الرئيسية / الاخبار / عصر الغرور العلمي (الزمكان)

عصر الغرور العلمي (الزمكان)

عصر الغرور العلمي (الزمكان)

علي اسماعيل حمة الجاف

مر عشرون يوماً على زواجهما، وهم يشعرون بسعادة لاتوصف متمنين ان تطول فترة بقائهما … ولكن في صباح اليوم التالي نهض “الزوجين” مبكرين. فلم يكن احداً منهم يرغب بالبقاء طويلاً في السرير. “الان أذهب ومرن هذين الكلبين والآ سأضربك ضربة أخرى أجعلك تشاهد فيها نجوم الصباح، بهذه اللهجة تحدث “الزوج”. كانت بدينة وضاحكة الوجه وعيناها تلمعان فرحاً. بهذه الكلمات يحاول “الزوج” مغازلة شريكة حياته التي لايتوقف لسانه عن ذكرها. قالت الزوجة: “لن ندخل في مغامرة جديدة، فلا أريد هذه العطلة ان تقضي بمغامرة أخرى”. فأجاب “الزوج” مستغرباً: “بالطبع هذه ليست مغامرة، ليس معنى ألتقائنا أننا في مغامرة!” لعبوا كثيراً ثم أستلقوا على السرير ذات اللون الوردي وعليه غطاء خفيف جداً يميل لونه الى الأحمر الفاتح. ولذلك ليست المسألة مهمة لدينا، اما أنتم فأكيد متعلمون، وحتى “الطفلة الصغيرة” مؤكداً أنها تستطيع ان تقرأ كتاباً. أقتربت “الام” مستغربةً: “لماذا تبكي؟!” أقتربت أكثر بخطوات تشوبها الحيرة والقلق من “أبنها”، وفجأةً شاهدت “أبنها” و “بنت الجيران” مستلقين على الحشائش تحت أحدى الأشجار … فصرخت الام قائلةً: “ماذا تفعلون في مثل هذا الوقت هنا ياشباب!!” أجاب “الأبن” قائلاً: “تعلمني القراءة والكتابة، وكيف يكون … !” أبتسمت “الام” لجواب “أبنها”. وقالت “الام”: “انت كلب جيد، وقد حرست الأولاد بشكل ممتاز، وتعرف يا “شوشو” بأنني كنت سأطلق صافرة في حال حاجتي لك، أليس كذلك؟ لكنك تبعتني بدون علمي! اما “الزوج” فقال: “سأعد طعام العشاء، اذا نكاد نموت جوعاً … وراحوا يأكلون بشغف. قالت “الام” موجهةً الحديث “لبنت الجيران”، نحن مسرورين لأن والدك سمح لك بالبقاء معنا هذه الليلة، ترى كيف غير رأيه بهذا الشكل؟ أنه معروف بصلابة الرأي وصعوبة الأقناع. ستكون ليلة سعيدة “لأبنينا”، وقد جهزت لكما الغرفة بدل الذهاب الى الحشائش وتحت الأشجار!! فرح “الأبن” مردداً: “سنكون لوحدنا …، أليس كذلك؟ ” وصاروا يتحدثون حول الموضوع بشغف ولهفة … وكان “الأب” في حيرة من أمره، وبدأ يفكر جدياً بتغير مكان بيته، ولكنه عندما طرح هذه الفكرة قابلتها “الام” برفض قاطع وردت عليه بصوت عالي: “أنني مسرورة بوجود زميلة لأبني وكونها تملك “أباً” متفهماً. راحت “الزوجة” تصف جارها: أنه طويل القامة، أسمر الوجه، عيناه متسعتان ولديه شارب أسود قاتم وشعره أشعث ويداه مملوئتان وقويتان بحيث يمكنها تحطيم الحجر … أنه حقاً يشبه المصارع! ألزم “الأب” الصمت وهمس قائلاً: “لا أدري ماذا يجري هذه الأيام، أغلب النساء بحاجة الى تعليم ولايدركن معنى المسؤولية وأحترام الزوج، وربما أنها حلمت البارحة وأرادت ان تبوح بحلمها لي … لأدعها تقول ما تشاء!” وبقى الصغار يضجون بالضحك، وقام أحدهم بتقليد الأصوات والقيام بحركات بهلوانية، وقد تعجب “الأبوين” لهذا المنظر الغريب وما كانوا يملكون تعليقاً سوى الأنخراط في نوم عميق قائلين “للصغار” طاب يومكم بسلام. واخيراً توقف “الأولاد” عن تناول الطعام ونهضوا ليرحلوا الى الطابق الثاني من المنزل، وقالت “الام”: “لقد تمتعت بالوقت معكم الى حد نسيت الوقت، أتمنى لكم يوماً سعيدأ وشكراً لسعة صدركم”. أجابت “بنت الجيران”: “أنني حقاً فرحة جداً، وأمي ليست في المنزل لأن وألدها مريض، وطلب وألدي مني ان أدرس وألعب معكم لأنه ينتظر ضيف عزيز عليه جداً … سيصل الساعة العاشرة ليلاً!” لم تتكلم “الام” بكلمة ونظرت الى زوجها وقالت: “سأذهب الى غرفتي.” حرك كلام “بنت الجيران” مشاعر “الام” وكانت متلهفة لتستمع لما ستقوله؛ ولكنها توقفت عن الكلام كون “الأب” كان واقفاً بالقرب منها … سألت “الام” قائلة: “هل لدينا ما يكفينا من الطعام للعشاء والفطور؟” أجابها “الأب”: “سوف ألقي نظرة، فتح الخزانة الى جواره وقال: “لدينا بيض ولحم محفوظ والكثير من الخبز وكعكة وطماطم وزبد ايضاً. أذن ليست هناك حاجة لشراء الطعام هذه الليلة”. وعندما حل الظلام في تلك الليلة، كانت السحب تغطي السماء بحيث ان النجوم والقمر أختفوا كلياً، أخذ “الأب” ينظر الى الخارج من خلف شباك “البيت”، ولكنه لم يتمكن من رؤوية أي شيء. سحب الغطاء وأغمض عينيه. فركت “الام” عينيها ووضعت منبها قرب رأسها، وهمست: “ما الأمر يا “فارس الأحلام”؟” ثم راحت تنصت وتقول: “متى يرن جهاز النقال؟ ان صبري نفذ!” ثم سمعت عود ثقاب يشتعل وبنوره رأت رجلاً يوقد سيجارته وهو يغني: “متى سنلتقي … متى يحل الليل … ليتني أعرف أين هي الأن وبماذا تفكر؟” طرقت هذه العبارات باب قلب “الام” ووقعت كالزلزال على مسمع “الأب”، وكل منهما كان عصبياً ومتحيراً … “فالام” تريد منه ان لايعرف أحد بقصتها، و “الأب” يترقب كالذئب لصيد الفريسة … وصارت “الام” تتقلب على الفراش كي تحدث أصواتاً … ، اما “الجار” فقال بهدوء وحزم شديدين: “أنه المطر يسقط بغزارة، لاتخافوا!” وفي صباح اليوم التالي، جلس “الأب” على المائدة ماعدا “الام”، فسأل “الأب” أبنه عنها، فأجاب: “لاأدري! لكن كانت البارحة ليلة سعيدة جداً بحيث فهمت الدرس بصورة جيدة، وسيكون هناك لقاءات عديدة في المستقبل”. وبعدها خرج “الأب” تاركاً خلفه مجموعة من الوصايا الى “الام”. وفي طريقه الى الفندق، ألتقى بوالدة “بنت الجيران” وكانت مرتكبة وحائرة لأنها لاتعرف كيف تصل الى الباب كونها سرقت حقيبتها في السوق، فعرض “الأب” عليها قضاء الليلة في فندقه المسمى “اللقاء المنتظر”، قائلة: “منذ عدة سنين وانا أحلم بالمجيء الى فندقكم “اللقاء المنتظر” أنه حقاً رائع ويوجد فيه ما تشتهيه الأنفس … أنك رجل طيب ولطيف ولن أنسى لك هذا الجميل. ان والدي بصحة سيئة وأحتاج الى بعض الأموال لأجري له عملية في قلبه كونه يعاني من تصلب شراين، ولاأدري هل ستعطيني المبلغ في صباح اليوم القادم، لأنني حقاً أريد قضاء الليلة هنا!” فرح “الأب” لما سمعه، ورد قائلاً: “بكل تأكيد ان الله قد أوصى بالجار وأنت نعم الجار”. فرحت لما سمعته وشعرت بأن حلمها الطويل قد تحقق بهذا اللقاء. وفي صباح اليوم التالي، تحديداً اليوم الخامس من شهر تشرين الثاني، أرسل “الأب” خادمه وحارسه الشخصي المدعوا “صياد الغزلان”، وطلب من والدة “بنت الجيران” ان تترك المكان كونها لم تدفع أجور الفندق، فنفجرت بالبكاء وحزنت حزناً عميقاً … وعند عوته الى البيت ثملاً، وجد “أبنه” جالساً على الكرسي يشاهد التلفاز، فسأله عن “أمه”، فأجاب “الأبن”: “أنها عند بيت الجيران منذ ثلاثة أيام بجوار جارتنا والدة “زميلتي” كونها تعاني من مرض عضال ألم بها فجاءةً، فرد “الأب” بصوت منخفض: “حسناً ياولدي”. فذهب “الأب” الى غرفته وأنكب على فراشه كالحيوان. وبعد ان أصبح “الأبن المتعلم” رجلاً، سأل “والده المثقف” الأتي: “لقد أثيرت منذ أيام “ديكارت” في القرن السابع عشر مشكلة فلسفية كبرى هي: مشكلة الفرد والبدن، أو بعبارة أخرى مشكلة التفاعل بين القوى النفسية والقوى المادية”. فأجاب “الأب المثقف”: “أن مما لاريب فيه ان الفكر يؤثر في البدن، والبدن يؤثر في الفكر. فلا يكاد الانسان يخجل من شيء حتى تحمر وجنتاه، ولا يتيأس لحادث حتى يمرض أو يظهر الضعف والشحوب عليه. ولقد نوم أحد الأشخاص تنويماً مغناطيسياً ثم أخبر أثناء التنويم كذلك بأن جمرة ملتهبة قد وضعت على يده فظهرت أثار الأحتراق والتقيح على جلدة يده كان ناراً حقيقية قد مستها”. ويقول “جود”، رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن في هذا الصدد ما يلي: “أن البدن قطعة من المادة، وهذا لذا يملك خصائص المادة من ثقل وكتلة ومادة وشكل وحجم وغير ذلك، وهو يخضع لقوانين الفيزياء. اما فنحن نتصوره مختلفاً، فنحن نقول عنه أنه غير مادي؛ ومعنى هذا أنه ليس له ثقل ولا كتلة وحجم، أنه لايشغل حيزاً ولا يخضع لقوانين الفيزياء. فأذا كان الفكر والمادة مختلفين هذا الأختلاف بحيث ليس لهما صفة واحدة مشتركة، فكيف يؤثر أحدهما على الأخر أذن؟ وكيف يحدث التفاعل بينهما فعلاً؟” وبعد ان لاحظ “الأبن المتعلم” ان “أبيه المثقف” يجيب على أسئلته بسعة صدر، فقرر الخوض بموضوع أخر معه، فسأله: “ما هي autohypnotism” “؟” أجاب “الأب المثقف”، هل تقصد “التنويم الذاتي”. “نعم” فكان جواب “الأب المثقف” بأسهاب: “يحلل العلماء فوارق المتصوفة والهنود بأنها نوع من التنويم الذاتي “autohypnotism”. فالمتصوف ينوم نفسه قبل ان يقوم بتلك الخوارق. والهنود يختلفون في الطريقة التي ينومون بها أنفسهم رياضيات نفسية معقدة وطويلة الأمد يصلوا أخيراً مرحلة القدرة على القيام بالخوارق. ان التنويم المغناطيسي، يؤدي الى أخماد قوى الظاهر وجعل العقل الباطن فريداً في الميدان. ان اللاشعور لايعرف التميز بين الحق والباطل أو بين الصواب والخطأ. ان هذا من شأن العقل الظاهر ان يعرفه. فالعقل الباطن: هو عقل اليقين والعقيدة، بينما العقل الظاهر: هو عقل الشك والبحث والتفلسف. فخوارق اللاشعور أذن لاتدل على صحة العقيدة بقدر ما تدل على صحتها في النفس. والواقع ان المنكر كالشخص الذي حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء. والباحث الحقيقي هو الذي يقول في مثل هذه الأمور: لاأعلم. ويحكى ان أحد الفلاسفة العظام سئل عند موته: ماذا تعلمت؟ فأجاب ان خير ما تعلمته في حياتي هو أني لاأعلم شيئاً. وأنه ليؤسفني حقاً ان أرى الدول النامية خالية تقريباً من الكتب والأبحاث العلمية الحيوية …” “وما هو العقل البشري؟” أيها المثقف. فأجاب بحزن عميق: “أننا يمكن تشبيه العقل البشري بجبل الجليد الطافي في البحار القطبية يظهر منه ألا جزء صغير فوق سطح الماء أما الجزء الأكبر فقد أنغمس في الماء لايرى منه شيئاً. ان أغلب حركات الأنسان وسكناته يسيرها ذلك الجزء المنغمس في العقل. وليس العقل الظاهر أذن ألا أخدوعة، الغرض منها التضليل والتمويه ووضع الطلاء والزغرفة على حقائق الأشياء. وأصحابنا يشبهون أولئك الذين رأوا لأول مرة في حياتهم طائرة تهبط قرب أكواخهم فنظروا منذهلين الى ساعدي الطيار، وأخذوا يتسألون في دهشة بالغة، كيف أستطاع هذان الساعدان الضعيفان ان يرفعا مركبة في الهواء! أنهم يتخيلون ان الطيار يرفع الطائرة بقوة ساعديه كما يرفع أحدهم ثقلاً في الهواء وقد عقلوا أذن عما أختفى في باطن الطائرة من محركات والآلآت متنوعة. وأستمر “الأب المثقف” في سرده: لقد كان علماء القرن التاسع عشر والعشرون في غاية السذاجة والغرور عندما فسروا الكون كله بما فهموا في ذلك الحين من ظواهر المادة والحركة، وغفلوا عما فيه من خفايا موجبة هائلة تملأ أرجاء الفضاء. ولقد ظهر “بوخنر” في كتابه “القوة والمادة” الذي أعتبر الأنجيل، وفي عام 1896 جاء هنري بكريل ب “الأشعاع”، وكذلك ظهور نظرية “الجوهر الفرد”، وهرتز “الأمواج اللاساكية”، ورونتجن “الأشعة السينية”، ومدام كوري “الراديوم”، وميلكان “الأمواج الكونية”، وماكسيل “طبيعة الضوء الكهربائية”. لقد قالوا في ذلك القرن بأن المادة هي الأصل في الكون، ولم تكن الأمواج في نظرهم أنذاك ألا عرضاً بسيطاً لا أهمية له. أما اليوم فقد أنقلب الأمر راساً على عقب حيث أصبحت الأمواج هي الأصل بينما أصبحت المادة تعتبر عرضاً أو وهماً. وقد ضعفت الثقة أذن من كفاية الحس البشري الذي لايطلع الأنسان ألا على سبعة سلالم من الأمواج فقط، أذ التي يصل عددها مئات الملايين”. أندهش “الأبن المتعلم” لما سمعه، وطلب ان يعرف من هو “أنيشتان”؟ أبتسم “الأب المثقف”، ورد عليه سأخبرك الكثير عند حلول الليل. وفعلاً أجاب على سؤاله قائلاً: “جاء “أنيشتان” اخيراً فنسف نظرية الأثير من أصلها. فهو يقول: أنه لاحاجة لنا ان نفترض فكرة الأثير في سبيل ان نفهم كيف تسير الأمواج الضوئية وغيرها في فراغ. ان الفراغ نفسه قد أمسى في عرف “أنيشتان” شيئاً له كيانه وصفاته الخاصة به. فهذا الفراغ شيء حقيقي له وجوده الذاتي وفيه أربعة أبعاد: الطول، العرض، الأرتفاع والزمان وقد سماه “أنيشتان” بالزمكان. نحن الأن، على أي حال، نشهد أنقلابين هائلين في تاريخ الفكر البشري: أحدهما أكتشاف القوى الذرية، والأخر أكتشاف القوى النفسية. والنظام السياسي له أثره في حياة الأنسان، فلا نكران في ان النظام المتفسخ من الناحية السياسية والأقتصادية كثيراً ما يميت المواهب ويمنع الفرد من أستثمار قواه النفسية أستثماراً صحيحاً. وعلى كل حال فأننا ينبغي ان لانكون متعصبين لمكتشفات القرن العشرين كما تعصب أصحابنا أولئك لمكتشفات القرن التاسع عشر. فالتعصب بجميع أنواعه يسد باب البحث ويخلق الذهن على ناحية واحدة حيث لايمكن معها دراسة النواحي الأخرى. ان من المحتمل جداً ان يكتشف العلماء في القرن الحادي والعشرون حقائق علمية تجعلهم يغيرون من آرائهم الحالية بحيث يأخذون بالأستهزاء والسخرية مما نحن اليوم عليه من فلسفة معينة أو نظرة خاصة الى الكون. فالأنسان بهذا المعنى يشابه الحصان الذي يجر العربات حيث قد وقع على عينيه أطار لكي يتوجه ببصره الى الأمام فلا يرتبك أو يسقط في سيره”. لقد فهمت يا “والدي المثقف”؛ ولكن ثمة موضوع يشغل بالي منذ ان قرأت كتاب “السحرة الثلاثة المشهورين في العالم”. أن مضمون الكتاب يتحدث عن السحر وكيف يصبح الشخص ساحراً. أجاب “الأب المثقف” بلغة غريبة قائلاً: انت يجب ان تعرف الفرق بين “المتعلم” و “المثقف” قبل السحر! “وهنا ينبغي ان تميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الأيطار الفكري الذي أعتاد عليه منذ صغره، فهو لم يزدد من العلم ألا ما زاد في تعصبه وضيق في مجال نظره. هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرضه على الكفاح في سبيله. أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وبأستعداده لتلقي كل فكرة جديدة والتأمل فيها ولتملي وجه الصواب فيها. ومما يؤسف له ان المثقفين بيننا قليلون والمتعلمين كثيرون. وهذا هو السبب الذي جعل أحدهم لايتحمل رأياً مخالفاً لرأيه”. “هل فهمت ما قلته يا “ولدي المتعلم”، وقال “الأب المثقف”. والأن سأتحدث عن السحر: ان الشرق يعرق السحرة كثيراً، أما الغرب فلم يعرف عنهم ألا قليلاً. وقد ظهر في الغرب مؤخراً من السحرة الموهوبين أثاروا الدهشة. وأهم هؤلاء الثلاثة هم: “هرم” الاسكتلندي”، بلادينو” الأيطالية و “هوديني” الأمريكي. وأهمية هؤلاء آتية من كونهم أثاروا بأعمالهم العجيبة نقاشاً حاداً في الأوساط العلمية وأقيمت حولهم المناظرات والمجادلات. “ألا أخبرتني عن رأي أساتذة الجامعات، أيها “المثقف”، قال “المتعلم”. فأجاب “المثقف” رداً على سؤاله بلهجة عنيفة قائلاً: “لقد تشكلت لجنة من أساتذة جامعة “تورين” ففحصوا “بلادينو” فحصاً دقيقاً ثم قدموا تقريراً عنها أجمعوا فيه على صحة ما شاهدوا منها من أعمال خارقة. أما “هرم” الأسكتلندي” فقد أدهش العالم المتمدن بعجائب سحره من حيث رفعه الموائد بدون لمسها، وطيرانه بين نافذة وأخرى في بناية مرتفعة، وغمس وجهه في الجمر الملتهب، وجعل بعض الآلآت الموسيقية تعزف ألحاناً معينة من تلقاء نفسها … وقد أشاد بأفعال هذا الساحر “وليم كروكس”، مخترع الصمام الكهربائي. اما “هوديني” الأمريكي فكان يقوم بأفعاله العجيبة على خشبات المسارح. وقد شاهده البروفيسور “فليب حتي”، مؤلف كتاب تاريخ العرب المعروف، وكتب عنه تقريراً الى مجلة المقتطف. وملخص أمره: أنه يوضع في كيس محكم الشد ثم يوضع بعد ذلك في داخل صندوق متين ويقفل عليه الصندوق بقفلين ثم يشد الصندوق بحبل مجدول سميك. وبعد لحظة يخرج “هوديني” من وراء الستار طليق اليدين والرجلين!” الأن وبعد هذه المعلومات القيمة التي تلقيتها، هل وصلت والدتك، فأجاب “المتعلم”: لا … ! أنها عند بيت الجيران لآنهم بحاجة لها … ! “وماذا تفعل عندهم يا “والدي”، سأل “المثقف” بحرارة. فأجاب “المتعلم” لاتقلق أنها سعيدة هناك ويبدو أن هناك نساء كثيرات في منزل جارنا، وهي تحب التحدث أليهن، انت تعرف هذا، فعدما أنتهي من معرفة مفهوم “الحظ”، سأذهب لأنادي “بنت الجيران” لتخبرني عن “الزوجة”. أبتسم “المثقف” لما قاله “ولده المتعلم”، وأجاب على سؤاله بصوت منخض: “أفهم ماذا تقصد بكلمة “الزوجة” … ! لقد دأب الناس في العصر الحديث ان يجعلوا مفهوم الحظ مرادفاً لمفهوم الصدفة فسموا كلاهما “chance”. وقد أخذ عوامنا في الشرق يعربون هذه اللفظة ويستعملونها في أحاديثهم الأعتيادية. وفي الحقيقة ان الصدفة وحدها لاتكفي لتفسير الحظ. ففللقوى النفسية أثر لايستهان به في تكوينه سلباً أو أيجاباً. وأذ ليس هناك حد واضح بين الوهم والحقيقة والوهم كثيراً ما يؤدي الى خلق الحقيقة. ان من الممكن ان نقول مثلاً “باستور” عند أكتشافه الميكروب قد خلقه خلقاً. فقد كان أجدادنا يحملون الميكروب ولذا كان الميكروب، على معنى من المعاني، غير موجود. أما بعد ان أكتشفه “باستور” فقد أصبح موجوداً وأخذ الناس يتخوفون منه وأبتلى الكثير منهم من جراء ذلك بداء “الوسواس”. لقد بقي لدي ساعة واحدة، أيها “المثقف”، وأريد منك ان تخبرني ما هو موضوع “صندوق الضمير” و “النصيحة”. فأجاب “المثقف” بعد تنهيدة طويلة: “يقال ان الحكومة في بريطانيا قد وضعت صندوقاً أسمته “صندوق الضمير” ليضع فيه أفراد الشعب بقايا ما عليهم من الضرائب التي غفل عنها الجباة! وقد دعوه “صندوق الضمير” لأن أفراد الشعب هناك يشعرون بوخز الضمير حيث يدفعون الى الحكومة ضرائب أقل مما يوجه القانون، ونحن لو وضعنا مثل هذا الصندوق في أحدى البلدان النامية لأصبح هو ذاته منهوباً … وليس معنى هذا ان الناس في الشرق الأوسط من طينة تختلف عن طينة الشعب البريطاني. وان الفرق بالحقيقة متكون من تصادم القيم الأجتماعية وأنشقاق الضمير. فالشعب الذي يجد فيه حكامه كراهة له وأحتقاراً لقيمه يميل الى التهرب من كل ما يأمر به هؤلاء الحكام ويرى في ذلك فضيلة وبطولة … وأما “النصيحة فهي: ان الباحث المبدع يمتاز عن الرجل العادي بكونه يعترف بأطاره الفكري، ولذا فهو أقدر على مواجهة الحقيقة الجديدة من غيره. ويا “متعلم” يجب ان تعمل في الغالب على أجزال العطاء والنعمة على من يجذف فن الكلام، من … ، ويملاؤن رحاب …! ان أي عصر من العصور التاريخية هو ذهبي لمن يتنغم به وفحمي لمن يتيئس به. ويقول الشاعر: “لاتظلمن اذا ما كنت مقتدراً فالظلم أخره يأتيك بالندم تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم”

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار