الرئيسية / الاخبار / خزعل طاهر المفرجي عنفواناً وحناناً / عبد الستار نورعلي

خزعل طاهر المفرجي عنفواناً وحناناً / عبد الستار نورعلي

عبد الستار نورعلي   ///

abdulsattar_noorali

علمتني الاهوار

اختصر الطرقات

لأعتلي أرصفة الوجود

 

 

هكذا يبوح الأديب الراحل خزعل طاهر المفرجي بما حملته روحه من سمو، أطعمته إياه أهوار ميسان التي شهدت ولادته انساناً نبيلاً ومبدعاً قديراً، اختصر الطرقات وقلّصَ المسافات الرابطة بين نفسه وبين العالم حوله قُرباً وبعداً بحساب مسافات الخرائط، لكنها قُرب بحسابات النفس البشرية الظمأى الى قناديل الكلمة المبدعة التي تعبّر عن دواخل النفس وما تحمله من مشاعر وأحاسيس وأفكار، لا تجد مأواها إلا في الاقامة في روح الانسان على هذا  الكوكب الفسيح، لتلقيَ مرساها في موانئ الذائقة فتجد مستقراً ومقاما، متجاوزة بذلك المسافات والخرائط المصطنعة، عابرةً الحواجز والحدود لتلقي رحالها سريعاً في النفوس الأخرى على الخرائط الأخرى .

 

وقد علّمتهُ الأهوار أنْ يختصر هذه الدروب والمسافات ليعتلي أرصفة الوجود الانساني في كلِّ الأصقاع قريبها وبعيدها، لكي ينثر من روحهِ المنيرة النبيلة العطرة ما يكنز منْ قيمٍ ومشاعر وفكر وجمال، ينثرها في روح الانسان أينما كان . الأهوار هي صاحبة الفضل، هي التي قدّمتْ على طبق من لؤلؤٍ وهّاج أعلاماً أفذاذاً منْ أرباب الكلمة والنغم والصوت والصورة ليمتعونا بأحلى ما أنتجوه شَهداً وغذاءً روحياً، ومن هؤلاء مبدعنا الراحل خزعل طاهر المفرجي .

 

هذا المبدع الجميل رحل عنا بما كان يخزن في بستان صدره من ثمار الطيبة والنُبل والمحبة والوطنية الصادقة النقية الحارة والكلمة الحرة المعبرة والمؤثرة . هذا السومريّ الميساني ابن الأهوار والبدويُّ ابن الصحراء مشعّ قوةً ورقةً، جامع بين صورتين: الغلظة والحنان، صفة الغلظة بمعناها الايجابي، القوة والبأس، لا بالمعنى السلبي، القسوة والايذاء، وصفة الحنان الذي هو ينبوع الرقة والعطف والروح الجميلة . إنَ المفرجي هو الانسان المفتخر بأصله وجذره ومنبعه ومنبته رافعاً رأسه عالياً باعتزاز الواثق منْ نفسه ومنْ القيم والخصال التي نشأ وتربّى عليها، حيث يقول في قصيدة (مخابئ وجنون):

أنا سومري .. و بدوي ..

أحمل  الغلظة ..

وحنان وحزن – المعدان –

 

إنه السومريُّ حضارةً، والبدوي بأساً وشدةً وصلابة وجرأة وشجاعة، والمعيديُّ ابن الأهوار حناناً وأحاسيسَ انسانية رقيقةً، وحزناً لأنّ الحزنَ ملازم موضوعيّ ملتصق بحياة ومعيشة ونفوس سكنة الأهوار، وذلك بسبب قسوة البيئة في هذه الحياة وشدتها ومعاناتها، وبأثر الصراع المطلوب والمفروض من أجل لقمة العيش منْ خلال مقارعة بأس الطبيعة القاسية والجميلة في الوقت نفسه، والتي تمنح النفس شدةً وقوةً وصلابة وهدوءً وسكينة حين يجلس المرء متأملاً على ضفاف الهور يسمع خرير الماء وأصوات الطيور وهبوب النسيم العذب  فيغني أو ينشد شعراً أو يعزف عل نايه، فتمتلئ نفسه رقةً وشفافيةً وحناناً وحلاوةً . خزعل طاهر المفرجي في تصويره لنفسه بالصفتين، العنف والرقة، يذكّرنا بقول محمود درويش:

وطني، يعلّمني حديدُ سلاسلي

عنفَ النسورِ، ورقةَ المتفائلِ

 

ماكنْتُ أعرفُ أنَّ تحتَ جلودنا

ميلادَ عاصفةٍ، وعرسَ جداولِ

 

حيث يصوّر درويش حالة النفس الوطنية الثورية أيام حركات التحرر الوطني في خمسينات وستينات القرن الماضي، وهي أنّ الثائر الوطني هو مَنْ يحمل في صدره العنفَ الثوري بمعنى القوة والصلابة والاصرار والشجاعة والاندفاع في الدفاع عن الوطن والكفاح من أجله، وهو مَنْ يحمل في المقابل أيضاً الرقة بصورة التفاؤل والأمل والروح الانسانية المحبة للوطن والانسان والخير في التعامل اليومي مع الآخرين، وكذلك في زمن البناء .

 

كان هذا هو شاعرنا المفرجي في عنفه وحنانه، هو الجامع لكلِّ فضائل الحياة على أديم ارضه وتراب وطنه .  لقد تشرّب بحبِّّ الوطن فتحلّى بالالتصاق به، فرحاً وحزناً، عافيةً ومعاناة، أمناً واضطراباً، وصدقاً ووفاءً، وقناعةً واصراراً على أنْ يكون العراقيَّ كما هو وبما عُرف عنه وجُبل عليه، لا كما يريده الآخرون من أعداء أو غزاة أو طامعين أو حكاماً طغاةً أو فاسدين ومفسدين أو مزورين ولصوص وقتلة، الذين يريدون تحويل الوجهِ الناصع الى صورة شوهاء، والوادي الآمنِ الى غابة ظلماء، والسهول العامرة الى مفازة جرداء، تسرح فيها الثعالبُ والذئاب والضباعُ والأفاعي والدهماء . يقول في قصيدته (عشب مباح لرعاة البقر):

يا وطني ..

الماء …واللهب

مازالا في جفونی

أرید ان اکون ..

کما انا ..

لا کما أرادوا..

عشب مباح لرعاة البقر ..

 

و (رعاة البقر) هنا اشارة، كما هو معلوم، الى المحتل الأمريكي، المحتلّ حفيد الغلظة القاسية المجردة عن القيم الانسانية، المشبعة بحبِّ السلب والنهب والايذاء والقتل، وسحق البراءة والنقاء والطيبة وحبّ الخير، وتمزيق الأواصر، ونشر الفوضى الخلاقة، وهي النظرية الاستراتيجية الأمريكية في التحكم بالعالم والسيطرة عليه وعلى ثروات الشعوب .

 

الطيبة والجمال والخير وحبّ الوطن هي منْ خصال مبدعنا الراحل ومن مسلمات ايمانه الفطري وتربيته وثقافته وتجربته الحياتية . والتي تنعكس جلياً في منتجه الأدبي شعراً ونثراً . يقول في قصيدة (ذرف الله لك دمعة ياعراق) معبراً عن ألمه بالحال التي وصل اليها وطنه بين سنابك خيل المحتلِّ وبين اللصوص والسماسرة ممن يُسمون بابنائه، ليكون الهمّ الجاثم ثقلين، والمعاناة النازفة قسوتين:

السماسرةُ ..

والنخاسون ..

واللصوصُ ..

مع رعاة الحضيض ..

في عرسٍ .. وأي عرسٍ ..

وليمةً اسمها العراق ..

 

إنه يصرخ بأنّ وطنه قد استحال لقمةً سائغةً للمحتلّ وللصوص الذين ينهشون أرضه وشعبه وخيراته نهشاً، وللسماسرة والنخاسين الذين عرضوه في سوق البيع والشراء لهذا وذاك من الذين يريدون به شرَاً مستطيرا وقضاءً مبرماً وتفتيتاً ممنهجاً ومبرمجاً، واستراتيجيات لا تريد له خيراً وانما تُضمرُ لما وراء الأكمة من مخططات جهنمية خبيثة، ولحاقدين متربصين منْ غرباء ومن ذوي القربى الذين يتلذذون بالدماء التي تسيل أنهراً، ويرقصون للوطن المذبوح الذي يقف على أبواب التمزق والتفتت. يقول مخاطباً بغداد في قصيدة (ذرف الله لك دمعة ياعراق):

بغداد : 

 على رسلك يابنت الحضارات ..

دعيهم يقايضون بدمائنا .. 

انه الهزيع الاخير ..

من ليل اختضن الرزايا 

الواهمون ارادوا : 

تلوذين بالدم صبرا.. 

العيون العارية .. 

قطعت اوصال المروءات 

والدهر يعصف بالجراح .. 

جرح يغفو .. 

جرح يلهث .. 

جرح يتداوى بأنفاس الفجيعة .. 

وجرح يكتشف جميع الجراح خديعة ..

 

هذا  الجرح ظلّ ينزف فيه وجعاً لِما آل اليه وطنه، هذا الوطن بناء الحضارة السومرية، الوطن الذي تغذّى أديبنا الراحل من خيره وجماله وحضارته وثقافته وأدبه ليصبح ثمرةً من ثماره الناضجة الجنيّة . إنّه ابن سومر والصحراء والأهوار التي شكّلته انساناً وفناناً، وملأت قلبه وعقله بكل ما حمل من خصال انسانية راقية، وثقافة عالية، وموهبة ابداعية، وكلمة مشرقة طيبة . هذا المبدع كان صوتاً صادحاً مؤثراً، وصدىً لواديه وادي الرافدين، معبّراً عن كل مامرّ به من ويلات ونكبات عاشها بضميره وحسه وعينيه وفنه :

زرعوا النيران بارضنا 

ليسعدوا ويرقصوا ..على اشلائنا 

(كم متنا .. وكم متنا 

وكم في لحظة الموت بعثنا) 

اليس هذا الدم المسفوح ..

باباً للنهوض..؟ 

لنعود من جديد انبياء .. 

على خيل الريح ..

 

مع كلّ ماجرى ويجري لوطنه بقي شاعرنا المفرجي متحلياً بالاصرار والعزم على الحفاظ على الهوية في تحدٍ صريح للاحتلال ولمحاولات طمس الهوية الوطنية، حين اشار الى أنه البدويُّ في غلظته، والمعيديُّ في حنانه . كما أنه بذكره للماء اشارة رمزية الى الأهوار، ففي الماء الرقة والحنان والخصب والنماء والرواء، وكذلك منه وفيه الحياة واستمرارها على الأرض، مثلما ورد في قوله تعالى: “وجعلْنا منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ أفلا يؤمنون ” الانبياء 30 .

 

رغم كلّ ما حلّ بالوطن منْ مصاعب وويلات ظلَّ ابنُ الأهوار السومريُّ والبدويُّ، ابناً للبأس والعنفوان والقوة والتفاؤل، وللعذوبة والرقة والخُلق القويم النبيل، وهي التي حافظتْ عليه رجلاً ومبدعاً منتصبَ القامة شامخ الرأس مؤمناً بانتصار بلده على كل ما يمرّ به طالعاً منها كالعنقاء من بين النار والرماد، منطلقاً من الايمان بقدرة وقوة شعبه على الانتصار والخروج من المحن وهو أشدُّ قوةً وأكثر تماسكاً، فهو القائلُ في قصيدته (أفيقوا … الصباح آتٍ !):

 سوف تعلمون..

على أجنحة الغضب..

التسونامي آت..

من خلجات الشباب..

يولد من هدير الساحات فجراً..

فجر صباح الشهداء..

 

أفيقوا..

لا تغلقوا للحق باباً..

كم صباحاً في أمتي..

أصبح دستوراً  للعقول..!؟

 

فما هو آتٍ على هدير أمواج الشباب الثائر هو تسونامي كاسح يمتطي صهوةَ الغضب، ليبزغ فجر جديد من دماء الشهداء . إنّه يدعو الى اليقظة وتحكيم العزيمة والعقل معاً، أي العاطفة والفكر . ونقرأ له أيضاً في تفاؤل ملحوظ في قصيدة (الى دعبل الخزاعي: هذا سرُّ بلادي):

سر بلادي   

مرسوم باللوح المحفوظ .. 

في الحاضر..والماضي.. والآتي.. 

وفي الاساطير..

کلما تعانق موتاً

 تولد من جديد

 

ويقول أيضاً بأمل لا يفارقه قلباً وشعراً، وبيقينٍ راسخ لا يتضعضع ولا يضعف:

عندها يعلمون .. 

الشمس لن تغادر ديارنا 

 و صحراء النجف .. 

تمطر كواكب ..ونجوم ..

 

هذا السومريُّ المُشبع بعشق الأرض، والمشغول بهمومها، والملتصق بميسانه وأهوارها، والمتعلق بشعبه، هذا النبيل الطيب الرقيق حاشيةً والمتفائل نفساً رحل عنا لنفقد صوتاً أبياً وروحاً مشرقةً ومبدعاً كتب الشعر والقصة والمقالة النقدية، وكان فيها اصيلاً  وجميلاً.

 

عبد الستار نورعلي

الأحد: الأول من يناير 2012

 

خاص بالمثقف: لمناسبة رحيل الشاعر العراقي خزعل المفرجي

 

العودة الى الصفحة الأولى

……………………….

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1994 السبت 07 / 01 / 2012)

 

 

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار