الرئيسية / الاخبار / نوري الراوي قلبهُ الطاعن بالعشق .. يبوح بسر خلود المدينة العراقية قراءة في تجربة الفنان العراقي الكبير نوري الراوي …

نوري الراوي قلبهُ الطاعن بالعشق .. يبوح بسر خلود المدينة العراقية قراءة في تجربة الفنان العراقي الكبير نوري الراوي …

سلمان الواسطي  /////

 

 

 

الأبداع مساحة مفتوحة لايحدها حد , مهما أتسعت ومهما بلغت في طيها للمسافات التي تشتعل فيها حرائق المبدعين .. أنهم يشعلون الحرائق في غابات أرواحهم التي لاتستقر إلا على قلقٍ ..وحين نقترب منهم بنشوة أكتشاف ذلك المجهول الذي يسكنهم .. تتطاير شظايا النار من تلك الحرائق ليمتد أشتعالها … لكن هذه المرة في غابات أرواحنا التي تسكنها لذة أكتشاف دهشة المجهول , ولحظة كتابة النص حين ينزف وجدان المبدعبالفرح مرة وبالألم مرات أخرى ..,

السؤال الذي يراودني حين أرى المدينة تشكل عنصر متحرك زمانياً ومتغير مكانياً وفق تغير العوامل والأحداث الفاعلة في هذه المدينة أو تلك, هل هناك علاقة طقسية مقدسة بين المبدع والمدينة,يتجلى ذلك في سحرها الخلاب أو عذابها الأبدي في نصوص المبدع سوى كانت كتابية أو لونية؟

بمعنى آخر هل المدينة هي ذلك المنبع المقدس الكامن في ذات المبدع التي تعمل على أستفزاز حواسه نحو أستكشافات لم ندركها من قبل كانت ولازالت تسكنهُ وتسكننا نحن التائقين الى من يفك لغزها السحري وعذابها الشعري؟

المدينة عند الفنان الكبير نوري الراوي, هي عبارة عن عنصر مكاني يحتمل التدوين والترميز والأشارة لأبعاد نفسية وفكرية وأنسانية وأخيرا جمالية,لذلك ظلت مدينته البكر (راوة) هي المصدر الألهام المؤثر في تجربته لسنين طوال دون أن يعتريه الكلل أو الملل من المعاودة لرسمها وتدوين نصها وفق رؤيا تتغير مع تغير المراحل الفكرية والحسية والجمالية التي مرت بها تجربته الفنية طيلة هذه السنين الطوال, ذلك أن الفنان نوري الراوي كان في كل مرة يعاود فيها لرسم مدينته راوة , هو لم يكن يرسم نفس العناصر والمشاهد المكانية كما ظن البعض, الذين نظروا للوحاته من ناحية التجسيد المكاني دون الأخذ بعين الأعتبار المغزى السايكولوجية الذي يحيط بالمبدع لحظة الشروع في عملية الخلق الفني في لحظة تدوين النص البصري.

شكلت (راوة) في وجدان الفنان نوري الراوي المدينة الحالمة ,المدينة المقدسة لما تحتوية من براءة الطفولة والصِبا, والفرح الدائم الذي كان يراوده في تلك الأيام, هي أذاً مدينة الفراشات والطيور والعصافير وبلابل المحبة والسلام , هي تجمع طيف لوني من أخضرار الأشجار والأعشاب ومختلف النباتات , ومن اللون السمائي والأبيض للغيوم والسماء وهي أيضا عبارة عن تشكيل رائع لحظة الفجر وساعة الغروب حين تصبغ حمرة بقايا الشمس في ذلك الأفق الذي يسحر لب الكبير بمديات تختلف بالتأكيد عما يشعره الطفل الحالم وهو يجلس ليراقب هذا التكوين العجيب دون أن يحضر لديه أي تفسير لهذه الظاهرة الساحرة , فيحتفظ في لحظة دهشتها تلك في مخيلته لسنوات طوال,كل ذلك كان ولازال يشكل حالة بصرية تثري ذاكرة فناننا بفيض عذب عن تلك المدينة, هو يريد أن يثبت هذه الهالة العذراء لهذه المدينة , ويريد أن يبقي طفولتها من خلال الأجيال التي أتت بعدهُ بمنأى عما يحدث من خراب وموت بسبب الحروب العبثية التي تقتلع كل الذكريات الجميلة والعذبة, وتحرق كل تلك الجنان التي سحرته وسحرت غيره من رفاق الطفولة والصبا, لذلك تصبح هنا لدى الفنان حالة أشبه بالسباق المحموم بينه وبين الزمن لتثبيت كل تلك المعالم الساحرة وجمالياتها على سطح اللوحة, أنه يرسم ويدون تلك اللحظات الشعورية التي تلبَّست فيه في مرحلة التجلي الصوفي والروحي من طفولته وأن لم يدرك ذلك المعنى وقتها, ولكن أحسها وعاشها وسافرت تلك العناصر المكانية والجمالية في روحه حتى تجلى له مالم يتجلى لغيره, لذلك نستطيع أن نقسم تجربة فناننا الكبير الى أكثر من تصنيف وطور ..,

الطور الأول من تجربته نرى أن الراوي مرَّ بمرحلة التجلي الصوفي لهذه المدينة في روحه هو يرسمها بطريقة شفافة مستخدما الألوان التي تسمو بفضاء اللوحة وجوها الى ذلك, فهو يستخدم ألوان الأزرق المخضر القريب الى اللون الشذري المعروف عنه بالعرف الأجتماعي قربه ُ من طقوسنا الدينية والأجتماعية, ويستخدم اللون البنفسجي الذي يعطي للعمل عمق روحي حالم,مضافا لهما اللون الأبيض الذي يغطي القباب ببعدّها النقي, مع وجود الألوان الحيادية التي تعطي للألوان الشذري والسمائي والأزرق والبنفسجي العمق المؤثر في نفس المتلقي,مع ظهور بقع أو مربعات بالألوان الحارة كالأصفر والبرتقالي والأحمر فكانت تعطي قوة لهذه الصوفية المتلبسة بالمدينة,فكان لتعدد وتعقب المنظور في أعماله هذه القدرة الرائعة في أعطاء اللوحة ذلك الفضاء الحالم الذي يثير نشوة ومتعة المتلقي من أن هذه المدينة تطوف في فلك كوني خاص بها وله قدسيتهُ ومعناه البهي.

الطور الثاني.. هو أعتمد الفنان فيها وحدات بناء مختلفة عما تحدثنا عليه في المرحلة السابقة أي في هذه المرحلة لم يستخدم الفنان البناء الشامل للعمل معتمدا على تعدد أبعاد المنظور بوحدتية الزمانية والمكانية مع الفضاء الشامل للعمل, وأنما لجأ الفنان الى طريقة بناء جديدة وغير معهودة من قبل في الفن العراقي وهيَّ أن يبدأ بالعمل من مرتكز اللوحة ويبني وحدات العمل وعناصره بطريقة وكأنه يؤسس لوحدة بناء بيت أو زقاق بغدادي مستعيناً بعناصر تكوينية سغيرة كالأبواب والشبابيك والأقواس والمربعات والمثلثات أضافة الى تموجات اللونية للألوان الحارة والباردة مع هيمنة محيطية للألوان الحيادية كالأسود والأبيض والرمادي, هذه الطريقة في البناء كانت تعطي للعمل هيمنة في وعي المتلقي وهو يذهب ببصره الى مرتكز العمل المحاط بالفراغ السلبي وهو المساحة البيضاء المتروكة التي تحيط بالمساحة الملونة, الجانب الآخر لهذه المرحلة هو ترافق الكتابة الشعرية مع هذه الأعمال في أعتقادي أن الكتابة الشعرية التي يكتبها الفنان نفسه وهو شاعر أيضا, وأحيانا يستعين بنصوص لشعراء آخرين كالبياتي والحلاج وجلال الدين الرومي أستطيع أن أقول أنها عوضت الجانب الذي تخلى عنه ُ في هذه المرحلة وهو الذي أستخدمه في الطور الأول وهو سيادة الألوان الشفافة التي تعطي للعمل عمق روحي مع تعدد المنظور.

الكتابة الشعرية أعطت لهذه الأعمال أضافة الى البعد الروحي, أعطت لها بعد جمالي بسبب البنية التكوينية لرسم الحرف العربي فتعطي مجتمعةً شكل جمالي رائع, الشيء الآخر نشعر أن الفنان كان يريد أن يحيط مدينته وأن كانت في هذه المرحلة ليس هي (راوة) بذاتها قد تكون هي بغداد التي أنتمى إليها بعد الدراسة والعمل فيها ولاشك أن بغداد كان فيها شيء من الأمتداد لذلك الفضاء الصوفي والتركيب الجمالي الذي أفتقدهُ الشاعر حين رحل عن مدينته الأم (راوة), لأن التركيب البنائي في هذه المدن هو أقرب لمدن بغداد القديمة كالأعظمية والكاظمية والصالحية وغيرها, خصوصا وجود في أعماله المثلثات الملونة بالألوان الباردة والحارة وهذا مانجده في بيوت بغداد القديمة,أذاً نستطيع أن نقول أن الراوي في هذه المرحلة جعل من فضاء بغداد ببعديها الزماني والمكاني أمتداد لمدينته البكر الأولى, وحرصا من أن تصاب هذه المدينة بأي أذى أو مكروه جعل على جانبيها سياج من الشعر والكلمات وفي وسطها يضع آيات من القران الكريم وكأنه يضع حولها التعاويذ والطلاسم,ونجد الطيور تقف بوداعة عشقية على أطراف مبانيها وكأنها تعلن عن وداعة المدينة.

الطور الثالث.. في تجربة فناننا الكبير نوري الراوي,نجد تأثير حالة الدمار وخراب الأرض وحالة الممانعة التي تبديه المدينة ظاهرة في أعماله منذ بدأ الحروب العبثية منذ سنة 1980 وصولا الى عام 2003 وما تلّى ذلك من أحداث تعبث بجمالية المدينة ووجها الباسم,لذلك نجد بناءه للعمل الفني أختلف عن المرحلتين السابقتين حين لجأ الى أدخال بعض من قطع القماش الخشنة التي تتنوع خشونتها من مكان للآخر داخل اللوحة وأدخل قصصات ورقية الخشنة مثل (ورق الكارتون المتعدد الخشونة) والناعمة مستعينا أحيانا ببعض صور الجرائد أو المجلات وحسب التوظيف الذي كان يلبي النص المدون في العمل, وأحيانا نجدهُ مستخدما بعض قطع الحديد كالمفاتيح والمسامير أو يستخدم القطع الخشبية أو يلجأ الى بعض العجائن ليصنع منها شيء أشبه بالألم أو الوجع الذي تبوحه لوحاته .., أذاً هذه المرحلة تتطلب تقنية تعمل على سطح اللوحة ذلك الفعل المؤثر المحاكي أو الذي يعكس قوة الحدث الموجودة على أرض الواقع, لذلك تجد أن جماليات مدينته البكر (راوة) قد تراجع الى الخلف ولم يبقَّ مايشير إليها في بعض الأعمال سوى القباب البيضاء لكنها ليست ناصعت البياض كما شهدنا ذلك من قبل في المرحلة الأولى أو الثانية التي تحدثنا فيهما عن الأعمال السابقة, وذلك يعود الى قوة الفعل السلبي أو الأثم الذي حدث على هذه الأرض,هناك حالة من الأحتراق والعبث السلوكي يجتر بوداعة المدينة, لذلك تجد أن الألوان الحارة قد برزت بقوة في هذه الأعمال لأن فضاء هذه الأعمال مشحون بكم هائل من الحركة والفعل الأدرامتيكي للاحداث,فتجد في أحد الأعمال تتوسط كلمة (لا) للدلالة على قوة الممانعة والتصدي الذي تبديه المدينة وروح الفنان الهائمة في سماء مدينته البكر الحالمة (راوة) أو بقية المدن وأخصها مدينة (بغداد) لهذا الفعل الذي يحاول أن يجردها من نقاءها وطهرها وكبريائها, وبسبب ذلك نجد في أحد الأعمال أن الحالة السايكولوجية للنص المدون قد أثرت في حالة الأنفعالية للفنان لحظة الخلق الفني للعمل, وهذا بدوره أعطى للعمل ذلك البوح المؤثر الذي يأسر المتلقي,وفي نفس الوقت نجد أن هذه الأعمال تتوسطها وجوه هي وجوه غير كاملة التكوين لكن ملامحها الرئيسية موجودة, وهي وجوه نساء وكأن الراوي يريد أن يخلق المعادل الجمالي بين وجه المدينة من جهة ووجه المرأة من جهة أخرى.

المرأة لدى الراوي كانت ولازالت ذلك الكائن الآسر المستحوذ على عناصر الجمالية في هذا الكون وهي رفيقة الوداعة والطهر والجمال, لذلك كانت المرأة لاتفارق أعمال الراوي على أمتداد تجربته الرائعة هي ذلك الوجه الآسر الذي يظهر مرات عدة في سماء مدينة (راوة) ليزيد من بهاءها ونقاءها, كما نجد ذلك في اكثر من عمل لهُ,وهي ذلك الكائن الوجودي الأسطوري الذي يعطي للمدينة سر الخلود كما كان الطائر يبشر بذلك وهو يرافق المرأة في هذه الأعمال.

كان الفنان نوري الراوي وسيبقى هو وتجربته الممتدة لأكثر خمسين عاما السر الجمالي وذلك الطهر النقي الذي يبوح لنا سر خلود المدينة وبقاءها بهذا الجمال العابق الساحر كما في مدينة راوة , وبغداد وباقي مدن العراق, هو لايرسم المدينة وتكرارها كما يعتقد البعض وأنما في كل لوحة هو يعنون لمرحلة ويدون النص الذي يحكي قصة ويروي حكاية تلك الحقبة الزمنية من عمر هذه المدينة أو تلك, هو يدون الهامش والمتن للفعل السلبي والقبح السلوكي مرة, وأخرى يدون الروح الجمالية لأنسانية الأنسان الذي ترتقي المدينة به في أحلى حقبها التاريخية حتى يسمو بها الى حالة الوجد الصوفي الآسر المنطلق الى أقصى أعماق الخلق الجمالي, أذاً هو سحرتهُ مدينة (راوة) من حيث لايدري وأطلق ذلك العنان لقلبه الطاعن بالعشق أن يبوح بسر خلود مدن العراق جميعاً.

فينكس – أريزونا

1692012

 

 

سلمان الواسطي

عن مؤسسة النور للثقافة والاعلام

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار