الرئيسية / المكتبة / رائف أفندي.. الرجل العادي صاحب الحكاية المختلفة- وكالة ذي قار

رائف أفندي.. الرجل العادي صاحب الحكاية المختلفة- وكالة ذي قار

طامي السميري

رائف أفندي لم يكن إنسانا مميزاً أو غير اعتيادي، بل كان شخصا عاديا بلا مزية مختلفة، كان مثل مئات الأشخاص الذين لا يلفتون أنظارنا بينما نمشي في الطرقات كل يوم.

هكذا تحدث الراوي عن شخصية رائف أفندي بطل رواية مادونا صاحبة معطف الفرو الصادرة عن دار أثر لمؤلفها الروائي التركي صباح علي وترجمها عن التركية جهاد الأماسي.

رائف أفندي هذا الرجل العادي الذي لا يلفت الانتباه ولا يحمل أي مزية مختلفة، كيف ستكون له حكاية مختلفة؟ كيف لهذا الرجل الذي أصبح في حالة من السلبية المطلقة مع الناس والحياة أن تكون له حكاية مثيرة تشد انتباه القارئ وتسكن ذاكرته.

عندما كان الراوي يسرد الحكاية وهو الموظف الذي أصبح زميلا لرائف أفندي، يشعر القارئ بالضجر من هذا الرجل السلبي، المستكين، الزاهد في الطموح الوظيفي فهو لم يكن يطلب زيادة في راتبه واكتفى بوظيفة المترجم. الزاهد حتى في التواصل مع الآخرين. كان الرجل الذي يمجد الكتمان حتى في الكتب التي يقرؤها، عندما سأله الراوي عن ذلك الكتاب الذي أخرجه من درج المكتب غضب وأجاب متلعثما: لا شيء… رواية ألمانية. لم يكن رائف أفندي في دائرة الوظيفة فقط يتحاشى الناس بل كان يخفي ما يمكن أن يخلق له ميزة بين موظفي الشركة؛ فقد كانت تصرفاته لا تدل على شخص يعرف لغة أخرى(لم يسمع أحد كلمة تخرج من فمه، أو كلمة تدل على معرفته بلغة أجنبية، ولم يرَ أحد صحيفة أو منشورا أجنبيا، لا في يده ولا في جيبه).

الضجر الذي يتسلل للقارئ من شخصية رائف أفندي كان قد تسلل للراوي فهو يقول: بدأت أنا أيضا الضجر من رائف أفندي، واقتنعت بأن هذا الجالس قبالتي معدوم الحركة لدرجة الشك بكونه مخلوقا حيا، اقتنعت بأنه مخلوق ممل عديم المعنى، وكنت أفكر بأن لا شيء يحدث في داخله كالذي يحدث للأشخاص الأخرين، هناك كمية صمت وسكون في داخله تجعله لا يختلف عن أي نوع من النباتات.

كل هذه الأوصاف لشخصية رائف أفندي لم تترك أثرا سلبيا في نفسية الراوي بل زرعت في داخله الفضول لمعرفة لماذا هذا الكائن بهذا السلبية. كان قد حرضه على ذلك الفضول ملامح رائف أفندي (رغم أنه يبدو كبيرا في السن، إلا عندما يبتسم كانت تبدو على وجهه تعابير طفولية بريئة، كانت شواربه الصفراء المحددة من الأسفل تزيد من قوة هذه التعابير)

عندما مرض رائف أفندي اضطر الراوي لأن يذهب بالمعاملات لمنزل رائف. وكانت هذه فرصة لأن يرى تلك الشخصية في منزله بحالة مغايرة وأن يجد شخصية مختلفة. لكن رائف كان هو رائف بذات الحالة الصامتة والمهادنة لكل ضجيج وصخب الحياة. بل إن الراوي صار متعبا من هذه السلبية التي يحترفها رائف في عمله وفي منزله. فرائف وإن كان قادرا على الصمت والسكون وضبط علاقاته في محيط العمل لكن كان في المنزل لم يكن كذلك، فأفراد الأسرة لم يكونوا يقدرون وجوده ولم يكونوا يراعون مشاعره بل وصل الأمر إلى أنهم لم يهتموا بمرضه حتى إن زوجته طلبت منه إحضار الخبز وهو في حالة المرض، كان رائف لا يتذمر ولا يتملل وكأنه بتلك المهادنة يعاقب الأسرة على تلك المعاملة المهينة التي لم تكن تؤثر في قناعاته بأن يظل الرجل الزاهد القابض على سكونه الداخلي وتجنبه لكل ما يدخله في خصام مع أي كائن في هذه الحياة، والمفارقة أن سلوك رائف كأبٍ للأسرة لم ينعكس على أفراد المنزل بل كانوا شخصيات مغايرة تحب التباهي والتكلف واحتقار الآخرين والخوض في شؤونهم. وهذا الأمر طبيعي؛ لأن رائف لم يكن تلك الشخصية المؤثرة التي تصنع نموذجا يؤثر بها في أفراد أسرته وأقربائه .

الراوي الذي اقترب من رائف بدافع الفضول وجد فيه النموذج المختلف وغابت عنه تلك الأسباب التي حرضته على معرفته والاقتراب، أصبح يحمل لرائف الأعجاب ويرى في عيشته الساكنة الهادئة نموذجا مختلفا لمجابهة الحياة، بل ويجد فيه الرفيق المثالي حتى إن الحميمية البسيطة التي كان يجود بها رائف وحتى صمته عندما كان يرافقه في المشي ألهمت الراوي بالمعنى الذي وصل إليه الشعراء في الرفقة: بأنهم وفي مقابل جمال الطبيعة، دائما يبحثون عن شخص يرافقهم من دون أن يتكلم.

عندما اشتد المرض على رائف أفندي وشعر بدنو أجله استنكر ذلك الاهتمام الطارئ من أفراد أسرته وخوفهم على صحته ليقول للراوي: أنا لا شيء بالنسبة لهم، لست ولم أكن، عشنا مع بعضنا في نفس المنزل سنوات طويلة، لم يخطر ببالهم أن يفكروا من هذا الرجل، والآن يفزعون من احتمال ذهابه.

كان يعرف رائف أن ذلك الاهتمام بصحته لم يكن بسبب المحبة لشخصه بل خوفا من أن يفقدوا الرجل الذي يتكفل بمصاريف المنزل والذي يوفر لهم احتياجاتهم.

هل كان رائف فعل ما يشبه الانتحار؟ ربما ذلك. فهو كان يعرف مرضه وأن الطقس البارد يؤثر على صحته لكنه كان يخرج كل ليلة ويمشي لمسافات طويلة. وكأنه يريد أن ينتهي بالطريقة التي انتهت بها مادونا عندما أصيبت بنزلة برد تسببت في وفاتها، وعندما علم الراوي بأن رائف يخرج كل ليلة ويمشي وحيدا ذهب إلى ذات المكان وأخذ يقلده ويمشي، لكنه طرح على نفسه تساؤلا: ظننت بأني استطيع أن أرى رائف أفندي وأفهم ما يدور في رأسه هنا بشكل أفضل. لكن أن أعيش في نفس المكان الذي عاش فيه لا يعني أن أعيش ما عاشه.

عندما شعر الراوي أن رائف اقتربت لحظة مفارقته للحياة ترجاه بأن يسمح له بالاطلاع على ذلك الدفتر الأسود لليلة واحدة فقط، ذلك الدفتر المخبأ في درج المكتب كان قد طلبه رائف مع بعض الأشياء البسيطة التي كانت محبوسة في ذلك الدرج، وكان يرغب في حرقه؛ ليطمس كل ما دونه عن حياته. فقد احتفظ بالدفتر في مكتبه بعيدا عن المنزل، وعندما يتم حرقه تصبح حكايته مجهولة للجميع، لكنه عندما رأى إصرار الراوي على ذلك الدفتر سمح له وكأنه يكافئه على تلك الرفقة التي حدثت بينهما في الأيام الأخيرة.

في الدفتر الأسود تبدأ الحكاية في الرواية بصوت رائف أفندي فهل اختلف ذلك الصوت؟ وهل سنجد صورة لرائف أفندي تختلف عما كان يرويه الراوي. لا شيء يحدث من ذلك. فالصوت استمر بتلك البساطة وأما عن رائف فإننا لا نجد شخصية مختلفة بل إن الراوي وكأنه جعل القارئ يتهيأ لما سيسرده رائف أفندي عن نفسه لذا اقتربت الصورة من شخصية رائف الإنسان والعاشق.

عندما نقرأ الدفتر الأسود يتجلى لنا صوت رائف أفندي، عندها ندرك سر هذا الرجل السلبي الذي فقد كل معطيات الحميمية مع الناس ومع الحياة. لكن نلمس المفارقة في أن الرجل الذي دوّن هذا الدفتر هو رجل يكره الكتابة. فهو يعتقد أن الكتابة تفضح مكنونات الذات وتعريها. لذا لجأ إلى الرسم لكنه أيضا اكتشف أن الرسم أيضا يعري الذات فهجر الكتابة والرسم ولم يعد لهما إلا عندما رغب أن يفضي سره للدفتر الأسود فيبوح بالكتابة لذاته عن ذاته وأيضا عاد للرسم ليرسم زملاءه الموظفين في هيئة ساخرة تعوضه عن العلاقة الباهتة التي تجمعه معهم.

منذ طفولة رائف افندي وتكوينه النفسي ينحاز إلى الوحدة والصمت والخيالات. هكذا وجد نفسه. لم يكن هناك قساوة في الحياة ولا عنف أسري تسببت في تشكل شخصية رائف افندي بهذه الصورة السلبية. حتى ان والدته وأباه كانا يقولان: يا إلهي! كان المفترض أن تكون أنثى ولكن حصل خطأ ما. وحتى مادونا قالت له: أنت فيك شيء من الأنوثة. وقالت له أيضا: أووه أنت خجول كفتاة صغيرة.

اثار الحرب العالمية لم تكن هي السبب في وحدة رائف أفندي. فعندما كان شابا وجد ان ابطال الحرب الذين يموتون ليسوا ابطالا، لم تغره تلك الامجاد. لذا لجأ الى القراءة وصار مرتهنا لما يقرأ. كان يجد في القراءة ما لم يجده في الحياة وخلق صداقاته مع ابطال تلك الروايات. وقراءة الروايات كانت الخيار المناسب لشخصية مثل شخصية رائف أفندي.

عندما سافر إلى ألمانيا لم يفرح لأنه سوف يتعلم مهنة جديدة أو حتى يكتسب معرفة في الحياة. كان فرحه أن سيجد عالما آخر ينغمس فيه بطريقته. رائف لم يكن جادا مع الحياة. وعندما عاش هناك عاش وحيدا كما كان في تركيا.

كان رائف افندي سيمضي في حياته وهو على قطيعة مع كل تفاصيل الحياة. حتى ظهرت مادونا وهذه المرأة لم يجدها في الواقع ولكن وجدها فيما يشبه الخيال كرسمة في احدى اللوحات التشكيلية. وهذا ما جعله يفتتن بها. ويدمن الذهاب إلى معرض اللوحات التشكيلية. رائف كان يخاف النساء ويخاف الاقتراب منهن حتى ان يقول انه لم ينظر إلى عين امرأة حتى عين أمه. لكن مادونا التي شغف بها وهي على شكل رسمة منحته تلك المسافة التي لا تسبب له الذعر مع المرأة. فهو عندما شاهدها قال: إنها مزيج من نساء خيالاته. لكن تلك المرأة التي كانت ترى تردده على المعرض وتلحظ شغفه بتلك الرسمة. تتحدث معه وتسأله عن سر شغفه بتلك اللوحة ليجبيها رائف بكذبة الخجولين إنها تشبه أمه. وهذه الكذبة تقوده إلى حديث مطول ومتكرر مع تلك المرأة التي لم ينظر لها ولم يعرف أنها هي من رسمت تلك اللوحة ولا يتأمل ملامحها حتى ليدرك انها تشبه ملامح المرأة التي في تلك الصورة.

رائف أفندي اصبح عاشقا. ولكن هذا العاشق الخجول كيف سيدير حكايته العاطفية مع تلك المرأة. وكيف سيكون الرجل الذي يستحوذ على امرأة فاتنة ومرغوبة. كان رائف افندي العاشق محظوظا بصفاته السلبية فمادونا وجدت في وحدته وخجله وتردده وحتى صمته الرجل المناسب ليس للحب ولكن للرفقة الطيبة. لم يكن رائف مجادلا ولا معترضا على شخصية مادونا ولا على طقوسها ونزقها ورؤيتها لعالم الرجل. حتى ديانتها اليهودية لم تكن حاجزا بينه وبينها ولم يكن يرى ذلك أشياء مهمة حتى يتوقف عند ذلك الأمر.

كانت طاعته وتفهمه لشخصية مادونا سببا في ان تراه الرجل الجذاب. كانت وهي المرأة التي تتحدث بكل بوضوح يشابه وضوح الرجال تجد في تلك الليونة التي تسكن في قلب وطباع رائف أفندي عاملا محرضا أن تأنس برفقته.

كانت تلك العلاقة ستمضي في ذلك الطريق حتى حضرت ملابسات ليلة عيد الميلاد وخروج مادونا في البرد الشديد لتصاب بالمرض ليرافقها رائف إلى منزلها ثم تحدث الحميمية الاستثنائية في تلك الليلة. وبعد ذلك يعود رائف افندي إلى موطنه في تركيا بسبب وفاة والده ولم تكن الوفاة هي سبب العودة ولكن لأنه وجد نفسه غير قادر على تكلفة الإقامة في ألمانيا.

بعد عودته وجد رائف ان أخوته اقتسموا الميراث ومنحوه الحصة السيئة من الأرض ولم يعترض. وعندما وجد نفسه وحيدا اضطر إلى أن يتزوج وينجب الأطفال لكي يعتقد الآخرون انه الرجل الصالح للحياة وللزواج. مضت به الحياة وهو يشعر بأنه اكتفى منها. فتلك الشهور القليلة التي عاشها برفقة مادونا ملأت حياته وخيالاته. وعندما تصادف مع جارته التي كانت تسكن بجواره وعرف موت مادونا وعرف ايضا ان تلك الطفلة الصغيرة التي ترافقها هي ابنته لم يكن حريصا على اللحاق بابنته. فهو وصل الى حد العجز في الدفاع او الاصرار على مكتسباته وكأنه لا يريد من الدنيا الا تلك المرأة التي فتن بها في اللوحة وشغف بها في الحياة. كان يدرك انه وصل إلى حد التمازج مع نقائصه وزهده في الحياة. لذا لم يكن يتذمر ولا يعترض ولا حتى يحتج. وعندما زاد عليه المرض فكر ان تكون نهايته شبيهة بنهاية مادونا التي تعرضت للبرد وماتت بسبب ذلك المرض. فقام رائف أفندي بما يشبه الانتحار. واصبح يكذب على أهله ويدعي انه ذاهب إلى المقهى ولكنه يمشي في كل ليلة في الطقس البارد جدا. لكي يزيد ألمه ويقترب من النهاية. ويموت بطريقة مشابهة لوفاة مادونا.

إن رواية مادونا صاحبة معطف الفرو من الروايات التي كتبت بإحساس دافئ من مؤلفها التركي صياح الدين علي وقدم قصة حب يتعاطف معها القارئ وينجذب لها وهي ليست مجرد قصة عاطفية فقط ولكنها فلسفة إنسان تجمل في الحياة وتصالح مع ضعفه وزهده وتعففه عن مباهج الحياة لكي ينعم برفقة امرأة منحت قلبه وذاكرته الدفء الأبدي. فمادونا في الرواية كانت بمثابة الظلال لشخصية رائف. ولم يكن السارد يريد أن يقدم لنا امرأة مختلفة بقدر ما كان يريد أن يقدم لنا كيف للإنسان الضعيف عندما يصبح عاشقا وكيف لهذه العاطفة بأن تمنحه القوة والسعادة وربما الاكتفاء عن كل شيء.

جريدة الرياض: 23 يوليو 2015م – العدد 17195


المصدر

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار