الرئيسية / الاخبار / قصة حبّ على خطِّ النار

قصة حبّ على خطِّ النار

 

في ليل شاع سكونه واكتمل حضور نجومه قرّر أن يمضي.. وهذه المرة لن يلتفت خلفه..كل المساحات قد تشابهت لديه, وتحررت من الرعب والخوف.. فاستبدت به المشاعر التي فجرتها المؤامرات الخفية والصريحة.. وفي خضم هذه الأفكار قفزت إلى ذهنه كلمات أمه :

-عد لا تمت أنتَ كلّ أملك في هذه الدنيا ..

آه يا أماه.. قدري ألا أموت سأعيش لأتابع نزف جرحي ..جرح علمني ألا أخون الفكرة التي استوحيتها من عذوبة النهر وعذابه…كان القمر يطاردني ويستفز ذاكرتي وينثر نوره بسخاء على مساحات حزني ..تغادرني رغبة الشوق والحب حتى رغبة الحزن وكل الرغبات الأخرى , أجفاني تتنافر مع أنّ جسدي متعب,وفي أحشائي نار تأبى أن تخمد..

لا يزال القمر يعانق النخيل ويبث للنهر آماله وآلامه,وفي هذا السكون استرجعت كلمات أمي التي استقرت بوجداني ..إنها لا تريدني أن أموت, وأنا أريد أن يكون موتي جسرا إلى الحياة ومعبراً إلى الفردوس ..وكم هو جميل موتي من أجل أشجار النخيل ..والآن قد اتضح لي أن مشروع قطع هذه الأشجار يجري على نطاق واسع وبشكل متقن..

كان الوقت متأخراً في ليل ربيعي مزاجه متقلب بين ربيع وصيف .. الزمان هو نيسان أجمل الشهور عندي ..لا أذكر كم كانت الساعة ..لكن الليل أغراني بأن أخرج وأركض كالمجانين والعابثين في طرقات تمتهن الحب ..كان الليل يحتضنني بقسوة تارة وبدفء تارة أخرى ..وجهكِ كان يطاردني كأشباح الليل, وحبك يسرقني من بقايا وجودي …وأنت ِ تشبهين وجه هذه المدينة ..حزينة كئيبة ..وأهم قاسم مشترك بينكما أن كليكما قد فرض عليها ما لا ترضاه ..هل هو القدر إذن ..؟ لكن شمعة حبنا الأخيرة لم تنطفئ إنها في مأمن عن رياح الحقد ..

قررت أمي أن تذهب لخطبتك ..أمك رفضت بعد أن وضعت شروطاً تعجيزية ..وأنا قررتُ أن أبيع ذاتي كي أشتري حبيبتي ..حتى لو اضطررت أن أخطفك على جواد أسطوري كما يحدث في قصص ألف ليلة وليلة وأهرب بك إلى أرض لا تعترف إلا بالحب قانوناً ..سأبوح للثرى وأهمس للسواقي:

_ أحبكِ بكل لغات العشق التي لا تزال عاجزة عن ضم معاني الحب .. حبك ِ هو عالمي الذي تمرد الخراب, وانتفض على الخوف, وانبعث من الحطام..

خيبتي كانت كبيرة عندما رفضني أهلك, وفي الجهة المقابلة رفاقي ينتظرون الرد وأنا رغم صدمتي لم أكن مستعداً لأفقد عقلي على طريقة قيس..معركتي الآن في الجهة المقابلة..هناك من يتربص بي وبكِ, وعليّ أن أمضي والأمل حاضر في كل الحالات رغم أن أحزاني قد تضاعفت بعد محاولة أخيرة لإقناع أهلك..محاولة باءت بالفشل.. غادرت ومضيت نحو هدفي لكن حضوركِ كان يملؤني وحبك يجتاح روحي مثل عاصفة مسالمة ويمعن في قتلي ويشردني مثل أوراق الخريف .. يا من تشعلني وتطفئني على طريقتها من بعدكِ سأعتاد على الحرمان وسأحافظ على انتمائي اليك .. لكن ماذا سيحل بهذا الطائر الجريح الذي تطبق عليه سياسة الأرض المحروقة .. الأرض المحرومة ..؟؟

في ذلك الليل الذي ارتفع فيه عواء الذئاب الساغبة قررنا أن نمضي لنرد الاعتبار ونصد الهجمات في معركة غير متكافئة ..كل شيء كان يحترق ..الحب ..الزهر ..وأعشاش العصافير ودفاتر أيامنا وذاكرتنا الجميلة .كل شيء كان يجب أن يتحول إلى رماد تذروه رياح الشر . الصرخات كانت مدوية.. الصحف بعناوينها العريضة تصرخ ونشرات الأخبار في العالم تثور وتعلن خبر اغتصاب وطن فقد ذووه مفاتيحه…

تركتُ الحارة والمقهى ومرابع الطفولة والأزقة الضيقة المتسعة…هجرت الليل والقمر والنجوم وتشردي في شوارع الحرمان لأختار طريقي.. طريقاً لا يؤدي إليكِ.. يا من تسكنين كل أزمنتي حتى بعد موتي

لم أعرف أن رسائلي إليك كانت سببا في إرغامك على الزواج من ذلك الرجل الغني ولا اعرف كيف وصل بسيارته الفارهة إلى المدينة ومن أعطاه رخصة الدخول إلى هذا المكان الذي يرفض القبائح وكيف وصلت به الوقاحة لأن يطلب يد صبية مثلك تفيض أنوثة وسحراً وعذوبة ..وصار ثأري معه ثارين أولاً لأنه تزوج منك زواجا اقرب إلى الاغتصاب, ولأنه امتلك أعلى درجات الوقاحة وهي أن يدخل إلى مدينة للعشاق فقط ..مدينة لا تشبه إلا نفسها وهو الذي عاث فيها فساداً مع جماعته ونال كثيراً من بهائها ليشبع الرغبات الرخيصة..؟

أنت ومدينتي والحب والواجب مفردات قد اتحدت وصارت قضيتي بصورة حبيبة واحدة …الليل وحده يجمعني بكِ والمدينة تشتعلُ كما يشتعل قلبي .. أسال الليل عنك فيجيبني بصوتك المجروح كأنه أنت..وقفت على الجسر متأملاً بإحساس عميق نهراً تتراقص على صفحته السوداء التي سكنها الليل أضواء حائرة تنتظر رداً .. أقفُ وأنا أخشى أن يدمر آخر جسر يربط بين جانبي هذه المدينة الأسطورية التي خلدتها الروايات والتي يقسمها النهر إلى قسمين عاشقين لكنهما يلتقيان ويتعانقان بحرارة العشاق..

بعد الغياب ملكتُ العودة . المعالم لم تتغير لكن المدينة تشكو الاغتراب ولم تعد تشعر بحميمية أشجار النخيل .. غربوها عن أحبائها وهي بينهم .. شوارعها مقفرة .. بيوتها مترقبة خائفة ,حظر دائم للتجوال وخوف يخيم مثل ظلال الأوهام , عمليات متقنة للسطو ..سطو على المشاعر على القلوب على الذاكرة اللغات الجميلة ..

وأنت أين صرتِ في تركم الأحداث ..أنت تعلمين جيداً أن حبك لم يكن يوما سيارة مفخخة, أو حزاماً ناسفاً, أو بندقية تهوى القتل وسفك الدم ..أنت فوق المصطلحات الدامية.. أنت بعد مسافات الخوف وأزمنة الرعب لا تزالين في مكان واحد ..مكان للأزلية والأبدية والبقاء والخلود وكل مفردات الاستمرار ..حب سرمدي أنت سيدته يا من رجعتِ إلى لغتي أسعفيني على النسيان …

كان شغفي كبيراً لمتابعة أخبارك بعد زواجك .. أخبروني أنك تركت المدينة ورحلت معه إلى جهة مجهولة لأنه كان يخشى على حياته وماله في مدينة هم سلبوها الأمان ..لكنك عدت إلى المدينة بإصرار منكِ ..

هكذا إذاً.. صرتِ لرجل غيري ..حلمنا كثيراً وأحلامنا كانت هي مشكلتنا ..كان يجب ألا نوسع مداها حتى لا نجد في كل لحظة من يهوى تلطيخها بالدماء ..إذا كنتِ أنت حبيبتي وأنا حبيبك فإن طرفاً ثالثاً كان بطل حكايتنا, إنه الفشل بطل قصص الحب الخالدة ..إنه القدر..وهذا قدرنا ..قدرنا أن نجتمع فقط في مدينة نحن نرسمها ..أن نلتقي على الصفحات البيضاء نحن نكتبها ونملؤها بالتصورات التي أخطأت ميعادها واصطدمت بالجدار العازل بين خرافة الحلم وحلم الخرافة ..خسرتكُ وماذا بعد ..؟؟ كان ذلك اليوم استثنائيا بكل المقاييس , أنا ارقد على فراش المرض وشعور دائم بالخسارة يلازمني ,لقد كان موتي نصب عيني ..وعندما اقترب موعد موتي قرر أن يوقع معي هدنة مؤقتة .. لم أمت في المعركة وكتب لي البقاء .. لكن أية حياة هذه وأنا فقدتُ ساقي ..؟

في يوم استثنائي جئت إليّ بعد أن سمعت بما حلّ بي في المعركة… لكن ما الذي حملك إلى هنا وكيف غامرت وأنت امرأة متزوجة ؟؟وكنت كمن يسير في حقل من الألغام …هل لازلت حبيبك ..؟ وهل أنت مخلصة للرجل الذي أرغمت عليه..؟؟

أسئلة كتمتها ولم أفصح عنها , كنت فقط أبحر في عينيك وأقرا حزنهما المتطور ..؟

قطعت نهر أفكاري هذه .كانت أمي تجلس بجواري متحسرة على ما آل إليه حالي … وبعد لحظات غادرت أمي الغرفة وتركتنا تحت سقف الفشل والخيبة .. كان بصري معلقا بالفضاءات وبصرك يقرؤني بإمعان وشفقة..أردتُ أن أوقف شفقتك عليًّ فسألتكُ :

_كيف استطعت أن تأتي في هذا الليل تحت زخ الرصاص ..؟

أجبت:

_ليلنا لا يغدر بنا…

صمتنا قليلاً ..صمت انتهى برحيلك ثم سألتكِ آخر أسئلتي :

_كم ولداً ستنجبين من ذلك الغريب ؟

سأعلم أولادي عشق النخيل لكي يميزوا الغرباء في الصحراء..

ثم غادرت .. وبقيت ملامحك حاضرة في الفضاء ..ملامح امرأة قد عرفتها وعشقتها ..لكنها لم تكن لي .. مثل وطني لي وليس لي..؟

حمى رحيلك زادت من حمى مرضي وهاأنذا أسال: كم معركة خسرت.. وكم معركة سأخسر ..؟أنا الذي نشأت على منطق الانتصارات, وتربيت على طعم التمر الذي نما على ضفاف نهر الحزن …أما الآن فلست مؤهلاً لأن أدخل غرفة الوصايا ..لقد مللت من كتابة الوصايا لأني مت كثيراً, وربما سأحيا كثيرًا لأكون شاهداً أزلياً على موتي ..على موت الحب..لن اخط حرفا واحدا بعد اليوم وسأرضى بالمشي على قدم واحدة ..لن أتعثر أو أتأثر..وسأعيش حتى بعد أن رفعوا المكافأة أضعافاً لمن يجدني أو يدل على مكاني ..والعلامات الفرقة تميزني جداً :

عاشق فقد حبيبته ..ووطنه..(وفقد قدمه في المعركة)..مكانه : مكان للحب الأسطوري المفترض.. حنطي اللون مائل للسمرة لأنه ينتمي إلى أبجدية التراب والسنابل…

التهمة : حب الوطن ..

الذريعة : مكافحة الإرهاب..

(إلى بغداد مدينة الحب والحياة والحزن)

 

 

 

 

 

 

أسماء شلاش

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار