافع عن عرشه الذي بناه على كاهل هؤلاء المتعبين ظناً منه ان الدين يحرمه منها… وقد جُبلَ على حُبِ السهراتِ…

ازداد معسكر المسلمين بعد أن هاجروا مكة نحو المدينة متخذين منها مقراً لحكومتهم.

وكان المسلمون (قلة) يحيق بهم الكفار من كل حدب وهم عاكفون على بناءِ مجتمع المدينة وفق منهج الإسلام من خلال ترجمة نصوص الوحي إلى دليل عمل فحفظوا آيات القرآن عن ظهر قلب وتناقلوها فيما بينهم كأحاديثهم اليومية فتلك الآيات مترجمة لما يختلجُ في صدورهم من غربة في سمو الذات الإنسانية نحو الفضيلة والانعتاق من رقها. فبُنيَّ مجتمعهم الجديد وفقَ دستورٍ رباني لم يفرق بين سيدٍ وعبد فالكل سواسية فيه كأسنان المشط فعزّ ذلك على طغاة قريش وكانت تلك من بين الأسباب التي قامت عليها عداوتهم رسالة محمد (صلى الله عليه وآله).

بالرغم من دخول أبطال العرب الذين عرفتهم ميادين الوغى ضرباً وبسالة في دين الإسلام مما ساهمَ في رفع الروح المعنوية للمسلمين ولكن قلتهم كانت عائقاً دونَ أقدامهم على محاربة أعدائهم، وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يدركُ ذلك فهو أعظم قادة العالم منذ انبثاق الخليقة فأخذ يعدُ العدة للحد من تجاوزات قريش ونزعتها العدائية للإسلام ونبيه ومن اعتنقه ديناً.

بدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعالجُ مجتمعه المدني من خلال رفع الروح المعنوية فيه وتعميق القيم الإيمانية لدى المسلمين وتهيئتهم لقتال الأعداء دفاعاً عن أنفسهم ودينهم فقد تجاوزت قريش المألوف وانكرت الأعراف فآخى بين المهاجرين والأنصار في وحدةٍ يندر أن يتكرر مثيلاً لها على مدى التاريخ فأنصهروا في بعضهم وأصبحوا نواة واحدة لخلية الإسلام فألفَ بين قلوبهم بَعد أن جمعهم الله على صراطه المستقيم.

مر أكثر من عامين على الهجرة النبوية والشغل الشاغل لرسول الله هُوَ تحرير النفس مما علق فيها من جاهلية المجتمع والخوف من جبروت وبطش قريش فكان رسول الله يتحين الفرص ويزرع في النفوس الطمأنينة لينزع عنها الخوف من المجهول وقريش… ولابد من عمل ليبرهن لقومه إن ما ذهب إليه هو الحق بعينه.

عَلِمَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن قريش تعدُ العدة لؤد الإسلام والإجهاز على رجالاته من خلال معركة تعد لها. فرأى النبي (صلى الله عليه وآله) أن لابد من أن يبدأهم.. بالرغم من قلة العُدةِ والعدد. فاستشار أصحابه بما عزم عليه فقال له المقداد: (والذي بعثك بالحق لو سِرتَ بنا إلى بُرك الغماد لسرنا معك حتى تنتهي إليه).

ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشيروا علي، وإنما يريد الأنصار فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أُجيبك كأنك يا رسول الله تريدنا؟ قال: أجل، قال: فأمضي يا نبي الله لما أردت فو الذي بعثكَ بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضتهُ لخضناه معك، ما بقي منا رجلٌ واحد. فقال رسول الله: (سيروا على بركة الله فإن الله قد وعدني، فو الله لكأني انظر إلى مصارع القوم) وردت الأخبار لرسول الله بقدوم قافلة لقريش تحمل تجارة لأبي سفيان فأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) أصحابه للتعرض لها فاجتمعوا لديه عسكراً يقول ابن مسعود كنا يوم بدر كل ثلاثةٍ على بعير وكان في ذلك اليوم رسول الله أشدنا بأساً لقلة من مَعه من الرجال ولكنه كان يكتمُ ذلك في صدره ويتحدث معهم بثقة الخبير بأسرار الحروب الحكيم بتدبير أمورها وهو ينظر إلى الثلثمائة وخمسة عشر مقاتل رافعاً يديه إلى السماء داعياً: (اللهم إنهم حفاة فأحملهم. اللهم إنهم عُراة فأكسهم. اللهم إنهم جياع فأشبعهم).

كمنوا لقريش حتى بانت طلائعهم فاقوا بهم من كل جانب وما هي إلا ساعة وطيس حتى انكشفت عن اندحار كفار قريش فقتل منهم جمعاً كبيراً وَفَرَ منْ بقى منهم يعاني ذُلةَ الإنكسار، وأسر المسلمون ما يزيد على السبعين أسيراً وكان يفادي بهم الرسول (صلى الله عليه وآله) على قدر وجاهتهم وأموالهم ومَن تبقى من الأسرى في المدينة قام الرسول (صلى الله عليه وآله) خاطباً فيهم: (مَن لم يكن له فداء دُفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه).

عاد المسلمون إلى المدينة وما فيهم رجل إلا وقد رجع بحملٍ أو حملين فاكتسوا وشبعوا. وكان لانتصارهم في بدر زهو مَن صَبر وظفَر وثابرَ من أجل بناء المجتمع الإسلامي وفق معايير الكفؤ والأقوى لأنه قبل (بدر) لم يعرف العرب الإسلام. إلا مضطهداً ضعيفاً. يطلب الحماية ومَنْ يحميه…!! أما بعد بدرٍ ومقتل زعماء قريش عتبة وشيبه والوليد وأبو جهل وحنظلة ابن أبي سفيان والعاص بن سعيد وغيرهم من طواغيت قريش على يد الحمزة وعلي (عليهما السلام) وأشداء الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين).. فكأن ذلك مفتاح النصر حيث زعزعت صدمة (بدر) صفوف المشركين وحطمت معنوياتهم.

فرجع القوم إلى مكة يعالجون جراحهم إثر تلك المعركة المباركة البكر ويلملمون شتاتهم لحربٍ قابلةٍ مع المسلمين.

عبد الحسين الدعمي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار