الرئيسية / كتابات / تحديث النص الشعري في “وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي” – – وكالة ذي قار

تحديث النص الشعري في “وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي” – – وكالة ذي قار

يوسف عبود جويعد

الأدوات والعناصر الفنية، والتراكيب السيميائية، والخبرة الطويلة في مجال صناعة النص النثري الشعري الحديث، والغربة، الوحدة، الحنين الى الوطن، الطفولة، فقد الأم والاب، اللغة العراقية المحببة، الشعر الشعبي الذي دخل ضمن بنية النص، الحبيب المجهول، استغاثة الأنثى، الحروب التي أجهزت على الامن والامان والسلام، وخلفت القلق الخوف الرعب الضياع الهروب فقدان الاعزاء، كل هذه التراكيب الفنية وغيرها امتزجت وتفاعلت وانصهرت في بوتقة الحس الشعري المرهف.

ومن هنا تمت عملية التشكيل والتكوين لبناء النص الشعري للشاعرة فليحة حسن في مجموعتها الشعرية (وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي)، وقد عمدت الشاعرة في عملية الانتقال الى عالم الحداثة  والابتعاد عن العنوان الذي هو العتبة النصية الموازية لمبنى النص الشعري، واختارت أن يكون عنوان كل قصيدة من قلبها، من أول سطر فيها ومن مستهلها ومدخلها، وبهذا استطاعت أن تتخلص من تداعيات ما يحدثه العنوان من إشكالات كثيرة قد تصب في توضيح متن النص، أو ينحرف في اتجاهات اخرى، إضافة لذلك فإن المتلقي سيكون متصلاً ومتابعاً له دون أن يشغله شاغل آخر.

كما نجد في بناء النص النثري الشعري للشاعرة فليحة حسن، هذا التدفق الخصب في الوان متجانسة ومتداخلة من تلك العناصر دون تكلف وبكل تلقائية وحرية تامة، واستطاعت أن تستخدم النص الصامت ليكون بديلاً عن تداعيات وافكار تريدها مضمرة داخل النص وتترك المتلقي أن يفسرها على هواه، وتبقى هي تحتفظ بما يحتويه هذا النص الصامت من صور شاءت أن لا تزحم المتلقي فيها، وكذلك استطاعت ايضاً أن تدخل التناصات التي تفرضها طبيعة بعض الثيم والافكار في عملية بناء النص الشعري، كما هو الحال في قصيدة (ستالين غراد) والتي نستحضر فيها تلك المجزرة التي حدثت بين الروس والالمان في معركة استمرت ستة اشهر خلفت وراءها مليون قتيل:

في اللحظات الكنتُ أمدُّ حناناً

صوب الغابات المزروعة من أجلي وحدي

أمسدها حلماً

أشم وجيب الكامن بين الاضلاع في الرحلة

يدعوني

ينبض يعلّمه فيّ

أسمع أصوات دخان متروك من لحظة هم

ينحاز اليّ

ثم نكون مع قصيدة (سيئة) التي ابت الا أن تكون حاضرة في وسط الحروب وتتواطأ مع الموت وتلتصق مع الجنود في خوفهم وقلقهم:

وتشذب جسدها من الدلالات لتكوّن معتدلة الحضور

تختصر كل هذا الضياع، الظلام، الحرق، التحطيم، اسلحة الكيمياوي، اليافطات السود، التوابيت، السلخ، الترّميل، الحرمان، اليتم، منع التجوال، صافرات الإنذار، الاختناقات، الأسلاك الشائكة، الكرّه، الفقر، العجّز، التلاشي، المرض، التعويق، الغضب، آثار الدبابات، أزيز الطائرات، فقدان الأمل، الجوع، العطش، السهر، الانفجارات، القتل، الترويع، الدم المسفوك على الارصفة، الضجيج، الانصهار، الرّماد، التهجير، الخواء، تفحم الجثث، المقابر، التوابيت، التفخيخ، التشظي، الفزع، الصراخ، النواح،اللطم……

أن في هذه الصورة الشعرية المتدفقة الخصبة وكثافتها، ودلالاتها الكبيرة، والايحائية السيميائية التي تشير الى الحرب وادواتها وخيباتها واضرارها وخوفها دليل على تضمينها الحس الشعري.

وفي قصيدة (احتفلوا بشدة معي!) والتي كما اشرنا سابقاً في الغاء العنوان وتبديله بمدخل النص الشعري، تقدم لنا رؤية فنية للاحتفاء بالميلاد لكنها لاتشبه الاعياد الاخرى، كونها في بداية النص تتهيأ لتقديم الدعوات للكثير، ثم تفكر باعداد الكعكة، مع مرافقة  نص صامت مضمر بين أنساقه لكنها تحس بانها لا تقوى على القيام بذلك:

من سيعد الكعك لهم وأنا أشكو (الروماتيزم)

وجسدي لايقوى الحركة؟!

ولو حتى فعلتُ

ماذا أضيف لها؟!

وطبيبي يمنعني السكّر

والزيت؟

ومن سيعد عصير التفاح وقد نفد من أيام عندي؟

والبالونات من سينسقها

يرفعها للسقف هنا؟

و….و….و….يوه….تعبتْ

قررت أنا المدعوة (ف)

أن احتفل اليوم بنفسي

لذا سأعانق وجه الحاسوب

وأنام!

وفي قصيدة (عد لنكره القمر مثلما كنا معاً) وهي تقدم لنا صراعاً بين الحب والحرب:

بين حربين أتيت

توسطتهم

وأشعلت ناراً لحب جديد

وصرنا ونزعنا بين شمسين

واحدة لي

واخرى لعينيك حين تغيب الدروب

ولسنا أختلفنا

إلا على الراء

حين تريد التوسط

بين حاء وباء

وفي قصيدة (آهة) التي تقدم لنا القصيدة النثرية المختزلة القصيرة، نكون مع الحبيبة التي لا ترى سوى حبيبها بدونه يكون العمى والخرس:

مقدمة:

أحب الحمامةُ

تنوح وحيدةٌ

وأكره فيها

تُباع وتَرجع.

القصيدة:

لحظة بلا صوتك

منتهى الخرس

لحظة بلا رؤيتك

منتهى العمى

لحظة لا أنت

منتهى العدمية

ولكن………….

أتموت من البرد؟

أموت من حفنة برد

وكذبة!

وفي قصيدتها المطولة (إحتراقات) تزيح الشاعرة الرماد عن الشرر المتوهج ليتطاير بكل الاتجاهات رؤية مضيئة مشتعلة ملتهبة تطوف في كل الاروقة وتستخدم كل الادوات المتاحة من أجل ان تكون محترقة تحيطها النيران من كل جانب، وهي نسيج متجانس من القصيدة النثرية والشعر الشعبي، والتناص، والرموز والانزياحات الكبيرة والاستعارات المتوهجة، تدفق بخيال خصب:

واغادرك صحوة

لأقول:

(أنت ليش أصير بسكوتك أمير

وآني من لفظة شفاهك تنشتل ورداتي؟

آني ارضة انعكد بدروبك أسير

بس تواسيني وتلم دمعاتي)

كم تعيس أن

يشتهينا الحب

ولا نجد عمراً شرعياً

لنصارح بعضنا به

عاشقين،،

وهكذا تنطلق الشاعرة في إحتراقاتهاومشاعرها المتوهجة، وفي موطن آخر من القصيدة نجد:

وفي رواية اخرى قيل:

امتنع(العالم بقضاء الله) عن الفرح لدهور عدة

واخذ يتسولنا غيمات دموع

وقيل بأن الرايات المرفوعة فوق رؤوس الاشهاد

ما زالت نائحة بحروف مرة:

( الى أول الأمس كنا صغاراً

ونلعب في العصر جر الحبال

ولما نعي سيأتي ظلام

وان الحروب

تحوك وراء السواتر حبلاً من الدم لتلعب فيه جرّ الرجال)

وفي قصيدة (لنقل انها شجرة!) تقدم لنا الشاعرة مناجات بينها وبين الام والغياب والوحدة والغربة:

ماأرسمه الآن ليس ظلاً

السحابة احتطبت  أيامي المدخرات

وكلّ الذين عرفتهم صعقوا بالغياب

تمادت العاصفة أكثر مما يجب

بالأمس تحدثت الى أمي

مددتُ يدي ليلاً وأزحت عنها ستارة النوم

– انفرطت حبات الرمان!

ردتْ : ستبقى واحدة، ولن تنتهي في فم ديك، منها سيولد

الكثير

أخاف قلت لها

تعجبت : – شاعرة وتخافين؟!

وتشاكس الشاعرة القصيدة والحبيب بلغة شعرية رقيقة في قصيدة (لو كنت شاعرة):

لتسللت إليك من ثغرات (النت)

لففتك بقصيدة نثر لا تعرف فن الايجاز

وأنمتك تحت غطاء سريري

بهدوء!

فإذا ما راودني الحب

واشتعلت

مسامات الروح حنيناً

مددت أصابع كفي نحوك

وصرتُ أداعب كلمات النصّ

حرفاً.حرفاً

وفي قصيدة (مو) تستخدم الشاعرة هذه المفردة التي نستخدمها في لغتنا العامية الدارجة لتكون فضاء للنص:

هناك صباحاً

رأيتك تجلس بصمت الحديقة

وتقرأ سراً كتاب الهوى

وحين دنوت بصمتي اليك

دهشت لمرأيّ

تخيلتني قصتك

مو

وهكذا تتردد هذه المفردة في القصيدة في كل نهاية مقطع منها

وبعد هذه الرحلة لنماذج اخترتها من مجموعة الشاعرة فليحة حسن (وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي)، نكتشف بأن الشعر ليس إيغالاً في الغموض والابهام، ولا بانتقاء المفردة الإنزياحية الثقيلة، فأحياناً تكون المفردة المبسطة التي تتلاءم وسياق النص أكثر تعبيراً وأكثر شاعرية، وتدخل للقلب دون جواز مرور، وأن الشاعرة وضعت خبرتها الطويلة وتجربتها لتقدم لنا قصائد نثرية شعرية مضاءة من كل الاتجاهات وتحمل دلالات رمزية عالية، وإشارات سيميائية وعناصر اخرى استطاعت ان توظفها في مبنى النص الشعري، من أجل الارتقاء بذائقة المتلقي نحو السمو محلقاً بهذا الفضاء الشعري الرحب.




عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين