حرز

القاص محمد كريم

الرصاصة مازالت في جيبي ، كيف أتخلص منها ،؟ لربما تكون سبباً لهلاكي ؟، لكن ، هي الحياة وهي الموت . كانت سبيل نجاتي من جبابرة العنف .

نظرت إلى وجه زوجتي وهي تجلس إلى يساري ، وابني إلى يميني تأملت في الوجوه الباقية ، وجدتها كلها غارقة في بحر من الأفكار ، مددت يدي في جيبي تلمست الرصاصة بألم ” إذا فقدتها كيف احمي نفسي وعائلتي ؟ ” تأملت في وجه زوجتي بعمق ” لا أريد فراق هذه العيون الجميلة ” كانت زفراتنا تنغم الصمت الذي احتل السيارة منذ أن ركبنا الطريق السريع . صوت الهواء تشقه السيارة المسرعة بعنaف ، وصدر صوت متعب بسبب التدخين ، كسر الصمت ، وشد الناس ، قطع سلسلة أفكارهم ـ هو السائق ـ إذ يقول ” هذه سيطرة للأمريكان ، وسمعت من احد السائقين إنهم يفتشون عن الأسلحة والآثار المسروقة فمن يملك سلاحا فليتخلص منه أو قطعة أثرية فلينزل ” بقينا صامتين انتابني خوف وقلق بديت مضطربا نظرت لي زوجتي أحست بضجري سألتني :

–        ما بك أراك منزعجا ؟

–        لا شيء

جلستُ بهدوء دون أن انظر لها تصاعد الخوف لم أتحمل الجلوس ساكنا دون حراك زوجتي أخذها الشك باني اخفي شيئا عنها سألتني

–        منذ أن تكلم السائق وأنت لم تسكن في مقعدك ما الأمر ؟

قربت فمي من إذنها وهمست إليها

–        أتذكرين الرصاصة ؟

–        أي رصاصة ؟

–        التي نجتنا من الموت

فتحت عينيها الواسعتين وقالت

–        ما بها ؟!

–        ما تزال في جيبي

–        ارمها من الشباك وتخلص منها

–        لا لن ارميها

–        وان وجدوها ؟

–        أعطيها لهم أو أقول لهم فيها حرز

توقفت السيارة أمام نقطة التفتيش وبعض الناس قد سمعوا ما دار بيننا وظلوا قلقين عليَّ يدعون ربهم أن تمر الأمور بسلام. قال المترجم على لسان الجندي ” انزلوا من السيارة لتخضعوا للتفتيش “

نزلنا من السيارة ومسكت ابني من يده ذاك ابن السابعة من عمره كان خائفاً دون أن يتكلم تقدم الجندي يفتش والعيون تدور حولي وصل التفتيش إلي تركني ومد يده إلى امرأة تقف بجانب زوجتي أخذتني الغيرة وصرخت بوجهه ” لا تمد يدك القذرة ” توقف الجندي ورجع إلى الوراء تحدث مع الضابط جاء المترجم وكلمني ” دعني أفتشهن .. حقائبهن ” أفرغن حقائبهن على التراب نظر المترجم بعينيه دون أن يمد يده ولم يجد أي شيء جمعت النسوة حقائبهن وشكرتني تلك المرأة رددت عليها ” لا شكر على الواجب أنت وزوجتي واحد أنت شرفي أنت عرضي ” تقدم الجندي باتجاهي ثانية ثم غيّر فكره وفتش ابن إحدى النساء لم يبلغ الخامسة تقريبا حتى صرخت أمه بوجهه ” هذا يخيفكم يا جبناء ” لم يصغِ لها حتى أتم تفتيشه وانقلب ليفتش ابني صرخ بصوت مخنوق وتسابقت دمعاته باتجاه فمه المسدود دون أن يفتحه ترك الولد وانقلب إلي شعر بخوفي والعيون كلها تراقبني يتهامسون يتنقلون الخبر الواحد للآخر فوجئت بأنه لم يعثر على الرصاصة تمتمت مع نفسي دون أن ارفع صوتي ” غبي كيف تفتش ؟ ” عيون الناس ما زالت ترتمي إليَّ بخوف لاهب أحس الجندي بوجود شيء عندي عاد يفتشني ولم يعثر على أي شيء سقطت عيناه بوسط عيني الراقصتين قطعت نظراته ونظرت لزوجتي وعدت إليه ثم عدت ثانية لزوجتي , لابني والناس أبشرهم بنجاتي حتى رجع الجندي إلى الوراء تحسست جيبي ولم اعثر على الرصاصة “يا الهي , أين اختفت ؟ ” شكرنا الضابط لتعاوننا معهم قائلا ” هذه واجباتنا “توقف عن الكلام ثم قال “اركبوا سيارتكم ” .

تحركت السيارة وبقيت مشغول البال سالت نفسي ” أين اختفت الرصاصة ؟ ” وسألتني زوجتي ” أين أخفيت الرصاصة ؟ ” وسألوني الركاب بصوت واحد ” أين أخفيتها ؟ ” سقطت في حيرة للجواب “أين … ؟ ” وغز ابني على فخذي بسبابته المدببة مما جعلني اقطع حديثي نظرت إليه فتح فمه واخرج لسانه الملفوف فتح طياته وخرجت الرصاصة قلت لهم ” في فم ابني ” وقال ابني ” عندما همست في إذن أمي لم أسمعك من الوهلة الأولى حتى دار بينكما الحديث مددت يدي في جيبك وأخرجت الرصاصة دون أن تشعر أخفيتها في فمي وكان بكائي تمثيلا ” .

اليوم 9/4/2005 ومر عام على تلك الحادثة وأنا اتجه مسافرا بنفس الطريق والرصاصة ما تزال معي ولكن هذه المرة وحدي فأين أخفيها نظرت إلى يميني شاهدت طفلا يجلس جنبي وهو بعمر ابني فضحكت ” هل سيخفي رصاصتي ؟ ” .

2010/4/9

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار