الرئيسية / الاخبار / شَـرِيـطَــةٌ حَمْـــرَاءُ

شَـرِيـطَــةٌ حَمْـــرَاءُ

دينا نبيل ///

الماء الدافئ يُمطرني ، يتخلل الغوائر من جسدي .. في المغطس أنزل ، وفي الماء أغوص ، حتى أنفي .. أغوص ، البخار يتصاعد ، أبحث عن ثغرة أتنفس منها .. أصابعي تذوب يأكلها الماء ، حثيثًا تفر منها الدماء .. تَبْيضّ عدا أعطاب ، أطرافي تطفو ، تنفصل عن جسدي المتهرئ .. رويدًا ، رويدًا ، يسبح كلّ منها في اتجاه ، تتشبث بجوانب المغطس .. تشهق .. وتصعد !

تناولَتْ المناديل تتتبع بقايا مساحيق التجميل العالقة بوجهها ، تمسح بكفها بخارًا وقطراتِ ماءٍ علتِ المرآة .. المرآة تنتح من جديد ، بدت صورتُها متعرجة ، تشقها مجارٍ رفيعة .. مترددة تتوقف حينًا وتجري أحيانًا ، تسيل وتقطر .. ” لم تكن أنت السبب ، أيها الــــ … عزيــــز !! “

لم يكن أنت حينما حملني الرواق الطويل يتموّج من تحت قدمي .. يتقاذفني جانباه ، وأنا أستنجد بأهل بيتي كي يدركني أحدهم ، ربما جاء طبيبٌ أو أُخذتْ مني عينةٌ إلى معملٍ .. وبعدها ، اكتشفتك بداخلي ، لم أحزن ! .. ربما أنا حزينة لأنك لست أنت وحدك الآن بداخلي .. لم أتوقع أنني أحمل توأمًا لك ؛ بينما تتوغل فيّ أنت وتحتل خلاياي ، كان هو مستكينًا يتأملُني على مهلٍ ؛ كيف منذ ذلك الحين .. واللون الأبيض يلاحقني في كل شيء .. الناس ، الأَسِرّة والحوائط .. حتى الفراغ صار أبيض .. يقهر ألواني وجسدي ، أردتُ استفزازَه بشعرٍ مستعارٍ أسودَ رغم استهجان زوجي لمظهره ، وتحاشيه النظر إليّ عند ارتدائي إياه ، فما تكون إجابتي ساعتها سوى “.. أريد أن أتشبث بما بقي لي من أنثى !”

ربما كانت أنثى ، الآن هي تزحف في أركان مملكتها النائية ، تلملم صورًا متوارية خلف قضبان متآكلة ، لتعارك بها زوايا استبدت بواجهتها الجديدة ، تصرّ أن تحشرها بينها والمرآة .. يُقسّمها الإطارُ نصفين ثانيهما مبتور ، لتفزع إلى الستائر تسدلها ، والنور تطفئه .. إلا أنّ فرعًا منها يشدّها ، فتفتح نوافذها من أجل ” زهرة ” ذات سنوات تسع لا تملك سواها .. تجلس إلى جوارها تتابعها بعينين غائرتين ، تشتم عبيرها الطفولي ، فتلّون عالمها الأمهق ، وتحيلها عروسًا تنساب مراقصة إياها .

 

— ” زهــرة .. هل عدتِ ؟ “

تعالَي ! .. كم أودّ لو أعيدكِ إلى بيتكِ الأول ، حينما كنّا شيئًا واحدًا .. خاصًا جدًا !، أتسمّع إلى نبضكِ كي أتيقن أنّ ثمّة حياةٍ بداخلي ، تمصين دمائي ، تهدجين أنفاسي ، وأنتظر لحظة أرى فيها ذلك المخلوق الصغير الذي يسلُبني وأحبّه ! .. وها أنا أُلتَهم مجددًا من كائنٍ ضبابي يغورُ في أوصالي .. ولا أراه إلا حينما أنظرُ في المرآة !

 

— ” ( ماما ) .. غيّري لي ملابسي ! “

لمَ ؟! .. مُربيتها دومًا تفعل هذا ، فلمَ اليوم تطلب منها ! .. مضطربة هرعت تغسل يديها بالماء الساخن حتى كادت تنفجر منها الدماء ، رائحة المعقم النفاذة أذهبت رائحة الرأس الطفولي . بأطراف أصابعها تحلّ شريطة حمراء معقودة حول ذيل حصان بني حريري .. تتعرق يداها ، فتبادرهما بالمحارم الورقية .

ارفعي رأسك قليلا ، دعيني أمشط شعرك .. وأشبك لكِ هذه الزهرة ! .. أين الطرحة ؟! .. لقد تجعّدت ، ستأخذها الخادمة للكي .. قلت لكِ ارفعي رأسكِ ، لم تجفّ زينتُكِ بعد ، أتريدين تلطيخَ فستانكِ الأبيض ! .. خذي ، ضعي شريطكِ الأحمر حول خصركِ .. إنــه لـــه ! .. لا تقلقي زهرتي ، كلُ شيءٍ سيكون على ما يرام .. ستعجبينه !

” زهرة ” .. لن أتركَكِ ! ، ستعيشين معي ، وبناتي في نفس عمركِ الوردي .. ستذهبين معهن إلى مدرسة جديدة قريبة من بيتكِ الجديد ، سأرعاكِ مثلما كنتُ أفعلُ دومًا .. هيا بنا الآن ! .. ضعي هذه الأزهار على .. قبر ( ماما ) !

— ” ( ماما .. ماما ) .. لا أرى .. أختنق !! “

— ” سيدتي ، ما الأمر ؟! .. دعيها .. أنا سأُلبسها ملابسها وأحضّر لها العشاء .. ! “

ما أعتم انطفاء قمرين صغيرين نُكِّسَا تحت جفون رقيقة ! .. أكتهَلُ من ارتعاشة ذقنكِ الناعم وأنتِ تعضين شفتكِ السفلى لتحبسي دمعةً تأبى إلا الانعتاق .. تزعقُ في خرس ، تمزق كياني ، وتُذريني في سمائي المربدة باحثةً عن بصيص شعاع شتيت .. ما جدوى أن تكوني ابنة لأم تخشى كفكفة دمع صغيرتها ؟! .. أُم تكهّفها الضنى فغدت مرتعًا لشبح يرعى !

الشريطة الحمراء في يدها، تدُسُّها في دُرج ملابسها الداخلية .. تلفّها حول ورقة كجذع شجرة منكمش ..

ونحو السرير توجهت ، وتحت غطائه الوثير تغوص .. كلها تغوص ، تنتشر أطرافها الذاوية وتزحف في الدفء .. لتمتد بعد دقائق يدٌ كثيرًا ما أبعدها جدارُ الصدّ مؤخرًا ، تبحثُ عن أنثاها في ثنايا الفراش ، والآن عزمتْ على تمزيقِ الجدار والنزول على ستره الغريب هتكًا وتقطيعًا ، ليرى ما الذي جَدّ ! .. هو يدري بالأمر .. والكل يدري ، لكن لمَ التمنّع وهي تستطيع ؟! .. حتما هي تعلم أنها تستطيع !

انتفضت مسرعة تسترُ نفسها أمام نظراته المذهولة .. تفتحُ الدرج وتخرج جذع الشجرة ، تحلّ منه شريطة ” زهرة ” الحمراء ، وتدفع إليه بيدٍ مرتعشة ورقةً تعلوها (شريطة حمراء) ..

— ” أنا عندي الإيدز !! … “.

________

*الشريطة الحمراء: هي الرمز الدولي للتضامن مع مرضى الإيدز ، وهي توحى بالأمل ومحاربة هذا المرض وعدم الاستسلام له ؛ لذا فتظهر هذه العلامة في أوراق التحاليل وكل التقارير الصادرة من مراكز علاج مرض الإيدز.

 

 

 

 

 

دينا نبيل

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار