الرئيسية / الاخبار / قصة قصيرة.. حُب من والى…… (نُقرة السلمان )

قصة قصيرة.. حُب من والى…… (نُقرة السلمان )

 

 

خطابات المفجوعين تنقّضُ علينا..

سأبرهن لكم أن ما كان يُنسب إلى العجب في ما نقل عن بدو الصحراء، من أن للرمال أنينـًا يُسمع بمجرد وضع أذنك على الأرض، هو حقيقة صرف. ولكي أبرهن لكم على ذلك سآخذكم إلى مكان محدد؛ هو الصحراء التي تقع إلى الجنوب الغربي لمحافظة المثنى في العراق، ولا أخفي عليكم أن تسمية هذه المحافظة تثير في نفسي رغبة في شطبها، واستبدالها بلواء السماوة، لأنها جزء من السبب الذي جعل الرمال تئنّ، لكني أمينة على أن يجري كل شيء كما هو، لكي أبرهن، كما قلت لكم، على أن الأساطير ليست كلها، تنبع من الخيال، بل بعضها، وبضمنها روايتي، يجري على الأرض.

 يقع سجن ” نقرة السلمان ” في قلب بادية السماوة، التي تقع في الجنوب الغربي لمدينة السماوة. 

الصحراء، برمالها الحمراء، تحيط بذلك السجن.

***

“حسن وزهرة “عاشقان عشقا الوطن حد الثمالة، وتبنيا حُلمًا يتيمًا لولادةِ وطنٍ نظيف.. تكسوهُ ورودٌ بيضاء، وتحتضنهُ قلوب بيضاء .. أقاما عرسًا في خيالهما وبنيا بيتـًا في أحلامهما، ولكن قبل أن يرفرف حلمهما عاليًا في سماءٍ واسعة بحجم بهجتهما .. برز، من وسط ثنايا مكان ما في طريق القدر، من يذبح الأحلام ويُكبل الأجنحة، ويزج ُ في ذلك السجن الكائن في عمق الصحراء، عصفورين، تعلما، توًّا، كيف يرفرفان بأجنحتهما، مكافحين من أجل الحرية. الآن أحدهما، وهو حسن مأسور وسط جدب الصحراء الموحشة؛ داخل قفص موحش، يطلق عليه ” نقرة السلمان ” حيث يتناثر سجلـّه على جدران ذلك السجن، وتم الاحتفاظ به ضمن وثائق الوطن المليء بأعراس المقابر الجماعية. أما زهرة فقد أودعت في سجنٍ آخر بعدهُ عن الحبيب كبعد السماء عن الارض… غير أنهما ظلا يتناجيان بنشيج متصل، و أودعت تلك المناجاة في صندوق رسائل.

  

ـ حبيبتي زهرة..

كانت لنا أعراسٌ وآمال حلمنا بها .. الا إننا لم نطرب بزغاريدها.. فحظنا العاثر أننا من جيلٍ لايعرف الابتسام..نساء لم يعرفن معنى الفرح ..بل تربين على لطم الخدود حتى ماعُدن يشعُرن بالصفع .. ورجالٍ انحنت ظهورهم على وقع سياط الجلاد حتى عادوا يشعرون بلذعة السياط وكأنها قهقات.. أيُ جريمةٍ اقترفناها بحبنا لوطنٍ له سماء مفتوحة على فضاء أزرق عميق، وأرض ملونة بخضرة آمنة، ثم أحالوه إلى  قفص تحيط به صحراء من رمال حمراء !

دمتِ لحلمنا

حبيبك حسن

ـ حبيبي حسن..

أهلاً بك وبأناشيدك التي سمعتها وأسمعها.. وسأظلُ أسمعها الى الأبد.. وستبقى أعراسُنا وأحلامنا مادُمنا نعشق على الدوام.. نعشق النور .. والحياة.. وقهقهات الرجال التي ستعود ..ونعشق الصباح والشمس.. والقمر ونلعن الظلام والوحشة وسياط الجلادين..سنزرع زهورًا تفيضُ بالحياة دفئاً وحُباُ.. ألا يحويك هذا العشق ؟ لتخرج من عتمة زنزانة الاكتئاب .. ولتبدو تلك القضبان وكأنها قلائدٌ من لؤلؤٍ  ناصع البياض كي تُرسلهُا لي مهراً لعُرسنا الجميل..

دمتَ لحلمنا

حبيبتك زهرة

ـ حبيبتي زهرة ..

أنتِ كفيلةٌ بأن تنسجي أيامنا من خيوط الحرير.. أيُ بابٍ لعين أوصد عليك في زنزانة تعجُ بالصمت والنحيب.. أيُ كفٍ لعين قد تطاول على خدك الذي تعفر بحب الوطن.. لاعليك ..سأخبّئ أحلامنا تحت وسادتي كل ليلة لئلا يرقبها الجلاد فتضيع كما ضاعت صيحات الثوار.. سأخبئها لنلتقي يوماً فنفرش الأرض عيوناً تبتسم للغد ونقهقه كثيرا بأصواتنا المكبوتة .. وسنُشبع أرضنا قبلاتٍ من الشوق والألم.

حبيبك في الوطن المفقود

حسن

  

ـ حبيبي حسن..

كيف حالك .. هل مازلت تحلُم.. وتفكر.. تعلم ان أول الاشياء التي افكر فيها في الصباح .. وحتى الصباح هي حدقات عينيك التي أتلمس فيها وطناً يتوق الى الحرية.. وطن ضائع يرجو السلام والاستقرار..وطن يكاد يُدفن مع ثواره في التيه لولا صيحاتهم التي ظلت تقفز من جيل ٍالى جيل وتردد وطني ياأروع وطن .. إنني أحلم بك على الدوام عُرساً مؤجلاً كما هو حلمي بوطنٍ آخر تعلو فيه مراجيح الأطفال ..ولاأنفكُ أُمني النفس بأيام سنضحك فيها كثيراً على هذه الاوقات القاسية، وسنمشط الشوارع ليلاً متشابكة أصابعنا

فلتدم لي حبيباً ووطنا

حبيبتك زهرة

  

ـ حبيبتي زهرة..

كنتُ للتو أتساءل مع نفسي.. ياترى أيُ أفكار ٍ تدور برأسك العنيد الآن ؟ ها نحنُ ننتظر الموت.. بردائنا الأحمر وشوقي إليك لاينقطع.. أعلم انك تهمسين بإنشودة للوطن، وتخيطين بخيالك الخصب رداءك الأبيض وأنا أصنعُ لكِ تاجًا من قداح البرتقال ليكونَ لكِ برقعاً يفوحُ منهُ عرس الوطن.. وتناسيت أصواتاً خلف الجدران تتعالى ألماً وتعذيباً من نفوسٍ باتت لاتستحي من قسوتها!

عُرسك المؤجل حسن

  

وفي ليلةٍ غير منتظرة اقتديت زهرة الى حبال المشانق ولم يعد لديها متسع من الوقت لكي تخبر حسن بما جرى من تعجيل الحكم بالنفي والغياب والموت القسري. رحلت من دون أن تكمل بياض الوثيقة

…. …… …… ……

…… ………… …..

…… …… ……..

  

  

ـ حبيبتي زهرة..

طال ترقبي لانتظار حروفك الحنون على سطور تلك القصاصات الورقية المتهالكة. لاتقولي لي أن أنفاسك قطعت قبل أنفاسي .. فما الحياة يازهرة غير وطنٍ، وزهرة حلوة مثلك.. لن أغيب  طويلا ياحبيبتي.

حبيبك الآتي

 حسن

  

  

ملاحظة

وضع بدوي أذنه على الرمال الحمراء لسجن نقرة السلمان .. وسجل ما يقول من أنين، ثم رواه إلى آخر .. وهكذا حتى بات الجميع يردده .. ولحفظه من تحريف النقل، قررت أن أضعه على تلك الورقة.

 

  

 

 

 

 

 

بيداء كريم

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار