الرئيسية / الاخبار / رواية قصيرة جداً / الحي الهجيــن

رواية قصيرة جداً / الحي الهجيــن

جيكور ///

ظلت امي تردد لسنواتٍ طويلةٍ  أن ابي مات ( بساع بساع *) لم نكن نعي تلك الكلمات ، فالموت بالنسبة لنا كأطفال هو أنسان يُحمل على لوحٍ خشبي ، ثم يوضع فوق عربة تسير به الى مكان بعيد ..يصاحب رحيل تلك العربة وذلك اللوح لطم وصراخ  وعويل ، وأحيانا تمرغٌ  في اقربِ وحلةٍ أو مستنقع ماء آسن ، هالة المشهد ورهبته تحدده مكانة المتوفي ومقدار محبته لدى المشيعين والمنافقين..

 

مازال حضور أبي يذكي كل مكان في ذاكرتي ، كأنه فارقنا منذ لحظاتٍ ، وليس  من  ثلاثين عام ، أسمع صوته ، أحس بأنفاسه ، نظراته الصارمة الممتزجة بالحب والرجولة ، دفء يديه وهو يقودني  الى أخر البستان لنسقي فسائل النخيل النضرة والفتية ، يحمل الماء بكفيه المضمختين برائحة التبغ ، ثم يرشها  برفق على سعيفات تلك الفسائل ، قال لي: ياولدي الاشجار تسمع ، تفرح ، تتألم، بل هي أكثر حساً منا، لانها تعطي بصمت ، تحب  بصمت ، وتموت بصمت.

 

لم أر أبي نزقاً ومتوتراً  مثل ذلك اليوم ، وفي تلك اللحظة التي  نادى بها سائق الشاحنة وهو يغلق الذراع الخلفي للعربة معلنا وقت رحيلنا بعد ان حملنا  ما أستطعنا  حمله  وبيت عمي ، لمغادرة بساتيننا وبيوتنا ونخيلنا لشدة القصف الجائر ايام تلك الحرب اللعينة.

 

أشار أبي الى السائق أن ينتظر قليلا ، كان صارماً كعادته ، قليل الكلام ،  نظرة من عينه أو أشارة من يدهِ  تكفي بأن يستجيب الاخرون بلا جدال لما يطلبه ، هكذا هو دائماً ، عكس عمي الثرثار، وأمي التي لاتصمت ألا نادرا..

 

العيون  تتجه نحو أبي وهو يتوارى خلف جذوع النخيل ، وقف في اتجاه النهر، كان يحدثه بصوت مسموع ،  يوصيه  بالنخيل، اشجار التين والليمون، عرائش العنب ، باقات النعناع والبقدونس ، اقفاص الطيور.. يوصيه بكل شيء، عاد به عمي  متعكزاً يحيط خصره بذراعه ، عيناه محمرتان ،  لم يره أحد  في تلك الحالة من الانهيار، بكت أمي ، وبكى عمي لبكائها. 

 

كريم إبن عمي وأنا استلقينا على الافرشة التي غطت الاغراض والاثاث الذي حملناه فوق تلك الشاحنة العالية ، كنا فرحين رغم  أجواء الحزن والبكاء ، شيء مجهول لانعرف مصدره  يدعونا الى الفرح والتطلع الى الجديد

ربما المكان الذي نجهل؟؟ القرية أو المدينة التي سنتجه اليها؟؟

هل سيكون هناك مثل ماهو هنا ؟؟  نهر ونخيل ،أشجار حمضيات ، كروم ، أسماك ملونة ، طيور ، يااااه تذكرت بقرتنا ( بديعة ) وحمارنا ( بهار) ، عادَ أبي قبل أيام بثمنهما ، ناوله لإمي دون أن ينبس بكلمة.

 

أذكر اليوم الذي سمى فيه عمي حمارنا ( بهار ) على إسمِ  إبن عم أمي الذي لايصلي ولايصوم ولديه غرابة أطوار كما يقولون..

 كان يزورنا كثيراً ، ينزوي مع أبي في أطراف البستان ، يخرج أوراقاً ومجلات يقرأها عليه ، أبي يَكنُّ له الاحترام ،

 عندما عرف بهار أن عمي سمّى الحمارَ على اسمهِ ،  ضحكَ وقفز على الحمار ثم قال : سأ قوم بنزهةٍ فوق ظهري ،

ضحكنا يومها كثيراً.

 

إنطلقت بنا  الشاحنة ، كنا نتماوج فوق الأمتعة بحركة آلية مع تماوجها ، بسبب وعورة الأرض الترابية التي تفصل بساتيننا عن أقرب طريق معبدة بالاسفلت .

 

 الجو خريفي دافيء ، شعور بالحزنِ خيم علينا رغم فرحنا الطفولي بهذا الانتقال والتحول الجديدين ، شيء ما  كان يدعونا الى البكاء لحظة إبتعادنا عن بيوتنا وبساتيننا ، كنت أميز نخلاتنا من بعيد ، وكأن لونها ، سعفها ، فراعة جذوعها  تختلف عن نخيل البساتين التي تجاورنا ، رغم انه أمتداد غير منفصل لتلك الغابات الجميلة.

هل لاننا لعبنا تحتها ؟؟ ، تسلقنا جذوعها ، أكلنا رطبها ؟؟؟

أم لإن أبي حدثنا عن كل واحدة منها؟؟؟  وكيف غرسها مع جدي ، وجدي حدّثهُ عن أبيه وجده ،كنا نغفوا عندما يطول حديثه عن سلسلة الاجداد التي لاتنتهي.

 

نظرت الى كريم ، رأيتهُ  ينظرُ إلي هو الاخر، كنا نبحث في وجوه بعضنا عن أي إيماءةٍ  أو ظل إبتسامةٍ  تخرجنا من هذا الحزن ، لنعود نضحك بصخبٍ ، ونستمتع بهذا الانعتاق على ظهر هذه الحوت الكبيرة التي تحملنا وأغراضنا نحو المجهول.

 

بدأت غابات النخيل تبتعد ، تذوي ، ثم تذوب ، حتى الخيوط السوداء التي كنا نتابعها اكتست باللون الاصفر الداكن ، الأرض كلها جرداء ، ولولا أعمدة الكهرباء الممتدة على طول الطريق لحسبنا  أننا ذاهبون للعيش في الصحراء.

 

  منحنا ظهر الشاحنة هذه المرة حرية النظر الى كل الجهات ، عكس سفراتنا القليلة سابقاً ، عندما كنا نجلس في المكان الذي يحدده لنا الكبار  دون رفض أو قبول ، لم نر منظراً كهذا من قبل ، سألت كريم: إلى أين نحن متجهون؟؟ رفع كتفيه ومطّ شفته السفلى دون أن يحرر أي جواب.

 

إختر الغرف التي تعجبك ياأخي ،  قالها عمي لأبي ونحن نقف في باحة البيت الجديد ، أغراضنا واغراضهم  غطت المكان كله ، الصغار يتقافزون فوق هذه التلال من الاغراض والافرشة بفرحٍ كبير ، ولكي يتجنب أبي ثرثرة عمي ومغالاته المعروفة في مسألة الاحترام وتقديم الكبير على الصغير، أشار بحزن  الى الغرفتين اللتين تقعان على الجانب الايمن،

 وما أن سمعنا جوابه حتى بادرنا مسرعين الى نقل الاغراض، بعدها نقلنا أغراض بيت عمي الى غرفهم ..

قال عمي لإمي بعدما رأى الحزن على وجهها : الحمد لله إننا إستطعنا أن نحصل على هذه الدار وبهذا السعر في هذه الأيام اللعينة ، ثم إستدار نحو أبي وقال : شدة وتزول ربما نمكث شهورأ قليلة ونعود بعدها الى أرضنا وبيوتنا..

. تمتمم أبي بكلمات لم نسمعها ولم يستطع عمي أن يفهمها

 

كنا نتوق الى فتح الباب ورؤية الشارع ، منعنا أبي من الخروج ، جلسنا على العشاء جميعاً في باحة الدار، أوصانا وصايا كثيرة ، عمي يهز رأسه مؤيداً ويعيد بعض مايقوله أبي بحماس  ووعيد لكل من يخالف ،

 قام أبي وأنزوى يدخن ،  تبعه عمي ، الصغار إكتشفوا أماكناً لللعبِ وكأنهم يعرفونها منذ زمن بعيد ، أحسست وكريم ببعض الزهو عندما قال أبي وعمي: أنتما الان رجلين ، سنعتمد عليكما في كل شيء ، نحن في غربة ،علينا اجتياز هذه المحنة ، إلى أن نعود إلى ديارنا.

 

جلسنا في زاوية قرب باب الدار لانعرف بماذا نتحدث ، فلا لعب  الصغار عاد يناسبنا ، ولا حديث الكبار يستهوينا ، قررنا أن ننام على السطح بعد موافقة أبي وعمي ، فرحنا كثيراً لانها اول فرصة لأشباع فضولنا في رؤية هذا العالم الجديد ، لم نستطع تمميز كل الاشياء بسبب الظلام..

أضواء شاحبة تنبعث من البيوت البعيدة ، ساحة واسعة من المياه الاسنة  تلتمع فيها علب صفيح عكسها ضوء المصباح الوحيد في الشارع ،  عرفنا أننا في حي جديد بأطراف المدينة ، فالمصابيح الصغيرة والمكثفة كانت بعيدة كثيراً عن هذا الحي الشبه غارق في الظلام..

 

وهج أشعة الشمس ، طنين الذباب والغطاء الثقيل أرغمتني على فتح عيني المثقلتين بالنعاس والتعب ، لم أسمع صخب الديكة التي تملا الفضاء صياحاً كل فجر !! ، أين سعفات البرحية التي تدلت على الجهة الخلفية من سطحنا والتي كنت أنظر الى رفيفها وتراقصها مع نسمات الصباح المنعشة كل يوم؟؟

حاولت أن انهض من فراشي بسرعة ، كل مكان في جسدي يؤلمني، يداي ثقيلتان، بالكاد حركت رقبتي ، تذكرت أننا أمضينا يومأ ثقيلا ومرهقاً من السفر وحمل الاغراض.

 

نظرت الى كريم الذي مازال يغط في نوم عميق ، حاولت مشاكسته كعادتي ، لكن شعوري الجديد بالمسؤولية التي منحني إياها ابي ، منعني من ذلك.

 

 أسراب الحمام الاحمر والابيض والازرق تحلق في كل الأتجاهات ، تتقاطع في مكانِ ، ثم  تلتقي وتنسجم في مكان أخر،  مُكونةً جوقة هائلة  من الرفيف والاجنحة التي تحجب عين الشمس..

 

الفضول دفعني الى النهوض رغم جسدي المتعب  لمعرفة مايحيط بنا ، تلصصت بلهفةٍ وشيءٍ من الأرتياب الى البيوت التي خلفنا ، لم تكن كل السطوح مكتملة البناء ، رأيت الكثير من الاغطية المتناثرة فوق تلك السطوح ، ( كِلة ) بنفسجية تهفهف فيها نسائم الصبح ، غادرها أصحابها منذ لحظات ، خمنت ذلك من بعثرة الوسائد والاغطية ،  إمرأة صبية ترتدي ثوباً مخملياً أخضرأً أزاحت عنها الغطاء ، تنام على سطحِ أخر..

 

إرتعبت عندما مد كريم رأسه الى جانبي لينظر إلى الأماكن التي أنظر إليها ، لم أسمع وقع أقدامه ، ولم أشعر بوجوده،

وبّختهُ بشدة  ، ظننتك أبي ياكريم ، كاد قلبي يتوقف من الخوف ، لاتعد هذه الدعابات السخيفة ، خفضنا رؤوسنا عندما راحت المرأة صاحبة الفستان الاخضر تتقلب في فراشها الدافيء ، إنتهى تقلبها كما إشتهيت في خيالي..

 ومثل زوجين من البط أرتفعت رؤوسنا ثانية  ، لنرى ما لم نره من قبل..

 

سيقان عاجية عرّتها النسمات قليلا، مؤخرة مكتنزة تكاد تتفجر من ذاك الثوب وتمزقه.. سمعنا وقع أقدام على السلم الترابي ، ركضنا نحو الافرشة ، أرتمينا عليها ، إصطنعنا الاستيقاظ بعدما وقف شبح القادم فوق رؤوسنا..

 

لم نذهب تلك السنة الى المدرسة لاسباب منها أن اقرب مدرسة في هذا المكان تبعد مسيرة ساعة كاملة عنا ، و روتين النقل والمعاملات اللعينة والمضنية كما قال أبي لاتنتهي إلا وتكون السنة الدراسية قد إنتهت..

 لم اكن مقتنعاً في داخلي أن هذه الاسباب هي التي جعلت أبي يمنعنا جميعاً من الذهاب الى المدرسة ، أعرفه حريصأ جداً على تعليمنا ، قال لي كثيراً: إن الانسان الجاهل يشبه الدواب الى حد كبير ، يأكل ويشرب وينام ، ثم يزداد تبلداً إلى أن يخرف مبكراً..

 

ماكان يخشاه أبي هو ( الحي الهجين )  كما سماه ، الذي نزلنا فيه ، لم نتعود العيش بين ناس غرباء ، أشكال مختلفة ، عادات ومفردات ، شتائم وسباب لم نسمعه من قبل..

شباب يتجمعون في تقاطعات الازقة ، يدخنون ، يضحكون بهستريا ، ثيابهم غريبة ، قصات شعورهم ، حركاتهم، صراخهم  كل يوم شجارات وعراك بالعصي والسكاكين ،  حتى النساء كن يتعاركن مثل الديوك لإتفه الأسباب ، رأيت إمرأتين تسحلان إمرأة من ظفائرها ، المسكينة تصرخ وترفس الهواء دون أن يتدخل أحد لنجدتها.

 

 السرقة ، الاعتداء ،التحرش ، البطالة  وحتى الدعارة إجتمعت في هذا الحي الموبوء بالعفن.

إنقسم الناس إالى فريقين ، احدهم أغلق بابه ولزم داره ، والاخر إنطلق لهذه الاجواء الغريبة بعيداً عن القيم والتقاليد والاصالة .

 

أبو وليد صاحب الدكان الوحيدة في هذا الحي الهجين ، يكرهه أبي بشكلٍ عجيب ، لايشتري منه الحاجات  إلا على مضض ، كان يبصق بأتجاه دكانه كلما عاد إلى البيت ، لم يحدثنا عن سبب كرهه لهذا الرجل ، لكنه حذرنا جميعاً من الاقتراب من دكانه.

 رأيت من على السطح في أول الليل رجالا يتهامسون مع البقال ، ناولهم ورقة مطوية ، ثم خرج معهم وأشار بيده الى احدى البيوت ، بعد ساعات سمعنا صخباً وعويل نساء، ركضت وكريم الى السطح ، خرج هؤلاء الرجال من ذلك البيت وهم يقتادون شاباً ألقوه في سيارة ومضوا به الى المجهول..

 

شخص أخر غير البقال كان معروفاً ، نراه في كل مكان ، صرنا نراه حتى في كوابيسنا ، قصيرالقامة ، بدين، أبيض البشرة  يغطي الجزء الاصلع من رأسه بخصلة طويلة من إحدى جهتي شعره ، يدعى الرفيق أبو سحر، لديه سبع بنات أكبرهن لاتتجاوز السادسة عشر ، جميلات الى حد العجب ، لاأحد يعرف عمله بالضبط ، لكنه متواجدٌ في الفرقة الحزبية ليلا ونهارا، ولم يره أحد بغير اللباس الزيتوني والنطاق الذي يتدلى كرشه عليه.

 

صرنا نخرج أنا وكريم عندما يسافر أبي وعمي لتفقد بيوتنا وبساتيننا ، عرفنا طريقاً الى النهر الذي يبعد مسافة نصف ساعة عنا ، نقضي كل اليوم هناك، نسبح ونلهوا، بعدها نتمشى بين الاشجار ونتلصص على السيارات المتوارية بين تلك الادغال رأينا أشياءاً غريبة لاتحدث في تلك البساتين التي تركناها منذ عام ، كنا نرمي حجارات صغيرة من بعيد على تلك السيارات ونهرب ضاحكين.

 

من العادات السيئة التي أصبحنا نمارسها ، التلصص على السطوح ، صرنا نعرف في أي ساعة بالضبط تفيق صاحبة الفستان الاخضر، ومتى تنهض صاحبة الكلة البنفسجية ، ومن هي التي تتعمد رفع الغطاء عن جسدها لعلمها بأننا نتلصص عليها ، فتعبث بنا وتثيرنا عن بعد..

 

 ومن العادات الدخيلة أيضاً كنا نذهب وقت الظهيرة الى دكان أبي وليد البقال، يشاغله كريم بالسؤال عن أشياءٍ لايملكها ، أو أن يطلب منه حاجة تكون على الرفوف البعيدة والعالية ، فأقوم أنا زاحفاً تحت المعرض الخشبي الذي هو واجهة الدكان، فأبحث عن قطع النقود الساقطة على ارضية الدكان الترابية ..

 كل مرة أجد شيئاً ، قطع نقدية فئة الخمسة والعشرة فلوس ، إحدى المرات عثرت على قطعتين فئتي المائة فلس ،فرحنا انا وكريم إشترينا بها من ذات البقال أكياس بطاطا محمصة وفستق حلبي.

 

وفي إحدى الظهريات الحارة لم أستطع النوم ، تسللت الى الخارج وإقتربت من الدكان ، إنبطحت على الارض وزحفت الى المكان الذي اجد فيه النقود ، نظرت الى الكرسي الذي يجلس عليه البقال اللعين شاهدت أربعة أقدامٍ ، سمعت تأوه وهمس ، مددت رأسي أعمق لرؤيةِ مايحدث ، كانت أحدى بنات الرفيق أبا سحر تجلس في حضن البقال ، سحبت نفسي بخفة من تحت المعرض الخشبي ، نهضت بسرعة ، وقفت أمامهما ، إرتبك ، ولم تسعفه الحركة الغبية بابعاد الفتاة عنه بإيهامي أن الوضع لم يكن كما رأيته ..

هي أيضا لم تستطع دس نهدها الصغير بسرعة كافية في طي ثيابها ، نادى علي ، لكني ركضت مسرعاً الى البيت ، حدثت كريم بما رأيت ، عرفت ساعتها لماذا يكره أبي هذا البقال النذل ؟؟ ، ولماذا نغلق بابنا طوال اليوم ؟؟ ولماذا لم نذهب للمدرسة ؟؟!!..

 

قرر أبي أن نعود الى أرضنا ، قال لعمي : الموت هناك أشرف من هذه الوحلة ، فرحنا كثيراً ، سافرا الى هناك ليهيئا لنا البيوت ويرممونها ، لكنهما عادا في اليوم التالي، كان أبي مهموماً وحزينا ، بكى بنشيج ، كان ينتحب ، لم نر دمعته قبل تلك اللحظة ، قال أن الجيش يتمركز في أرضنا بعدما داستها الاليات والدبابات ، قطعوا النخيل ، عملوا سواترا ترابية ، قطعوا الاشجار وجعلوها حطباً يطبخون عليه..

 

قررنا أنا وكريم الذهاب للمرة الاخيرة الى النهر، لإن أبي وعمي قررا الانتقال بعد إسبوع إلى مدينة أخرى بعيداً عن هذا المكان المقرف..

 

مشينا الى هناك وتوغلنا في الاحراش  قبل أن نسبح ، رأينا سيارة نعرفها ، إقتربنا بحذر شديد ، إختبئنا خلف شجرتين كبيرتين،

رجل بدين عار تماما ، تدلت خصلة طوية من شعره على وجهه ، كان متعرقاً ويلهث بصوت مسموع ، ساقان نحيلتان تلتفان حول خصره ، عرفنا صاحب الكرش الكبير، إنتظرنا حتى نتعرف على صاحبة السيقان النحيلة ، عندما قامت أصابنا الفزع والعجب، كانت تشبه زوجة البقال لكن هذه حاسرة الشعر..!!

ركضنا الى البيت دون توقف ، شاهدنا جمع من الناس قرب بابنا ، أصوات صراخ ونحيب ولطم ، هرعنا الى الداخل، مات أبي .

 

قالت أمي أنه كان جالسا ، شرب الشاي وإختي الصغيرة في حضنه ، بعدها مات بساع بساع

 

بعد ثلاثين عام من موت أبي  وبينما كنت أتابع الاخبار على شاشة التلفاز ، ظهر رجل بلحيةٍ خفيفة وإلى جانبه رجل أبيض بدين ، في مجلسِ مهمٍ يتحكم بمصائر الناس ، أسرعت الى نظارتي التي قعرها الزمان ، إقتربت من الشاشة حتى كدت ألتصق بها ..

كان الاول يشبه البقال أبا وليد ، والاخر يشبه الرفيق أبا سحر لكن هذا بصلعة كبيرة ، وبدون خصلة طويلة تتدلى على وجهه عندما يتعرق..

 

عندها عرفت لماذا مات أبي ، ولماذا يموت الناس اليوم في وطني (بساع بساع ) ..

·    بساع بساع مفردة باللهجة العامية العراقية وتعني بغتتة وبسرعة

 

 

جيكور

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين