الرئيسية / الاخبار / حديقة كيفين…

حديقة كيفين…

بديع الآلوسي  /////

 

 

 

1

ها هو يشعر بالغبطة ، مدركا ً ان ما يحلم به لا يستطيع أن يمنحه إياه أي أحد . لاشيء يستأثر باهتمامه سوى وروده النادرة بألوانها وروائحها التي يوليها كل عنايته و بين الحين والحين يتسلى بشدو العصافير ، على الرغم من عادة الاسترسال في الحديث مع نفسه ، لكن روحه تتلألأ باليقظة حين يتأمل وردة (الأوركيد) ، والتي تدهشه بظاهرها وباطنها في كل مرة ، كذلك الفراشات والنحل الذي لم يبرح الحديقة ، تؤنسه وتعزز من قناعته بإنها تعيش خفتها من إنسجامها .

منذ خمس سنوات ومسيو ( كيفين ) يقضي جل وقته بتلك الطقوس، غير مكترث لا بالثلج ولا بالمطر . يؤدي واجبه و قلبه يخفق بالوساوس ، كلما تذكر أهالي ( سان تيور ) الذين يحسدونه ويرمون الأحجار في حوض السمك الملون الخاص به .

فجأة ًأمسك كرشه الصغير وقال في خلده : أمر مزعج ، كأن نارا ً تشتعل في أحشائي ، لماذا ، الى متى هذا الخوف ؟ .

رغم كل ذلك واصل حرق الأعشاب الضارة في ذلك البرميل الصديء ، مراقبا ً حزمة الدخان . صدى الأسئلة أحدث ضجيجا ً مزعجا ً في ذهنه ، وبعد دقائق من التفكير ، استغرب ، وكانه يكتشف للمرة الأولى إن ما يدور في بال زوجته يحبط من عزيمته .

ـ ستميتك كمدا ًهذه الحديقة !.

كان يتمرد ويصرخ احيانا ً، بينما هي تعود الى مشاغلها خائبة ، محاولة ً نسيان كلماته : العناية الإلهية تهتم بأمركم ، أما الورود فليس لها من أحد غيري .

كان هذا الإحساس بالعزلة سببا ًبتهيج معدته ، لم يجد جوابا ً لهذا الأمر الذي ينكشف أمام ذهنه ويختفي ، وفيما عيناه تراقبان دوران طاحونة الهواء الصغيرة ، ارتبكت حواسه قبل ان يطلق تساؤله : هل كل الناس بحاجة الى حلم ؟ .

كانت الخواطر الأخرى تمر بذهنه كالغيوم المتوالية التي تمر وتمر . وبينما هو ينظر الى حديقة جارته والى الديكين اللذين يتطاير ريشهما ، قرع ناقوس الكنسية ، عرف حينها إن الوقت هو السابعة مساء ً . حينها غسل يديه بماء الينبوع ، وهم منصرفا ً الى بيته وهو يردد في سره :

ـ يا إلهي ، يا إلهي متى أرى الجنة في وردة الأوركيد ؟. *

2

كانت حديقة كيفين تستقبل رائحة البحر والروابي التي تحيط بها . ما لفت إنتباهة ان العصافير تستحم وتبلل اجنحتها غير مبالية لوجوده ، بعد ساعتين جاء القط المرقط وتغير المشهد تماما ً. وأتت زوجته كعادتها حاملة ًكأسين من النيذ الجيد ، وقفت في منتصف الحديقة متأملة ً زوجها بعينين فضولتين ، اقتربت منه وقالت بأسى :

ـ يبدو إنك غفلت اليوم امرا ً هاما ً .

أخذ باقة الورود التي أعدها، قدمها لها ، تفاجأت من ترتيبها ، ابتسمت وقالت :

ـ انت حقا ً ، تذهلني ، كنت أتوقع إنك نسيت عيد ميلادي .

رشف متلذذا ًجرعة النبيذ، متناسيا ً حالة التوتر التي يعانيها منذ يومين ، سرعان ما عاد يفكر بتلك الجملة وكيف سيقولها ، لبث صامتا ً يراقب زوجته التي هي الاخرى قد طعنت بالشيخوخة ، ومع ذلك ورغم برودة الاجواء الربيعية دفعه الفضول ان يسر لها ما في خلده :

ـ اعتقد ان آلام المعدة تعاودني لأني صمت قليلا ً

قالت : لأنك ماذا ؟.

ـ هل تعرفين يا عزيزتي ماذا يعني سقوط الإنسان في متاهة الخوف ؟ .

استولى عليها الاستغراب ، غيرت زاوية بصرها ، حينها قرأت تلك الورقة التي على الطاولة ، والتي كتب عليها بحبر أزرق : ( متى أرى الجنة ؟ )

حاولت أن تستدرجه ، مسدت على يده ، وحين سقط كأس الكريستال وتشظى ، انتهزت فاصل الصمت وقالت باقتضاب : اعتقد إنك تفتش عن لغز مجهول .

نعم ، كلمة الجنة ، جعلتها كطفلة تشتهي الضحك ، فركت أنفها وكإنها تشم رائحة غريبة تنبعث من بين الكلمات .

اعتقدت أنَّ الأمر لا يتعدى كونه مزحة يمكن تجاوزها من خلال اللامبالاة، فعالجت الموقف بالمراوغة، وظن هو الآخر أنّّّّّّّ التمادي في العثور على تفسير واضح لما هو غامض يعد تطفلا ً او استفزازا ً للعاطفة .

قال في خلده : حتماً ستبدي تفهما ً في وقت آخر .

مشاغل البيت كثيرة جعلتها ان تتركه منصرفة ، رغم شعورها انه بحاجة لها ، أولته ظهرها وهي تلوح له بباقة الورد مرددة :

ـ الحياة حلوة وقصيرة يا كيفين .

أخرج من جيبه حبات الفستق، وانفجر ضاحكا ً .اعتقد من الأفضل أن يترك ما ينتابه من إحساس موجع ، انتبه في اللحظة الأخيرة الى نعومة الهواء البارد ، حاسدا ًالأوركيد التي ظن إنها سمعت كل شيء ، بعد ساعة من العمل وخزت اشواك الجوري يديه ، لم يجد عزاء ًً سوى أن تمتم كمتأمل لا يتقن سوى تكرار نفس السؤال :

ـ يا إلهي، يا إلهي متى أرى الجنة في وردة الأوركيد ؟ . *

3

عمر هذه الحديقة خمس سنوات ، قبل ذلك التأريخ كانت مرتعا ً للخيول والأبقار ، نعم ، بدأت حياة جديدة تدب فيها منذ الاسبوع الأول لأحالته على التقاعد ، حينها التبست أفكار الأمل واليأس في ذهنه ، ذات يوم ، وبينما هو جالس في باحة الدار مع زوجته ، يراقبان تحليق السنونو الذي يحوم حولهم ، اقتنع بمصارحتها :

ـ التقاعد موت بطيء ، لابد من هدف .

تساءلت وهي تقضم تفاحة : ماذا ستفعل ؟

ـ سأفعل ما وشوش لي الملاك في نومي ، نعم ، قال لي ، ما زال ثمة وقت ، عليك بحديقتك المهملة .

ربما نسيت زوجته ما قاله الملاك ، لكنها انتبهت الى حالة زوجها ، حيث تحول تعكر مزاجه الى حيوية زادت من ثقته بنفسه.

اليوم وبعد أكثر من خمس سنوات ، الشمس اكثر دفء ً، استيقظ باكرا ً ، وانصرف الى حديقته التي تأملها اليوم كمن يسترق النظر الى أنثى أيقظت حواسه ، أخيرا ًسأل وردة الاوركيد بعد ان راقبها مطولا ً : هل تعرفين كم أحبك ؟ .

بعد ان انهى تدبير أموره ، توقف قرب شجرة التين مراقبا ًقطرات الندى ولمعان الضوء عليها ، فجأة سمع ضجة ، انتبه الى الأصوات التي غيرت مسار يومه ، تذكر السيدات الثلاث ، اللواتي التقى بهن قبل ايام في قداس الكنيسة ، حضورهن اليوم أثار في نفسه الزهو ، وصار قلبه يخفق وهو يصغي لهن :

ـ نكاد لا نصدق ، يا إلهي ، كإن الملائكه هي التي زرعت هذا الورد .

تلألأت عيناه بنشوة الفرح ، وحين تجولون للإستراحة عند الينبوع ، وقفت احداهن وقالت مبتسمة: أنت محظوظ ، هل تعلم انك تملك كنزا ً ؟.

وأشارت الأخرى الى وردة الكميليا وتساءلت : كم ثمنها يا ترى ؟

استحوذ عليهن العجب حين قال وبلا تردد : إن ازالة اي فصيلة يخل بإيقاع ونظام الأشياء في الحديقة .

ومن سوء حظه ، إنه ظل يثرثر بغبطة عن هوسه بالحديقة التي أنقذته من التهلكة ، وما أن سقطت من بين شفتيه عبارة ( أتصور حتى في الجنة نعثر على الظاهر والباطن ). حتى ارتسمت على شفة اطولهن ضحكة ساخرة وقالت :

ـ ها ، ها، ها ، في البار الجميع يتحدثون عنك ، إذن ، انت مسيو باطن ؟

شعر حينها انه تداعى بالفخ ، فلاذ بالصمت متحاشيا ً جروحا ً إضافية .

قررن الانصراف ، وعيونهن تكتنز بروعة تلك الحديقة ، شاهد أياديهن تلوّح وسمع حناجرهن تردد : ليلة سعيدة مسيو باطن .

شعر بالامتعاض ، وعلا الاحمرار وجهه . رغم ذلك الإحباط ، لكنه حاول ان لا يبالي كثيرا ًبتلك الحادثة ، وعاود استغراقه متأملا ً وروده ، وصلى حين سمع ناقوس الكنيسة ، لم تكن من مهمة أمامه ، أغلق باب حديقته حين تكاثفت الغيوم وتلونت بأشعة الشمس الغاربة ، أيقظ كل ذلك اندهاشه ، استرق النظر كطفل يرى هذا الجمال للمرة الأولى ، باحثا ًعن إجابة أو إشارة ، رغم الارتباك لكنه شعر بنصر ما ، لم يكترث ، بل ردد سؤاله الوحيد بصوت واضح قبل ان تختفي الشمس خلف سلسلة الجبال :

ـ يا إلهي ، يا إلهي ، متى أرى الجنة في وردة الأوركيد ؟ .*

4

بعد ثلاثة أيام ، وجد في الحديقة وتحت صخرة الكرانيت ثعبانا ً، هذه المفاجئة اثارت في نفسه الفزع ، لكنه و بعد ان جلس واحتسى قهوته تركه وشأنه ، وقال لزوجته ممازحا ً : إن مملكتي بحاجة الى حارس .

إستمع بعدها الى خرير الينبوع المندفع نحو حوض أزهار اللوتس ، غير مكترث لصوت جارته وهي تدندن لدجاجاتها ، ساوره شعور بان شيطان الطيور هو الذي يجعلها متعطشة للغناء ، رغم انه لا يبالي اطلاقا بما يحدث في قن الدجاج .

لكن فجاة ً توقف ، وبدأ يتلصص عليها ، كتم ضحكته ، وهو يراها بحذائها العسكري الذي لا يتلاءم مع قامتها البدينة .

حاول الانصراف حين شاهدها تقترب نحوه ، تظاهر بسقي الورود ، قال في نفسه :

ـ حتما ً ، ستروي تلك الحكاية .

وبينما هي مسترسلة في الغناء ، كانت عيناه شاخصتان الى قلنسوتها المزينة بكل الألوان ، كان مدركا ً إنها مجنونة مثله ، ذات يوم سألته لماذا يصلي ؟ ، في يوم أخرأ خبرته إنّّّّّ الريفيين ها هنا، تملأ قلبوهم الغيرة والحقد .

كان المساء رطبا ً ، عندما مدت يديها المتسختين وعلت شفتاها ضحكة مجلجلة ، بلهجة ساخرة استأنفت كلامها :

ـ أرجوك ، هيا ، بحق الرب ، تعال لترى كم بحوزتي من طيور ملونة .

أومأ برأسه عدة مرات ، لكنه تلعثم وحدق في حلاوة عينيها متحاشيا ً طلبها .

شعرت بالارتباك ، اخرجت البيض من جيبها ووضعته على الطاولة ، وجلست القرفصاء على صخرة الكرانيت ، عندئذ لاحظ ، إنها صمتت قليلا ًوأخذت تدخن وكأنها تكابد ألما ً.

فجأة ً قالت له : اعرف ، إنك لا تحب دجاجاتي .

ـ ماذا ! ، من أين لك بهذه الهواجس .

حاولت ان تشرح له ما يدور بذهنها ، كان التوتر سيد الموقف حين قالت :

ـ أريد ان اعرف ، ماذا ستفعل ، لو نبشت دجاجاتي حديقتك ؟

كان اكثر دماثة وكانت هي اكثر ذهولا ً حين خاطبها بهدوء :

ـ لا تقلقي . صمت ثم أردف :

ـ لكننا ، سننعم براحة البال ، إذا شذبت ِ اجنحتهن .

لاحظت مندهشة ، كيف يصغي لها ، كانت تهرش رأسها وهي تروي له ، كيف أطلقت النار على ذلك الثعلب الذي قرض نصف دجاجاتها ، وكانت دهشته عظيمة حين قالت له :

ـ أرجو أن لا تسخر مني .

ـ باسم يسوع ، لا

ـ آسفة ، إني أحب دجاجاتي أكثر منك .

لم ينبس بأي كلمة ، هز رأسه ، وكأنه يقول لها أعرف إن فيروس الطيور خطفت عقلك .

وبدت له وهي تركض بقلنسوتها الملونة كأنها ببغاء نشوان .

نعم ، حين خيم المساء والضباب تذكر الثعبان ، ابتسم وقال له جملته التي يحبها بوله ، جملته التي لو سمعها الآخرين سيتهمونه بالجنون :

ـ يا إلهي ، يا إلهي متى أرى الجنة في وردة الأوركيد ؟ *

5

في ذلك الخريف ، ما أن دخل حديقته حتى تكدر وجهه ، تمنى ان يموت قبل ان يرى ما رأى، صرخ متألما ً :

ـ آه ربي ، فضيع كل ذلك ، إنهم افسدوا كل شيء .

ارتمى ينتحب ، وهو يرصد حجم الخراب الذي لحق بحديقته ، وحين وصلت زوجته ، وجدت الكارثة ، وان الفوضى عبثت بكل ارجاء الحديقة ، تجمدت في مكانها، شعرت بالإرباك ، ولم تعرف بماذا تواسي زوجها، لكنها رغم ذلك ، التفتت نحو كيفين وقالت بمرارة وسخط :

ـ حقا ً ، وحوش ، كيف ؟، ولماذا فعلوا كل ذلك ؟ .

لم ينبس بأي كلمة ، كان ألمه عظيما ً ، مُخفيا ًعينيه بكفيه ، حاول زوجته ان تتشبث ببصيص الأمل .

هي لا تعرف الآن ، بعد ان ثكلوا ، كيف سيجدون راحة البال . كان هو الآخر مكفهرا ً ، غير مصدق ذلك الكابوس ، تعاسته حجبت عنه ما يتوجب فعله .

اتخذت زوجته مكانا ًبقربه وقالت بصوت متقطع :

ـ حقا ً ، ..أمر كارثي ، ولكني اعتقد .. ليس أمامنا سوى ان نعيد المحاولة .

ـ مهما فعلت . وصمت ، ثم أردف :

ـ أتعتقدين وأنا بهذه السن ، توقف مرة اخرى ثم أكمل :

ـ إنهار حلم الملاك يا عزيزتي .

في هذه اللحظة شعرت زوجته بالحيرة ، سألته وهي تنظر الى عينيه :

ـ ماذا تقصد ؟ .

قال لها وهو يبتسم ، كإنه يهذي أو أصيب بالانفصام :

ـ الحديقة جميلة ، وستظل جميلة .

بفرح بادرت :

ـ يعني ستعيدها ؟ .

قال بصوت مضطرب يشبه الهمس :

ـ آه ، لو كان ذلك ممكنا ً

ـ لكن ، أعتقد بإمكانك

قاطعها متنهدا ً :

ـ نعم ، علينا أن نبحث عن حلم آخر .

شرع يروي لها ما أفشت له الحديقة من اسرار ، مكث طويلاً وهو يتطلع الى السماء ، واخترقت الدموع وجنتيه ، تاركا ًزوجته تحدق به باندهاش .

لكنه سرعان ما نهض ، صمت لحظة ، ابتسم وكأن إحساسا ً بالارتياح بدا على وجهه ليقول ببراءة :

ـ سأرى الجنة في وردة برية *.

وهنا ضحك َ ، ضحكت زوجته وهي تنظر له باستغراب كأنها تبصر رجلا ً غريباً .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

* هذه العبارة مستوحاة من قصيدة الشاعر الإنكليزي ((وليم بليك ))

( رؤية العالم في ذرة رمل ، والجنة في وردة برية ،…………)

9 / 9 / 2012

 

 

بديع الآلوسي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار