الاخبار

خزعل طاهر المفرجي: يا مليكتي .. وحضور ذاكرة اللغة

0

غزلان هاشمي ///

ghazlan_hashimi

تتعدد الإمكانات اللغوية حينما تلامس منطقا نصيا متداخلا، وينفلت الزمن الشعري حينما يكون البوح في الذاكرة الملتبسة بحاضر النص، من هنا يصبح المعنى

 

اعتبارات مختلفة واحتفاء بالتجدد واللاثبات إذ تبرز عناصر زمكانية متعددة تتنوع وتتفرق بين التاريخ والحاضر والمستقبل.هذا ما وجدته في محاورتي لنص الشاعر العراقي المبدع الراحل الأستاذ “خزعل طاهر المفرجي” الموسوم بـ”يامليكتي…الفينيقية”.فما يبوح به النص؟

العنوان:”يا مليكتي….الفينيقية” يتشكل العنوان من ثلاث ملفوظات حيث يتخذ صيغة مناداة “أداة نداء+منادى”، وكأن بالنص هنا يوجه نداءه للغة التي تموضعت في حكم البعيد، حيث يبدو ـ أي النص ـ في حالة دهشة وارتقاب وشوق لذا فهو يلح في المناداة حتى يحبس اللغة في راهنه الموجود، أو يلفت انتباهها إلى الحضور المصاحب لا المتوجس والمتخفي المنقضي..، ويتعثر النص بعد ذلك بمسافة زمنية صامتة أو بوح محذوف، حيث يتلعثم تعبيرا عن أزمة اختلاق لغوي حينما يلامس الشوق كبتا أو كلاما كثيرا يعجز عن التعبير عنه، ومن هنا فهو يمارس تغييبا ليفسح المجال للمتخيل أن يلبس تلك الفراغات باحتمالات متعددة احتفاء باللانهائية، ليستفيق النص ويسترد أنفاسه ويستلم بوحه بالوصف المصاحب”الفينيقية”، إن لفظة”مليكتي ” تحمل دلالات كثيرة منها العظمة والانجاز والسمو والرفعة والتملك والسيطرة والقوة ….وهي فوق ذلك ترد متبوعة بياء النسبة، حيث النص يعترف بسلطة اللغة على زمنه الإبداعي، ومعها يقر بانتسابها إليها وكأن باللغة هنا تصير تابعا ومتبوعا في الآن ذاته إذ بمجرد أن يعترف بقوتها التحكمية يسلبها إياها بهذا الانتساب أو الإلحاق، ومن هنا يتحول المكون الجمالي إلى الاحتفاء باللغة أولا ثم بالنص الذي يعترف بمركزيته ثانيا، وأما لفظة “فينيقية” فتحمل دلالة القدم والعراقة والحضارة والانوجاد الأصيل والتاريخ والمجد والقوة والسلطة، وكما قلنا سابقا فهي ترد بعد كلام محذوف أو مسافة إبداعية متعثرة، وكأن النص يؤسس لوعي تاريخي أصيل تغدو معه اللغة مكونا جماليا ينحو نحو الأصالة والعراقة، ويستمد خصائصه النوعية من هذه اللحظة المسيجة بالمجد والقوة، ومن هنا لا تظل رهينة لحظة آنية مستأصلة من امتدادها القبلي وإنما هوية تعتمد هذا الامتداد القبلي لتشكل نمطها البعدي أو زمنها المتنامي .

تعالي…

لأمواج البحر لا تسمحي

سدودا لنوى….

اقذفي الوجل على قارعة الحب

بك…

رميت أوراق لفظت السقم

الخريف

استفاق الجسد ربيعا

مزق قميص الانتظار…

أشرقت على أفق الهيام الخلجات….

أنا العاشق الأكبر…

يموضع النص اللغة في حكم الموجود المقابل”تعالي”، بل ويجعل هويتها تنحو نحو التشكل المتحرك لا السكون، ومن هنا فهو يخاطبها بصيغة أمر ملح، يرجو لحظتها أن تكون رهينة الحضور الدائم، وأن تسلمها لصيغة المشابهة أو للهوية المنتقصة لا المكتملة”لأمواج البحر”، حيث الارتحال المسيج بالخطر”الأمواج” من أجل البحث عن الصيغة النهائية أو المعنى المكتمل في ثنايا البوح، بل وينهاها عن سد ثغرات البعد وصد ذلك الشعور بالانزواء والوحدة، إذ زمن الافتراق هو الوعي الأصيل بالجمال الكامن في اللغة والنص، ومن ثمة يواصل النص أمره للغة”اقذفي” حتى تتخلص من ذلك الاحتشام الساتر لجمالياتها عن طريق الاعتراف الانسيابي بها، وكأنه يدعوها لتمنح أسرارها للنص حتى يكتمل التآلف بينهما.وتبقى الحركة الفعلية مهيمنة في النص لكنها تتجه ناحية الماضي”استفاق ـ مزق ـ أشرقت ـ لفظت”، وكأن به ـ أي النص ـ يستمد انوجاده وخصائص حضوره وإمكاناته الإبداعية من الزمن المنقضي أو من لحظة التاريخ المعتق، من أجل بسطها على زمنه الآني حيث الربيع وحيث الإشراق هو إعلان عن زمن إبداعي جديد، ينفض عنه سقم الخريف المنبئ بالتساقط والتراجع والإحباط…، ومن هنا يبعث النص من جديد في ربيع الإبداع ليعلن التباسه بهذا الارتباط الحميمي بينه وبين اللغة القادمة من حواف الانتظار أو من غابر التاريخ”أنا العاشق الأكبر”.

تعالي…

الصدق لمرافئ

لشطوط النخوة….

لا يأخذك البحر مني

ويرمقني بعتاب خفي…

فقد طال صمتي…

عن حواس نهارك الأزرق ….

دفء جمرة قلبك

يذيب صقيع العمر….

ينتفض الصهيل…

ويسترد النص زمن التقابل عن طريق الأمر”تعالي”، حيث الهوس بالحضور الدائم، وحيث الاستنجاد بلحظة الالتقاء أو الرسو”مرافئ ـ شطوط”، وإلحاقها بلفظة “الصدق” تأكيدا لشفافية المبتغى وحقيقة المراد، إذ ينفي زمن المستقبل “لا يأخذك” إذا ما صادف لحظة افتراق وارتحال”البحر”، ولا يسلم هويته إليه أو بوحه المتتالي له “يذيب ـ ينتفض” إلا إذا صادف إمكانا إيجابيا أو وجودا متفائلا”يذيب صقيع العمر ـ ينتفض الصهيل”.إذن يعترف النص بتجدد إمكاناته بعد صمت زمني طويل، حينما لامست لحظته الآنية ذلك الاقتراب من زمن منقضي وعبرت عن حميمية قابعة في ارتحالات الذاكرة تحاول أن تسترد أنفاسها عبر اللغة في الزمن الحاضر.

جاءت حبيبتي…

الآفاق تتراقص في عينيها حدود…

تلهم الأهوار بالفرح…

تنادي يا طيوري في الشتات

استقبلوا ملكة البحر الفينيقية…

سحرها أخذ من الشمس وهجه…

رحابة الروح من اليم

سومري اللون والأبعاد..

أرجواني الشفاه…

الأساطير بهاء

مسحت على وجهها الحسن…

خاتم القلب…أجمل النساء…

ويتخلص النص من فعل الامر تعبيرا عن انصياع اللغة واسترداده لحظتها، لكنه يموضعها في الزمن الماضي”جاءت حبيبتي”، حيث الهوس بالتاريخ وحيث يحسم اعترافات حينما يعلن ارتباطه بالذاكرة، وحتى المضارع حينما يرد فهو يؤكد أن النص يعيش ماضيه في هذا الراهن”تتراقص ـ تلهم ـ تنادي” ورفضه الانفصال عنه، وتتأخر الحركة الفعلية “تتراقص” ليتقدم الفاعل”الآفاق” حينما يعبر النص عن رحابة المنجز الإبداعي والتشكل اللامتناهي، إذا ما صادفت اللغة أو تكشف حقيقتها أوحين اكتشافها لهويتها الأصيلة في زمن المستقبل الباحث في ارتباكات الذاكرة وشتاتها.ويوجه النص أمره لمكوناته النوعية المتجددة أو لأمنياته المرتحلة والمتنوعة زمكانيا”طيوري” من أجل أن تتقبل هذه اللغة القادمة الطلب بجعلها في صيغة المقدس أو المهاب”سحرها أخذ من الشمس وهجه ـ رحابة الروح من اليم ـ سومري اللون والأبعاد ـ أرجواني الشفاه..”، ليحسم صورتها النهائية حينما يلحقها بالزمن المنقضي المحفوظ في الذاكرة عبر اعتبارات اختلاقية إلى حد العجائبية والغرائبية”الأساطير”…، ويجعلها في صيغة المغيب”مسحت” لتكون أجمل لغة إذا ما مسحت عن واجهتها صفة الحنين والتفت بالغموض والرهبة والأسرار.

 

الأستاذة غزلان هاشمي

جامعة سوق أهراس

الجزائر

 

خاص بالمثقف: لمناسبة رحيل الشاعر العراقي خزعل المفرجي

علي عبد الكريم
رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين

مؤرقة الشعراء ليلى على قصيدة الشاعر الراحل خزعل المفرجي: ليلى لا تعتبي

Previous article

“شئ من الرؤى المتواضعة لحروف شاعر

Next article

You may also like

Comments

Comments are closed.