الرئيسية / الاخبار / قصة قصيرة / ( رهان)

قصة قصيرة / ( رهان)

هيام مصطفى قبلان ///

 رهان ..! 

 

 يبدو أنّ صديقاتها أصبن بداء المراوغة ، لن تفقد شيئا ، ستجرّب كما لم تحاول من قبل ، التحف جسدها بثلاثين ربيعا،كفاكهة ناضجة تحتفل بأنوثتها وقامتها الممشوقة وجمال عينيها .

في عينيه عطش للسّفر ، أحبط بعد أن خابت علاقاته بكل النّساء .

 كعادته يرتشف فنجان قهوته الصباحيّ ، يتناول فطوره في مقهى صغير مزدحم ، تمرّ برأسه أحلام مؤجّلة ،،يفترش الصحيفة اليومية ، يطالع العناوين ، يتأبّط حقيبته التي تكسّر عليها الغبار ، يسير بمحاذاة الجدار ، يجتاز الطريق الضيقة ليصل الى مرسمه .

تسير وراءه ، يبطىء …تبطئ …يسرع … تسرع ، دقات قلبها تسبقها ، تراقبه وهو يدخل العمارة في الطابق الأول ، تتراكم زجاجات فارغة تنتظر عامل البلدية لينتزعها من على الرصيف ، يسرق لقمة عيشه اليومي من جيب الحكومة .

–         لن أملّ ،، سأطارده الى أن أكسب الرّهان !

أثار فضولها بصمته ووحدته ،، ارتياده هذا المقهى بالذات .

اللحظات الباردة تتجمّد ، يسكنها هاجس التنقيب ، من يكون وكيف جمعت بينهما الصّدفة ؟ كانت تحدّق بالفراغ ،، في اللاشيء ،، أوتار كمانها تستفزّها ، ما تعرفه عنه أنه رسام، ما الذي يربطه بها ، بين لون ووتر في مكان يتصبّب بالضجيج ؟

في اليوم التالي انتظرته ، الصّمت المتناثر يمزّق أحشاء المغيب ، لم يعرّج على المقهى ، أبصرته يحمل صندوقه الخشبيّ وألوانه ، يمسح الأرض بمعطفه المتهدّل.

–         لا بدّ وأنّ بيته على مرمى لحظتين من هنا .

في غرفته المطلّة على الشارع ، في الطابق الرابع للعمارة المحاذية لمرسمه ، أفرغ لذّة رجولته بامتصاصه علبة كاملة من السجائر ،واحتساء الكأس العاشر من النبيذ ، فمنذ خروجه من السّجن لم تدخل غرفته امرأة ،، أقسم أن لا يتقاسم فرحه مع أنثى ، بعيدا عن ثرثرة النّساء ،، ورائحة البارفان ، والماكياج .

قطع عليه هاتفه نشوته بممارسة عادته السريّة ، لم يشفع له عويل الجسد ، ولا خواء السّرير .

–         ألو ..نعم صديقي ماهر ،،أنتظرك غدا صباحا في المقهى ،، يحيّرني أمر،، بحثت عنك وأحتاج لاستشارتك .

عاد الى سريره ليفرغ شهوته الليليّة ويحتضن كوما من الأجساد ويشهق .

هبطت ” أمنية” سلالم منزلها ،،باحثة عن وجه يشبهه ، جلست بركنها المعتاد ، تصارعها الدّقائق ، الكمان بجانبها ، فنجان من النسكافيه ،، وآخر .

لأول مرّة يلتقي اللّحظ باللّحظ ، ها هو يتعمّد حضوره ، ابتسم لها ، أسبل الترصّد عباراته وصمت الصّمت ، والحيرة تراخت .

قطع الانجذاب السري بينهما انضمام صديقه اليه ، هو الآخر يلتفت نحوها ، يرمقها بنظراته ويضحك ملأ شدقيه.

–         ما الذي يجري ، هل أراهن عليه ، أم هو يراهن؟

ترك النّادل على مائدتها قصاصة ورق مشيرا الى الجالس أمامها ، لم تدر كيف صعدت المصعد خلفه كالريح ، قرعت جرس الباب وكأنّها تعلم من قبل طريقها جيدا الى غرفته في حيّ يسكنه معظم الفنانين في المدينة.

بقايا رائحة النبيذ والشمبانيا ،عطب السجائر، طلاء الغرفة ، وهج الألوان وعيدان ثقاب مبعثرة ، لوحاته التي ركنها على الجدران ، سريره الذي يمارس عليه العادة السريّة ،، ابتسم ،،ابتست ، تركت له يدها أمسك بها ودعاها للجلوس ،، قدّم لها سيجارة ،،

–         شكرا لا أدّخن .

–         دعوتك لأنّك الأنثى التي تراهن عليّ .

تلعثمت ، اشتعلت النيران بجسدها ….

–         أنا لم ،، أراهن ..بل ..

–         أنا راهنت ، يبدو أنني كسبت الرّهان .

تبختر كالطاووس ،، نفش ذيله هو الفنان المتمكّن من أدواته .

–         لن أخسر أيّ رهان كان ، المرأة الأولى التي راهنت عليّ أدخلتني السّجن سنوات.

ارتعدت خوفا ،، انسحبت من تحت مظلّة ذيله وعيناها تحدّقان بقفل الباب

–         ماذا تقصد ،، عن أيّ سجن تتحدّث؟

–         أعني أنّ النساء سواء، الآن كسبت رهاني بدخول امرأة الى غرفتي بعد قسمي بتوحّدي .

هرولت نحو الباب ، متمتمة : ” هذا جنون” ، صفقته ، هبطت المصعد والشوارع تناديها ، لم تلتفت وراءها ، وصور صديقاتها يحطن بها و.. يقهقهن .

–         ما الذي يجمع بين لون ووتر؟ خسرت الرّهان ،كسبت ثلاثين زهرة .

 

 

هيام مصطفى قبلان

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار