الرئيسية / الاخبار / ذاكرة الحقيبة الفارغة

ذاكرة الحقيبة الفارغة

شوقية عروق منصور ///

 

ما أن أخرجوا جثمانه من الغرفة وأبتعد الرجال الذين يشاركون في تشييع الجثمان عن البيت ، حتى صرخت كنته :

– الله يرحمه … يلا بدنا نعزل الغرفة ونرمي اللي مش لازم …!!

وبدأ الأثاث يخرج إلى الساحة التي تكومت في منتصفها بقايا المخدات والفراش وبعض الكراسي القديمة ، وخزانة قد انخلعت أبوابها لكن بقيت متشبثة بوهن بالأطراف التي حضنت المرايا المزخرفة والتي لم يعبث بها الزمن ، فقد بقيت تعكس الوجوه بلمعان مميز ، مما دفع “الكنة ” على أخذ تلك الأبواب ووضعها تحت الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني الذي تسكنه .

تطوعت إحداهن وقالت :

الأفضل حرق كل الفراش حتى تروح الريحة العاطلة .

بعض النساء نظرن إلى بعضهن البعض ، العيون المتواجدة التي كانت قبل لحظات تحاول سحب الدموع ، لم تتحمل هذا التصرف البعيد عن احترام الموقف الحزين ، فكل شيء مازال ساخناً ، وروح الرجل لم تفارق الجدران الرطبة بعد .

” الكنة ” تأتي وتذهب مشغولة بتجميع الأغراض في الساحة ، لم تعد تهمها نظرات الاستنكار التي تطل من العيون ، المهمة التي تقوم بها أهم من سماع عبارات العتاب التي لا تفيد ، ستأخذ الغرفة وتحولها إلى مطبخ عصري .

لم أعرف الرجل الذي مات و” كنته ” التي لم تعد تتحمل رائحته وتتحمل أشياءه الخاصة جيداً ، الذي أعرفه أن احدهم أتصل بي قبل فترة وقال أن العجوز عاش مناضلاً ويملك ذاكرة تعج بالأحداث والحكايات ، وهناك فرصة أن نسمعه ونسجل بعض الحكايات الهامة لنضيفها إلى التقرير الذي سننشره بالمجلة بمناسبة حلول النكبة .

زيارته كانت رغماً عن ابنه و”كنته ” التي صرخت في وجوهنا وقالت عنه هذا عجوز خرفان ، أما أبنه فقال :

– والدي ثرثار والحكي معاه على الفاضي ، خسارة على الوقت ..!! أمي كانت تتحمل خرفوا .. من يوم ما ماتت وزوجتي مش متحملتوا …

عندما جلسنا أمام الرجل المشلول الذي فقد القدرة على المشي ، وأصيبت أيضاً يده اليمنى بالشلل ، نظر الينا نظرة كأنه انتشلها من بئر عميق ، وسألنا :

– شو بدكو تعرفوا …؟! أنا خلص انتهى دوري في الحياة ، اللي علي اعملتوا الدور عليكم … !!

حاولنا أنا ورفيقي فتح أبواب الحديث ، لكن كان يغلقها بهدوء عجوز مجرب ، نزعت أسنانه من شدة التجارب التي مرت عليه .

فجأة تسللت من بين لثته بعض الكلمات ، كأن الصمام الذي يغلق فوهة الحروف قد طار أمام الذكريات المسجونة ، حبيسة الشلل القاهر .

– لما أختاروني المناضلين حتى أشتري البواريد من سوريا ، مشيت ليل نهار ، قطعت جبال وديان .. صاحبي اللي معاي تعب وطلب مني الرجوع ، لكن أنا صممت ، وفعلاً التقينا مع أبو صالح اللي باعنا البواريد وارجعنا … خاطرنا بحياتنا ، البواريد ساعدت المناضلين على الصمود ، لكن بعد ما سلموا البلاد ، واحد من اللي معنا فسد عني وانحبست في السجن سنتين ، وبعدها رموني عالحدود .. عشت في الأردن سنتين .. لم أتحمل الغربة ، تسللت ورجعت ، لكن ما لقيت البيت والبلد ، لجأت للبلدة المجاورة ، قعدت كم شهر لكن فسدوا عني مرة ثانية ومسكوني .. بعد واسطات مع المختار والحكم العسكري قبلوا يخلوني في البلاد .. لكن اخذوا يساوموني على الأرض .. كل يوم يبعثوا مرسال ويطلبوا مني أصفي الأرض ، وكل ما أرفض يهددوني برمي على الحدود .. مرة حطوني بالجيب ورموني عالحدود لكن الأردنيين حمولوا السلاح وهددوني بالقتل ، ظليت أزحف طول الليل وأنا خايف حتى اجت سيارة وشفق صاحبها عليّ ووصلني عالبلد .

تناول حقيبة صغيرة بنية اللون وأخذ يفرش الكواشين أمامنا على السرير .. بعض الأوراق مهترئة وأطرافها ممزقة ومتجعدة ، وبعض السطور قد غابت والحبر قد جف لدرجة الحنين إلى عناق السطور ، والبصمات الموجودة في أسفل الكواشين رحل أصحابها ، ومع الرحيل لم يبق سوى تعرجات تائهة لأشخاص غرقوا في الماضي … وأخذ يصرخ بأعلى صوته :

– اليوم الأراضي فوقها مدينة ، لن أبيع ، هؤلاء الكواشين أصدق من الجميع ، هدول مش ورق ، هدول حق ، مستقبل ، حياة ، هدول تاريخ بحاولو يمحوه ، هدول اللي كان واللي راح يكون ..

شوفي مين أصدق هدول والا البنايات العالية والشوارع والناس والغربا الي اجاوا من بره .. الورق أصدق حتى لو عمرو وزرعو … أنا صاحب الأرض .. !

أخذ يخبط بيده المشلولة على السرير .. والأوراق تتبعثر وتقع على الأرض ، كأنه يريد أن تلتصق الأوراق في الأرض ، خوفاً عليها من الضياع .

تركناه وهو يرتب الأوراق بحنان وأسى ويضعها في الحقيبة البنية ، ولم ينتبه لخروجنا من الغرفة .

المصادفة قادتني اليوم إليه كي أصوره عدة صور مع الكواشين للمجلة التي أعمل بها ، لكن فوجئت بموته ، شعرت أن هذا الموت هو موت لأشياء كثيرة تختفي وتذوب ، كان يجب أن نمسك بهذه اللحظات .

بينما كنت أقلب وجه العجوز في ذاكرتي وهو يصرخ . ..

رأيت “كنته” تضع الحقيبة البنية فوق الكومة المعدة للحريق ، صرخت : فيها أورواق هامة اتركيها … ! نظرت إليّ .. بلا ورق … بلا هم ..ناقصنا ورق بس .. ! الله يرحمه كان مجنون بالورق ، فتحت الحقيبة وأخذت تمزق الكواشين ..

أطل الابن مع بعض الرجال الذين قدموا للبيت بعد الجنازة .. نظر إلى الكومة التي تتوسط الساحة والتي ترتفع كلما أضيف اليها شيء من بقايا والده بارتياح .. رأي الورق يتطاير … لم يكلف نفسه اللحاق بالأوراق .. عيناه على الغرفة التي كسبها بعد موت والده ، انه يحلم أيضاً بمطبخ عصري … !!

 

 

 

 

شوقية عروق منصور

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار