الرئيسية / الاخبار / قصة قصيرة: الغـــــــريب

قصة قصيرة: الغـــــــريب

مازن مريزة ///

 

 كنت أصادفه في كل صباحاتي  ، بظهره المحني وعصاه غير المشذبة ، ملابسه العتيقة على نظافتها ، ومسحة حزن تعتلي ابتسامته الباهتة ، كلما رد عليّ تحية الصباح ، ينتابني شيء من الشعور بالرثاء لحاله ، وتغزوني الرغبة في تقديم يد المساعدة إليه ، أي مساعدة مهما كان نوعها ، سكان الحي لا يذكرون بالضبط ، منذ متى ماتت زوجته ، وتركه أولاده ، ولا أحد بالضبط يعرف إلى أين يذهب في كل صباح ، أعود مساءا مثقلا بهمومي ، تحاصرني عوالم كبيرة من الأحلام عما سيكون عليه الحال إن تغير حاكمنا الرمز ،فيشغلني ذلك عن البحث عن وجهه من بين الوجوه المتعبة العائدة إلى بيوتها  بعد انتهاء يوم حافل،  صادفته أحد الأيام يدخل قسم الشرطة ، ولم أهتم كثيرا للأمر ، فربما لديه أي سبب معقول يدفعه لذلك ، إلا سبب واحد لم يخطر على بالي  قط ، حينما رأيته أمامي في القسم….قسم الشرطة ، ليلة اقتادني المخبرون وهم يكيلون إلى أقذع أنواع السباب ، ويصفونني بأبشع الصفات ، وحينما انهالت علي رقبتي أولى الصفعات ، التفتُ لا إراديا ، لأرى نظرة حادة تغزو وجهه الغاضب غير تلك التي تعودتها ، أقترب مني ، وقال لي ناصحا ، أستاذ من الأفضل لك أن تعترف ، وتتجنب المزيد من الضرب والاهانات ، تحرياتنا تفيد بأنك تعمل ضد الحزب والثورة منذ مدة ، والاعتراف سوف يكون على إيقاع الألم إن لم تبادر ، وضعوني في زنزانة تفوح من جوانب ساديتها الصامتة رائحة الأفواه الجائعة التي ربما قبعت طويلا بين جدرانها الرطبة ، وضعت يدي بين رأسي متأملا ما هي تهمتي ، وبعد أيام واجهوني بتهمتي الحاضرة الغائبة ، مناهضة النظام ، رجال لهم هيئات الرجال ، ولكن وجوههم متشابهة ، بشواربهم الكثة ، وسحنتهم الغاضبة ، وبشرتهم السمراء ، وأصواتهم الباردة ، ولباسهم المتشابه بلونه الزيتوني ، وأحذيتهم البنية يعلوها غبار الأروقة المظلمة ، التي لم تعرف طعم النظافة منذ سنين ،  أقتحم غرفة التحقيق ، بقامة لم تكن منحية هذه المرة ، وعصاه التي كان بتوكئها يسير ، أصبحت طيعة في قبضته يلوح بها يمنيا ويسارا ، في فضاء الغرفة الضيق ، وجوها الخانق ، وجدرانها المزينة بقطرات داكنة ، من حبر أحمر مر عليه زمن طويل ، حتى أنها حطت على جسدي الجائع ، المملوءة مساماته بعرق الخوف البارد ، مرات ومرات ، حتى امتلأ فمي بطعم القيء المر ، وناجتني رغبة حقيقية بإفراغ ما في جوفي الفارغ مرارا ، وأنا أتلقى الصفعات والركلات ، وفنونا من الشتائم والسباب ، لم أسمع بها في أي شارع من شوارع بغداد القديمة من قبل ، ولم أقرئها ضمن مئات الكتب التي تناولتها أصابعي المرتعشة الآن ، حاولوا معي أياما بلياليها ، لم يحصلوا مني سوى على الصمت الحانق ، وبضع دمعات حارة كانت تغافلني كل مرة يعتريني فيها اليأس ، منسابة على خدي المطرز باللون الأزرق والوردي ،ولو أن أحدا قال لي قبل اعتقالي ، أنك ستشعر بكل سعادات الدنيا ،وتستحضر كل أفراح العالم ، حين تجرك رجليك المهدودتان ، إلى تلك الزاوية الدافئة من زنزانتك ، لتقبع فيها ساعات طويلة ، لما صدقته ،ولكنني كنت أشعر فعلا بطعم السعادة وألوان الفرح ، حينما انزوي فيها على نفسي ، وأحضن ركبتي بيدين متهالكتين ، لأوفر ملاذا آمنا وبقعة صغيرة فيها القليل من الدفء ، لأخبئ فيها رأسي الذي شاركتني فيه بضع قميلات ، تركهن لي رفيق الزنزانة السابق ، كتذكار ودليل على مروره الحزين في نفس الأجواء ، مرت الأيام ثقيلة كسنين عجاف ، تأبى أن تفنى في عالم الزمن المتحرك في كل الاتجاهات ،وجاء الفرج بعد أشهر من العذابات اللامتناهية، قويا حادا وبلا مقدمات ، قدموا لي بعجالة ورقة صفراء أتعهد فيها بحسن السير والسلوك ، كلص وضيع ، يسرق الناس أقواتهم ، وشطبوا من تاريخي الشخصي ، كل شهاداتي وقراءاتي وكتاباتي ، ليختزلوا أكثر من ثلاثين عاما كانت فيها الشمس تشرق بالنسبة لي من الغرب ، بورقة صفراء طواها صاحبي ذو العصا الأثيرة ،الذي لم تبد ذاكرتي الكثير من الجهد في حفظ أسمه الرنان إلى آخر العمر : الرفيق عدنان ،  بعد أن ألح تارة بالوعيد وأخرى بالرجاء الممزوج بالتهديد ، بضرورة الالتزام بالصمت المطبق ، ليضعها في ملف أكتظ بالعديد من مثيلاتها ، التي تختصر كل واحدة منها مصير إنسان له عائلة وتاريخ والكثير من المشاعر والأحاسيس ، وربما لديه حبيبة يكتب لها الشعر وبعض الخواطر ، كما كنت أفعل مع حبيبتي قبل عشرين عاما . خرجت وأنا أعي بيقين تام ، بأنها لن تكون الزيارة الأخيرة ، وأن أهدار الكرامة سيستمر إلى ما شاء الله ، تابعت سيري مضللا بيدي اليمنى عيني اللتين لم تألفان النور من مدة ، وتوكأت بالأخرى مستندا عليها بالكثير من الجدران التي مررت عليها بطريقي ، لأن هيئتي ببساطة لم تقنع أي سائق أجرة بأن يقلني بسيارته ، ربما تصورني البعض منهم بأنني مخبول أو ربما أدركوا بطريقة ما بأنني خارج مع قسم الشرطة القريب من الشارع العام ، وصلت البيت بعد مساعي حثيثة ومحاولات مستمرة لإقناع رجلي في كل مرة كانت توشك فيها على الانهيار ، فتحت أمي الباب وسقطت باكية متمتمة بالشكر لله والأولياء الصالحين ، تناولت مثل ما لم أتناول من قبل يدها التي صافحتها يد السنين ، وطبعت عليها أعمق قبلة قبلتها لأحد في حياتي ، لم تسعفني أمي بالمزيد من الوقت لألملم شتات نفسي ، حينما أغرتني بعد ساعات من وصولي ، وقبل أن أُشبع تماما معدتي الخاوية من طعامها الدافئ بضرورة مغادرة البلاد ، لم استطع مقاومة أرقي ليلتها ، بقيت ساهرا إلى ساعات الصباح الأولى متأملا مكتبتي العامرة ، متفكرا بإغراءات الهجرة ، ولذات العيش بعيدا عن الألوان الترابية والزيتونية ، مرتميا بين أحضان التمدن والرقي والإنسانية ، وزهو الألوان وخضرة الروح ، جمعت ما تبقى من شظايا روحي المكومة في قعر جسدي الملون بألوانه الجديدة ، الأزرق والوردي والبنفسجي والأسود ، وحشرت بعضا من ملابسي في حقيبتي الجلدية الوحيدة ، وحملتُ نفسي التي لا يمثلها بقاموسهم سوى دفتر أخضر صغير ، يسمونه جواز سفر ، وتركت كل ما أملك خلفي ، أمي وحبيبتي التي انتظرتني عشرين عاما دون أن تدرك بأنها كانت تنتظر القطار الخاطئ في المحطة الخاطئة ، تهتُ في دروب المنافي دهرا ، أمضغ خبز الغربة المحّلى بصورة أمي  ، وأشرب خمر أيامي من كف حبيبتي المعروقة التي ما زال أثرها في يدي ، وأجتّرُ طعم الماء في كأس ذكرياتي الأليمة ، حتى صفعني صوت التلفاز في إحدى مساءات المنفى الباردة ، ولسعني صوت المذيع كألف أفعى أفريقية ، وهو يكرر بإصرار ، أن زمن الترابي والزيتوني  والأسود المرير في وطني قد ولى بلا رجعة ، وأن عهدا جديدا قد بدأ اليوم ، حاولت أن أخلع عني عباءة النعاس ، وفركت عيني مرارا لأدرك بأنني لا أحلم ، وأن تلك الأفاعي الأفريقية ،حقيقية كحقيقة الخبر الذي التجأ أخيرا إلى  قعر مسامعي ، زاحفا بلذة إلى قسمات وجهي لينشر عليها انفراجا لم أعهده منذ سنين ، ينصحني الأصدقاء بالتريث ، كلما حزمتُ حقائبي ووضعتُ جوازي الغريب عني ، في جيبي ، مستعدا للعودة إلى الوطن ، متهيئا بتيمن للمشاركة في رسم المشهد الجديد ، ولكنني كنت أصدم في كل مرة ، أرى فيها طفلا مذبوحا ، أو أمرآة تندب زوجا أو ولدا ، والعشرات من المركبات المحروقة التي يتصاعد من الدخان ،على شاشات التلفاز التي باتت تتسابق في ما بينها لنقل المزيد من الأخبار الساخنة والصراعات اللا متناهية  ، وفي كل مرة كنت أنجح في كبح جماح نفسي ، إلا تلك الأمسية التي سمعت فيها بوضوح نادر أنفاس أمي المتلاحقة ، وهي تحاول أن تخفي صوتها المتعب ، وسعالها المتتالي ، لم تمزح معي ذلك الصباح ، حينما عاودت الاتصال بها بعد تلك المكالمة المسائية ، كما كانت تفعل في كل مرة ، ومن المرات القليلة في حياتي ، ضغطت على زر إيقاف العقل ، وأعطيته راحة تامة ، معتمدا على التصرفات الآلية التي اعتاد الجسم أن يقوم بها  ، في حال خروج العقل عن نطاق التغطية أو حتى السيطرة ، وحشرت مرة ثانية بعضا من ملابسي في حقيبتي التي لم تكن وحيدة هذه المرة ، ووضعت جوازي في جيبي والذي لم يكن أخضرا هذه المرة ، وتكومت في أول طائرة متجهة إلى الوطن ، لم أنم كثيرا كباقي المسافرين على الرغم من طول المسافة ، حلمت بأشياء كثيرة ، بنخلتنا التي تتوسط حديقة البيت ، ومكتبتي المليئة بكتب لم أقرأها بعد ، وبوجه أمي الطيب وكيف أصبح الآن ، بقبر أبي اللائذ بقبر أحد الأولياء الصالحين ، في حبيبتي التي تجنبت السؤال عنها بمرارة لسنين طويلة ، بعد أن سمعت بأنها قد تزوجت من أحد أقربائها ، وبشارع المكتبات ، وبالمقهى البرازيلية ، وبأصدقائي ، …… ، فتحت عيني المملحة على أصوات أزيز مؤلم ، وصرير خشن ، وأدركت أن الطائرة تهبط في أحد المطارات القريبة من الوطن ، لأبدأ رحلة برية ثانية للوصول إلى الهدف الأخير ، لم أتمالك نفسي عن البكاء حينما بدأت عجلات المركبة تلامس أول بقعة من تراب الوطن ، وودت أن أسأل السائق بل أن أتوسل إليه وأقبل يديه ، أن يتوقف للحظات حتى أستطيع الترجل لأشم رائحة التراب ، ولكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة ، لأتمكن من أن آخذ وقتي لاحقا في ممارسة تلك الطقوس التي رتبت لها منذ وقت طويل ، بقيت مرتميا في حضن أمي كطفل صغير ، وجربت في حضنها كل أنواع النحيب والبكاء ، مرة بكيت بصمت ، وأخرى بكيت بنشيج عالي حتى تصورت بأني روحي ستفارق جسدي ، حتى أنني أذكر بأنني بكيت ضاحكاً ، وضحكت باكيا ، وحينما بدأت غشاوة البكاء واللهفة والتعب تنقشع عن عيوني ، وبدأت أنفاسي تستقر مع أول استكان شاي أعدته لي ، حتى رأيت بان نخلتنا الباسقة لم تعد موجودة ، وأن مكتبتي قد تخطفتها أيادي الصغار الذين كبروا بغيابي ، وما بقي منها أتلفه الغبار والزمن ، على إني لم أحزن على المكتبة بقدر حزني على حبيبتي التي روت لي أمي كيف تمزق جسدها الفارع الطول بإحدى العمليات الحربية ، في المساء الثاني التقيت بما تبقى من أصدقائي ، الذين أقنعوني بالاستقرار النهائي ، والعمل بإحدى الجامعات المرموقة ، لحاجة الوطن الماسّة للكفاءات في هذا الوقت العصيب ، مرت أيام قبل أن أتمكن من إقناع نفسي نهائيا ، بالعودة النهائية إلى الوطن ، وفي إحدى الصباحات  الصيفية الحارقة ، خرجت أمّني النفس بالحصول على جولة دافئة في الحي الذي قطّعته الجدران الخراسانية إلى أقسام وأقسام تحت مسميات شتى ، ابتعدت قليلا عن البيت ، حتى استوقفني ثلاثة من الشبان المسلحين ، وسألوني عن هويتي التي لم يدر بخلدي قط أن أحملها ،وكانت أسئلتهم استفزازية إلى حد كبير ، حينما أدركوا بأنني لا أحمل أي شيء يعّرفهم بنفسي ، ولاسيما أن لهجتي البغدادية الأصيلة قد شابها شيء من الصدى ربما ، فطلبوا من بلهجة آمرة التوجه معهم إلى رئيسهم ، ولم أجد بدا من ذلك ، سرنا قرابة العشر دقائق ، لندخل مكتبا متوسطا يجلس فيه شخص في منتصف الستينات ، وسلاحه اللامع مركون في زاوية المكتب ، والعلم الجديد يحتل مكانا مميزا في الزاوية الأخرى من المكتب ، وعصاً مرمية بلا مبالاة على الطاولة القريبة  ، شرح أحد الشبان المسلحين باقتضاب حذر مشكلتهم معي ، وطلبوا منه الأمر والمشورة في ما عليهم أن يفعلوه بي ، وأخيرا التفت إلى وسألني ببشاشة ، عن بطاقتي الشخصية ، لقد شعرت بأنني أعرف هذا الكهل ، ولكن ذاكرتي المثقوبة لم تسعفني بالكثير من الإجابات ، تفرست وجهه مرارا علّي أتعرف على هذا الوجه الملتحي بلحية خفيفة ، ولكني أعترف بأنني كدت أفشل ، قبل أن يخاطبه أحدهم باسمه (الحاج عدنان) ………….. ( الحاج عدنان) …….. ماجت الأرض تحت رجلي ، وتلوت كراقصة غجرية ، بحركاتها العنيفة ، وسقطت متهالكا بعد أن تخطى طعم القيء المر في فمي مرة أخرى كل الحدود الطبيعية ، لأجد نفسي بين أحضان أمي مرة أخرى وهي تمسح قطرات العرق البارد من جبيني ، ودعت أمي وأنا أحمل حقيبتي ، واعدا إياها بأنني سأعود لرؤيتها قريبا ، وأنا أعلم بأنني أكذب عليها للمرة الأولى ، وبأنني لن أعود يوما ما دام أمثال الرفيق الحاج عدنان الذين بتُ أعرفهم من سحنتهم يسرحون ويمرحون في أرض الله ، ومازلت عصيهم مسلطة على رقاب العباد وهم مازالوا يتساءلون في جنون  نحن موجودون في هذا الكون منذ قرون …  فمن  يا ترى نكون…. ؟

 

مازن مريزة

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار