الرئيسية / الاخبار / نظرةٌ إنطباعية

نظرةٌ إنطباعية

عبد الفتاح ألمطلبي- قصة قصيرة انتصفَ النهارُ تقريباً ولم يعد بالإمكان التغافلُ عما يعني ذلك فمططتُ جسدي و هبطتُ بساقي من سريري المترعِ بأحلامٍ كثيرة نحو أرضيةِ الغرفةِ المغطاةِ بموكيتَ أزرقَ بلونِ البحرِ، كما أظن، لم أشاهد البحرَ منذ عرفت هذا العالم المليء بالحالمين الذين خابت مساعيهم وتخلى عنهم الحظ فاستعادوا هدوئهم المُضيع في زحمة اللهاث وراء معارك مَيّزَتهْا الخسارات أكثر من أي لافتةٍ أخرى ،وكنت وبلا أدنى شك واحداً منهم لكنني الآن أحاولُ نسيانَ الأسبابِ الحقيقيةِ وراءَ انحسارِ مجدِ الأحلامِ و التي تعني فيما تعنيه بالنسبة لي على الأقل أنني كائنٌ غير قابل للهضم وُجدت هكذا كحصاة نَحتَ معالمي طولُ التدحرج في دهاليز الحياة دون أن أصادف أمجادا من النوع الذي يصلح لمدمن أحلامٍ مثلي ، هكذا كنتُ أظن عندما راودتني الرغبة في تنفس بعض الهواء الربيعي الجديد على مرأى ومسمع من شجرة النارنج المحتضرة بفعل غازات العوادم المنتشرة كدمامل على وجه بغداد ،ولم يكن ذلك ممكنا دون فتح درفتي النافذة بطريقة تشبه كثيرا ما تفعله مومس صغيرة ، لم تألف هذه النافذة الفتح بعد مصدرةً ذلك الصرير المربك وكأنها تفعل ذلك لأول مرة وعندما اتخذت النافذة الصغيرة وضعها الإنفراجي رغم الصرير شعرت بنسمات الهواء الجديد تلفح وجهي فرحت أتشممها بلذة ربيعية منعشة وشعرتُ بالامتنان كثيرا لهذه النافذة قليلة الخبرة فرحتُ أبحث عن المِزْيَتةِ لأمنحها بضع قطرات من الزيت على مفصليها المتيبسين ورحت أحركها جيئة وذهابا فأبدت ليونة لم أعهدها بها من قبل منتشيةً بذلك الزيت ، مرةً أخرى ملأت صدري بالهواء المنعش وقلتُ هذه فرصةٌ قبل أن تنفث عفاريت المولدات الثلاث سمومها وهي توجه أنابيب عوادمها نحو نوافذنا ليل نهار، وعلى بعد بضع أمتار مقابل مروحة تفريغ هواء المطبخ كانت قطة المنزل تمد بوزها لتشمم رائحة السمك المقلي الشائعة من هواء المروحة كانت تفعل ذلك مثلما فعلتُ عندما استنشقت هوائيَ المنعشَ الداخلَ للغرفة من خلال انفراج درفتي النافذة ،القطة تتلذذ كما تلذذتُ وفي ذهنها صورة لسمكةٍ ما بينما كانت الصورة في دماغي تختلف تماما فقد تخيلت حال بغداد دون حصول كل ما حصل من أخطاء فادحة روج لها السماسرة والدجّالون على مدى نصف قرن من التمويه والخديعة ، تخيلت الأشجار كما لو أن الحروب لم تحصل وعندما تأثثت الصورةُ بكامل أشجارها قلتُ يالها من أشجار رائعةٍ، تخيلت الأنهار وغرينها الأحمر لولا عصور دول العصابات و أحلامها الإمبراطورية التي تخنق الأنهار بالسدود ولما فاض ربيع النهر بخيالي قلتُ هذا هو دجلة الذي كان لولا..يا له من نهر عظيم ، تخيلت بغداد لو لم يدفع العالم الحر بمأجوريه لقتل الزعيم الأول الذي كان ينفق راتبه البائس على شراء صحن كباب وما يتبقى يتبرع به للبؤساء من شعبه ولما تخيلته باقٍ يبني العراق بنزاهته الفذة قلت يالهُ من عراق متطور ثم أعقبت كل ذلك بتنهيدةٍ حرّى ، وبينما كانت تخيلاتي تترى زأرت المرأة التي كنت أستأجر غرفة بيتها العلوية في حي الفضل المترع بالرومانسية والذكريات وهي تلبس رأس الأسد لتقلد زئيره و تعلم تلك المرأة أن ذلك الزئير لا يشبه إلا مواء قطه مهما نشرت لبدة الأسد المستعار معلنة أن السمكة المقلية قد هيأت نفسها وعندما نظرتُ للسمكة في طاجن القلي الأسود ممدة بسلام باذخ تنظر ببلاهة ولا مبالاة لهذا الذي سيلتهمها بعد قليل دون أدنى حس بالمشاركة في هذا الكون الواسع وعندما توصلت لصُلبِ فكرتها عن المشاركة لم يعد أمامي إلا تلك القطة المهووسةِ بالأمل والخبيرةٍ بشطحاتنا وتفسيراتنا الغريبة للمشاركة فحملت الأجزاء التي لاتصلح لفم مقفلٍِ دائماً تحت سطوة رأس منشغل بجدل سفسطائي حول موضوع المشكلة وصانعها وهل أنها قد وُجدتْ قبل صانعها أم أنه قبلها ، نَهَبت القطةُ خلال ذلك تلك الأجزاء من السمكة وانتبذت مكانا حصينا لتتمتع بوجبتها دون أي اعتبار لكل ما فكرنا به طوال مدة الخديعة وهكذا وبعد قليل من الصبر على ما أبدت المرأة التي تلبس رأس أسدها من ملاحظات قذفتُ ما بقي لي من جسدي القديم إلى ما تبقى من الشارع الذي أدمنت سحقهُ الأقدام الراكضة لهاربين كُثُر حتى اندثر ، كانت فرصتي لأن أرفع رأسي بين رؤوس مطأطئة تمشي في كل الاتجاهات كنمالٍ لا تملكُ روح النمل البناءةِ لأجد أن الشارع الذي تحول بلحظة مريبة إلى معيٍّ أعور يأوي إليه كل القتلة والمأجورين ليطلقوا من هناك قرقراتٍ لا تلزَم الجياع ولكنها ربما تسبب التهابا حادا ،وعلى كتف الطريق الملتوي كأمعاء الجياع المملقين تركت همومي تتعارك ودلفتُ إلى كافتيريا البرلمان الرشيدي ذي الثلاثمائة وخمسة وعشرين كرسياً المصفوفة بطريقة غاية في التركيز حول مقعد وحيد تدور حوله كل هذه الرؤوس الفارغة التي تصدرُ طنينا ضحاياه بالعشرات من المارّة كلما اصطدمت ببعضها لميزةٍ في هذا الطنين صُمِّمت بمواصفاتٍ عالميةٍ وبما أنني كنت الوافد الوحيد في تلك اللحظة فقد كان هذا الكرسي من نصيبي ، لم أجد حرجا في الجلوس عليه لأن جميع من كان يجلس على الثلاثمائة والخمسة والعشرين كرسيا كانوا برؤوس من يقطين قد جفّ على الأكتاف منذ زمن بعيد، لم يكن ذلك من شأني أبدا فقد كنت راغبا بقدح من الشاي الحار رغم حرارة بغداد في صيفها لذلك لم أتابع قراءة اللوحة أعلى المبنى وكان خطأي أن اكتفيت بقراءة كلمة كافتيريا وهو لاشك يوحي لي بوجود شاي رائع يشفي الصداع ولم أفكر أبدا بكلمة البرلمان ومرتاديه من رؤوس اليقطين الفارغ وهكذا وحال استقراري على الكرسي الوحيد الفارغ انهالت على رأسي موجات الطنين يصاحبُ ذلك نوعٌ من رائحةٍ مهيجةٍ للدموع فرحتُ أبكي بدموع حارة مثل أمطار في غير مواسمها وددتُ لو أنهم علموا أنني و أمثالي من مدمني الأحلام لم نكن نبغي من كافتريا البرلمان إلا الحصول على قدح شاي يزيل صداعا ألمّ بنا و إذا بنا نُمنى بطنينٍ على مفتاح الصول الكبير يصعب معه التفكير بالوقائع فضلاً عن الأحلام وكان ٍهناك نوع من جدل مريعٍ يسيلُ محولاً الآمال و الأحلام الى عفونة خالصة من كل نوع وبما إنني كما أسلفت كنت كالحصاة المنحوتة جراء تدحرجها الطويل في دهاليز الحياة ، لم احتمل عفونة هذه الرؤوس ورائحة سائلها الحريف وكان واضحًا أن هذه الكافتريا التي تزدهر برؤوس اليقطين الطنانة والتي تشبه معدة كائن كسول قد عانى مني كحصاة نحتت جدرانها الحياة فباتت ملساء يسهل انزلاقها وربما لكي لا يُصاب هذا الكائن بعسر هضم ممض لفظني إلى الشارع مرة أخرى وتجشأني هذا الشارع سريعا إلى بطن باصٍ صغير وعدتُ حصاةً إلى الغرفة ذاتها وكان محرك الديزل الضخم لمولدة الكهرباء الطارئة يدور وينفث دخانه الكثيف باتجاه نافذتي فأغلقت النافذة بإحكام وتركت شجرة النارنج المحتضرة تكمل احتضارها على مهل وانشغلت بتنظيف ما علق بي من طنينٍ وسائل ٍ ذي مذاقٍ حريف ولملمتُ أحلامي المبعثرة فوق سريري ودثرتها جيدا وتساءلت إلى أين تذهب مخلفات هذه الرؤوس اليقطينية ، فكرتُ أنها ربما تفضي الى النهر الذي أصبح زيتوني اللون برائحة مخجلةٍ و يميل إلى دكنةٍ مريبة .

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار