الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / الطاقة المتجددة: مزايا وعيوب الطاقة التي توفرها السدود التي تقام على الأنهار-وكالة ذي قار

الطاقة المتجددة: مزايا وعيوب الطاقة التي توفرها السدود التي تقام على الأنهار-وكالة ذي قار

مصدر الصورة
GETTY IMAGES

Image caption

التغييرات المفاجئة في الضغط يمكن أن تقتل الأسماك التي تمر عبر السدود التقليدية

بات العالم الآن يعتمد على طاقة المياه كأحد أهم مصادر الطاقة المتجددة، أكثر من طاقة الرياح أو طاقة الشمس، وقد سجلت قوة الطاقة الكهرومائية في العالم العام الماضي مستوى غير مسبوق بلغ 1,308 غيغاوات.

وتعتمد المرافق في جميع أنحاء العالم على الطاقة المائية لتوليد الكهرباء، نظرا لقلة تكلفتها وسهولة تخزينها وتوزيعها ولكونها تنتج بدون احتراق للوقود، الأمر الذي يعني أنها لا تطلق ثاني أكسيد الكربون أو ملوثات كما يحدث بالنسبة لمحطات توليد الكهرباء التي تحرق الوقود الأحفوري مثل الفحم أو الغاز الطبيعي.

لكن كما هو الحال مع مصادر الطاقة الأخرى، لا تخلو الطاقة الكهرومائية من تكلفة على البيئة، فعلاوة على تأثيرها البيئي المتمثل في سد وتحويل الممرات المائية الضخمة، يمكن للطاقة الكهرومائية أن تسبب أضرارا كبيرة للأجناس والأنواع المائية المختلفة، ونظامها البيئي.

فغالبية المساقط المائية في شتى أرجاء العالم، التي تعمل بعضها في توليد الطاقة منذ أكثر من قرن، قد تدهورت بشكل كبير بسبب الممرات المائية الملوثة والتكنولوجية القديمة، وغالبا تكون الخزانات التقليدية عبارة عن مسطحات مائية راكدة، لذا تعد موقعا لتكاثر الطحالب الضارة، التي تكون سامة للبشر والأسماك والقواقع البحرية والطيور والثدييات المائية.

وفضلا عن تغييرها الجذري لمجرى الماء يمكن للسدود المائية الضخمة أن تكون مناطق نفوق للأسماك لأن شفرات التوربينات التي تدور بسرعة فائقة تؤدي إلى تقطيعها، فإذا تمكنت الأسماك من تجاوز شفرات التوربينات فإن التغير المفاجئ في الضغط يمكن أن يؤدي إلى قتل الأسماك.

والسؤال هو: هل من الممكن توليد طاقة نظيفة متجددة من الأنهار، وفي ذات الوقت ترميم الحياة البرية والبيئة بشكل عام؟

يعكف المهندسون على تغيير مستقبل الطاقة الكهرومائية من خلال توربينات آمنة بالنسبة للأسماك، فقد أجرت شركة “ناتيل إنيرجي” في كاليفورنيا شراكة مع شركة “بريك ثرو انيرجي فينشرز” للاستثمار، المملوكة لمؤسس شركة ميكروسوفت، بيل غيتس، لابتكار توربينات ممسوحة الحواف تعزز فرص نجاة الأسماك. ويهدف توربين “ناتيل” فضلا عن إنقاذ السمك إلى خلق طاقة كهرومائية مرنة مناخيا يمكنها الصمود أمام تقلبات هطول الأمطار غير المتوقع.

صديقة للحياة البرية

يقول آبى شنايدر، المسئول عن التكنولوجيا في “ناتيل” والمهندس الميكانيكي بالشركة: “التحدي الذي نتعامل معه هو كيفية تسخير المزايا العظيمة للطاقة المائية كمورد للطاقة المتجددة، من حيث مدى الاعتماد عليها وإمكانية توزيعها بسرعة وفي نفس الوقت خفض التأثير البيئي والتكلفة المالية”.

ويضيف: “هذا بالضبط ما تفعله التوربينات المدمجة عالية الأداء والآمنة بالنسبة للأسماك عندما تتوفر معلومات أفضل عن حجم وتوقيت تدفق كميات المياه. الحل بكامله يعمل على إيجاد نظام حديث للطاقة الكهرومائية”.

تعمل محطات توليد الطاقة الكهرومائية التقليدية عن طريق تسخير قوة وضغط المياه المتدفقة من نقطة أعلى إلى نقطة أسفل عبر مجاري ضيقة، أو فتحات في السد.

مصدر الصورة
GETTY IMAGES

Image caption

استخدمت شركة “ناتيل إنرجي” توربينات أكثر صداقة لنظام البيئة المائية الأوسع في الولايات المتحدة

كما توجد توربينات أسفل المجرى المائي، والتي يدفعها الماء للدوران حتى تولد طاقة يمكن إرسالها إلى البيوت والمؤسسات التجارية، لكن هذه الفتحات والممرات الضيقة في السدود هي أيضا الممر الرئيسي للأسماك المهاجرة مثل السلمون أو سمك الثعبان، والتي يمكن أن تحتجز أو تحشر في شفرات التوربين الرقيقة والحادة.

وعلى النقيض من ذلك، يستخدم توربين “ناتيل” شفرات سميكة منحنية، ونظرا لطبيعة تصميمها، يمكن لهذه التوربينات مضاعفة سرعات حركات الدفع المسموح بها، مفسحا المجال لوجود توربينات أصغر حجما نوعا ما، وأقل تكلفة تتيح المرور الآمن للأسماك المهاجرة.

ويعني الشكل المروحي، (بدلا من القضبان التي تخرج مباشرة من مركز التوربين)، أن شفرات التوربين تقوم بحركة دفع خاطفة بدلا من الحركة التي تشبه ضربة السكين.

ويقول شنايدر: “من ناحية هندسية، تخلق الشفرة السميكة منطقة ضغط تساعد على إبعاد المادة عن مسارها، ما يشبه تقريبا الوسادة الهوائية للسمك، وهكذا يكون التأثير عند حده الأدنى”.

يوضح هذا التصميم أيضا الحاجة إلى “حامل قمامة”، وهو في العادة شاشة رقيقة تستخدم لاصطياد وحجز الركام والأنقاض على المدخل المؤدي إلى التوربين، وغالبا ما يتم تركيبها لإبعاد الأسماك الصغيرة عن الماكينات.

التكيف مع المناخ

أسس آبي شنايدر شركة “ناتيل إنيرجي” بالتعاون مع شقيقته غيا شنايدر، التي تعمل أيضا مهندسة ومديرة تنفيذية للشركة، وأدركا معا أن النهج التقليدي لتوليد الطاقة الكهرومائية لا يتلاءم مع الظروف الحديثة، لأن أنماط الطقس وهطول المطر ذاتها تتغير.

وفي الوقت الذي تهدد فيه الفيضانات أو الجفاف الشديد مناطق على امتداد العالم ويؤدي التغير المناخي إلى أنماط طقس غير معتادة، يمكن للطاقة الكهرومائية كما تتخيلها شركة “ناتيل” أن تجعل من المساقط المائية أكثر قابلية للتكيف مع البيئة.

وتقول غيا مفسرة ذلك: “التغير المناخي هو تغير مائي، وقد رأينا فرصة لإعادة التفكير في مرافق ومعدات الطاقة المائية انطلاقا من تقنيات الهندسة المدنية والهندسة البيئية، وذلك باستخدام توربينات آمنة للأسماك، تعتمد على تقنيات التعلم الآلي، وصور الأقمار الصناعية”.

إن التنوع الشاسع في المناخ بين عام وآخر، والهطول غير المتوقع للأمطار، من بين الأمور التي ستجعل التوصل لحلول إبداعية أمرا أكثر إلحاحا.

فإذا وضعت هذه الحلول بطريقة مستدامة فإن الطاقة الكهرومائية يمكن أن تكون بمثابة مصدر وقود صديق للبيئة، فضلا عن فوائد مصاحبة مثل التحكم في الفيضانات، وطرق الري، وإمدادات المياه، والحد من الجفاف.

وتوربين “ناتيل” مزود بتكنولوجيا قمر صناعي تتيح لمشغلي محطة توليد الطاقة الكهرومائية رصد الظروف المتغيرة لمساقط المياه، مثل ذوبان الثليج، وتوقع تدفق المياه بطريقة أكثر دقة.

مصدر الصورة
GETTY IMAGES

Image caption

تقوم القنادس بإنشاء سدود تجعل مياه الأنهار تتدفق مما يساعد على إعادة ري المنطقة

وبينما تتغير الظروف على الأرض، تستخدم هذه البرمجية التعلم الآلي لتكوين نماذج فورية للمناظر الطبيعية المحيطة، والتي تساعد في المقابل على إعطاء توقعات أكثر دقة عن أوضاع المياه.

يقول ستيفن أمارال، عالم بيولوجيا مصائد الأسماك في شركة مختبرات “ألدين” البحثية في ماساتشوسيتس: “المفهوم والفكرة في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبل الطاقة الكهرومائية لأنها تقدم بديلا بيئيا مستداما لأنظمة الطاقة الكهرومائية الأكثر تقليدية”.

وتعمل مختبرات “ألدين” على حل المشاكل الهندسية والبيئية المتعلقة بتدفقات المياه في القطاعات الصناعية، واستطاعت الشركة العام الماضي إجراء سلسلة من الاختبارات على حركات دفع الشفرات، واستخدمت أداة صممت خصيصا مكنتهم من تعريض بعض الأسماك بعد تخديرها لسرعات وحسابات هندسية مختلفة تتعلق بشفرات التوربينات.

ويقول أمارال: “أحدث اختبارات أجريناها كانت على توربينات ناتيل، استطعنا أن نظهر أن نجاة الأسماك من الموت تحسنت مع استخدام هذه التوربينات”.

يطلق على رؤية شركة “ناتيل” اسم “ريستوريشن هايدرو”، وهي رؤية تبتعد عن السدود الكبيرة التقليدية إلى مقاربة ومفهوم أكثر توزيعا يقوم على محاكاة العمليات الحيوية.

“خيار للدول النامية”

فقبل تدخل الإنسان وإقامة قنوات ومجار مائية، كانت غالبية أنهار أمريكا الشمالية تعوقها أشياء مثل الحطام الخشبي، والأعشاش التي يقيمها حيوان قندس الماء، والتي تؤدي إلى إبطاء تدفق المياه، مما ينتج عنه برك صغيرة وأراض رطبة، وهو ما يعطي المياه وقتا كافيا للتسرب داخل الأرض المجاورة، الأمر الذي يرفع في المقابل منسوب المياه الجوفية.

كما أن وجود منسوب أعلى للمياه الجوفية يعني تخزينا أكثر لهذه المياه، الأمر الذي يساعد المساقط المائية على تجاوز محنة الجفاف لأوقات طويلة.

هذه الأنظمة الموزعة، المرتبطة ببعضها بعضا، صُممت خصيصا لترميم الممرات والسدود المقامة على الأنهار، من أجل الحفاظ على حياة الأسماك وغيرها من أنواع الحياة البرية، ولتحسين نظافة إمدادات المياه والإنتاجية الزراعية، ولدعم معيشة المجتمعات المحلية وتطورها الاقتصادي.

وتقول غيا: “نهجنا وطريقتنا هي طريقة موزعة، تتمثل في مشاريع منفردة أصغر مرتبطة بمجموعات تعمل بالتنسيق فيما بينها بحيث نتمكن من توليد طاقة كهرومائية دون الحاجة إلى سدود ضخمة”.

ونظراً لأن محطات الطاقة الكهرومائية يمكنها توصيل الكهرباء التي تولدها على الفور إلى الشبكة، فهي توفر كهرباء احتياطية ضرورية خلال عمليات انقطاع الكهرباء الكبيرة أو الأعطال.

وعلى الرغم من أن توربينات شركة “ناتيل إنيرجي” لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تقوم بدورها بالفعل وقد قامت الشركة بافتتاح أول محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية عام 2019 في الولايات المتحدة، ومحطة ثانية قيد البناء يزمع افتتاحها في وقت لاحق من هذا العام.

وفي الوقت الذي تتطلع فيه الشركات حول العالم إلى التحول إلى شبكات كهرباء لا ينتج عنها سوى القليل من الكربون أو لا تنتج الكربون على الإطلاق، فإن التوربينات المصممة بطريقة أفضل يمكن أن تساعد على تحقيق قدر أعلى من الاعتماد عليها وتخزين للطاقة، مما يحسن من التكيف مع المناخ وفي الوقت ذاته المحافظة على أسماك السلمون تسبح سعيدة عكس التيار.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.


المصدر

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين