الرئيسية / كتابات / نصنع آلهتنا المتوهمة بأيدينا.. والفكر العربي النخبوي أقرب للفكر الأسطوري- وكالة ذي قار

نصنع آلهتنا المتوهمة بأيدينا.. والفكر العربي النخبوي أقرب للفكر الأسطوري- وكالة ذي قار







د.حاتم الجوهري:

حاورته : آية ياسر

هو شاعر ومترجم وباحث من أهم الكوادر العلمية في الوسط الثقافي المصري والعربي، صدرت له الكثير من المؤلفات التي فاز بعضها بجوائز مهمة كان آخرها جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية فرع الشباب عن ترجمة كتاب “تأملات في المسألة اليهودية” لجان بول سارتر الصادر عن دار روافد للنشر 2016، كما حصل على جائزة ساويرس في النقد الأدبي 2014 عن كتابه “خرافة التقدمية في الأدب الاسرائيلي “.
انه الدكتور”حاتم الجوهري” صاحب ديوان “الطازجون مهما حدث” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتاب “سيكولوجية الصراع السياسي” الصادر عن دار العين للنشر وحول تجربته الشعرية وترجماته ومؤلفاته العلمية كان لنا معه هذا الحوار:

ــ مع اقتراب حلول الذكرى السنوية لوفاة محمود درويش الـ 12 (8 أغسطس 2008)، التي تحل بعد عيد الأضحى مباشرة، ما رأيك في الهوجة الأخيرة هذا العام التي تعلقت به وابنته غير الشرعية، وهل مازال درويش حاضرا في الثقافة العربية، وهل هناك المزيد من الممكن كشفه في عالمه الشعري والثقافي بتناقضاته وتحولاته الكثيرة؟
بداية؛ هناك في مصر وربما العالم العربي مواسم تنشط فيه بعض الأشياء بـ”صورها النمطية” وقوالبها الجاهزة، وما يشبه الحمى النفسية الجماعية التي قد تصيب البعض سنويا أو تنشط مع بعض الأحداث، منها مثلا موسم الليبرالية المتطرفة وبناء شواهد قبور بطولية ونضالية لكل ما هو مخالف لطبائع الأشياء مثل: شذوذ الميل الجنسي، أو الانجاب العرفي خارج مؤسسة الزواج الرسمي وصب اللعنة على طرف دون طرف، كأنها لم تكن اتفاق واضح ومسبق بين شريكين، كسره أحدهما لأنه يريد تعديل شروط الاتفاق بمفرده!
وهناك مواسم أخرى يمكن تسميتها مواسم “لطم الصدور” وجلد الذات ومناحة “الجماعة المصرية” ونخبتها السياسية، وتكون سنويا مع هزيمة عام 1967م مثلا وذكرى الوحدة مع سوريا عند البعض، وعند البعض الآخر قد تكون ذكرى انفصال مصر عن السودان، وميلاد ووفاة آخر الملك فاروق آخر ملوك مصر سليل محمد علي.
وهناك أيضا مواسم للمزايدة السنوية كما في ذكرى وفاة بعض الشخصيات العربية أو عند اقتربها، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوع يخالف التراكم والتواتر المصري والعربي السياسي ورديفه الثقافي، تجاه الصورة الذهنية لهذه الشخصيات، دون تدقيق علمي بقوم به الباحثون المتخصصون في المسألة من جانبهم، ولا تحقيقات استقصائية معمقة – يفتقدها المشهد المصري والعربي بشدة – تقوم بها الصحافة الثقافية لتدقق فيما تردد، ويأتي في هذه الفئة موضوع وجود ابنة غير شرعية لمحمود درويش، في موجة جديدة من المزايدة الاستقطابية معه وضده.

ــ كيف تنظر أنت لمحمود درويش بصفتك باحثا في الأدب العربي والأدب العبري، ومبدعا تكتب الشعر بالأساس، وهل كان لك صلة أكاديمية أو بحثية به وبإنتاجه الشعري؟
سأخبرك بسر أذيعه للمرة الأولى؛ محمود درويش كان سببا في أنني نقلت تسجيلي للدكتوراه من جامعة إلى جامعة أخرى بمصر، منذ عقد كامل من الزمن وبعد أن حصلت على الماجستير بتفوق في رسالة طبعت بعنوان “خرافة الأدب الصهيوني التقدمي” وصفها البعض بأنها نقلة معرفية في تخصص الأدب العبري من حيث المصادر والمنهج والنتائج وتأثيرها المركزي المستمر، أردت أن تكون رسالتي للدكتوراه مقارنة بين أدب المقاومة وأدب الاحتلال من حيث المداخل والمخارج وعناصر التأثير والتأثر المتبادلة، واخترت محمود درويش نموذجا لرسالتي مقارنة بشاعر عبري آخر تراوح بين يهودا عميحاي ودافيد أفيدان، أردت أن أستكشف نماذج جديدة بعيدا عمن يستحق دور الشاعر الذي اتخذته نموذجا لرسالة الماجستير، لكن الأمر قوبل برفض شديد وصراع إداري حامي الوطيس بين الأقسام العلمية، لرفض البعض أن يتناول تخصص اللغة العبرية جانب الأدب المقارن.
إنما شجعني أحد الأساتذة –رحمه الله عليه- على الانتقال وتسجيل موضوع المقارنة الأدبية في كلية الآداب بجامعة عين شمس، لكن الأمور لا تسير دائما وفق الأمنيات، قوبل الموضوع بالرفض مجددا والتعنت الشديد، ولم يستطع رحمة الله عليه تمريره في القسم، واستقر الأمر على تناولي لفكرة جديدة تبحث في ظهور تيار العدمية في الأدب الصهيوني وجذوره الثقافية والفكرية، لكن بعد ذلك تم فتح الباب للدراسات المقارنة، إنما مع توجه شكلاني ظاهري ما بعد حداثي يفتقد لمهارت التأسيس والبحث عن الجذور الثقافية في الأدب العربي، ومقارنته بالأدب العبري أو الصهيوني، حيث قصر البعض نفسه على دراسة أساليب الأدب والشعر، واعتبر أن تناول المضامين الأدبية والأنساق الثقافية للشعر العربي والصهيوني هو نوع من الأيديولوجيا! دون حتى أن يكلف نفسه عناء تعريف ما الأيديولوجيا!؟ لتخرج الدراسات مرتبكة معرفيا، وتحاول مغازلة طبقة ثقافية معينة في مصر والعالم العربي، طبقة أصيبت باليأس بعد هزيمة المشروع العربي القومي في الستينيات، وأنتجت تيارا أدبيا منذ السبعينيات وتطور في التسعينيات يقوم على أفكار التحلل من القيم الكبرى وسردياتها، والتخلي عن طموح الجماعة العربية والمصرية في استعادة الذات، وأصبحت تيارا تابعا للمركزية الأوربية يردد مقولات ما بعد الحداثة عن الفصل بين الفن وآلياته، وبين مضمونه والمقولات التي يحملها.

ــ في رأيك؛ ما السر الذي قد يحمله عالم محمود درويش الشعري، بعيدا عن المواضيع الشخصية، وما سر الارتباك والخلط في فهم الموقف الشعري والوجودي والمعرفي عموما لمحمود درويش عند البعض حتى الآن؟
سأجيبك بسر ربما يتهرب منه الجميع ويخشى مواجهته وفهم تاريخه وسياقه، وقد يحاول البعض غض الطرف عنه لأسباب أيديولوجية أو ثقافية عامة تتعلق بمناقشة المستقر عليه والأفكار السائدة المقدسة/ التابو، ما لم يقف عليه بعض الباحثين في الدراسات العبرية والعربية – وظل بعيدا عن وعي النخبة العربية حتى اللحظة، هو علاقة محمود درويش بتيار “الصهيونية الماركسية”، وعلاقة الصهيونية الماركسية كتيار رئيسي في الحركة الصهيونية بنشأة اليسار الفلسطيني المبكر في الربع الأول من القرن الماضي، قولا واحدا اليسار الفلسطيني المبكر في بدايات القرن الماضي، أنشأ كوادره اليسار الصهيوني على أفكار “الصهيونية الماركسية”، عن وطن يجمع يهود أوربا وعرب فلسطينيين معا تحت شعارات دولة بوليتارية تشارك في النضال العالمي ضد الرأسمالية، وأكد “لينين” على المشروع وباركه وفق مجموعة من الاشتراطات في اجتماعات الكومينترن (المنظمة الشيوعية العالمية آنذاك)، ثم تطور الوعي الفلسطيني اليساري بدرجات متفاوتة وصلت لحد المقاومة المسلحة، وتفاوتت ما بين الانشقاق السياسي عن أحزاب الصهيونية الماركسية، أو البقاء داخلها والنضال من أجل إصلاحها..
محمود درويش كان اختياره متشددا –لسماته الشخصية- حيث هجر الفكر العمالي “الصهيوني الماركسي” العابر للقوميات النافي للهوية، وتبنى الفكرة القومية وهويتها العربية وهاجر خارج فلسطين المحتلة، لكن ظلت بعض التناقضات المضمرة كامنة وموجودة في شخصيته، وانعكست بالطبع على اختياراته الشعرية (كمضمون) وأسلوبه الشعري (كشكل)، على مستوى المضمون ظل درويش متأرجحا بين الطرح العابر للقوميات الذي يميل لفكرة الإنسانيات المشتركة عموما كتطوير منه لفكرة التنميط الماركسية ورفضها للتمايز الثقافي والهوياتي، وبين الطرح القومي العربي (الذي كانت إحدى أبرز تمثلاته قصيدة “سجل أنا عربي”) أيضا كرد فعل على تيقنه من فشل وتشوه مشروع الأيديولوجيا الماركسية في طبعته الصهيونية، ولقد كتبت مقالات نقدية عددية ومتنوعة في درويش وفي اليسار الفلسطيني، كما تناولت الموضوع أكاديميا في دراستي للماجستير التي نشرت في طبعتين، مرة بعنوان “خرافة الأدب الصهيوني التقدمي”، ومرة بعنوان” خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي”، وحصلت على جائزة ساويرس في النقد الأدبي في دورتها الأولى عام 2014م.

*مقطع من حوار طويل









مقالات ذات صلة







عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين