الرئيسية / الاخبار / المواكب الحسينية الحلية موكب عزاء ( طرف الوردية )

المواكب الحسينية الحلية موكب عزاء ( طرف الوردية )

حامد كعيد الجبوري ///

     من المعروف ان للحلة الفيحاء مواكبها الحسينية العشر ، سبعة في الصوب الكبير ، وثلاثة في الصوب الصغير ، ( الطاك ، الجامعين ، جبران ، المهديه ، الجباويين ،  التعيس ، الكراد ) وهذه هي مواكب الصوب الكبير ، و ( الوردية ، الكلج ، وكريطعه ) وهي مواكب الصوب الصغير ، كتبتُ في العام الماضي عن أغلب مواكب الصوب الكبير ووثقتها ونشرت ذلك على صفحات جريدة الفيحاء الحلية ، ووجدت أن محلة ( الكراد ) أكثر توثيقا بالصور والدلائل والوقائع من بقية أطراف ومواكب أهالي الحلة الكرام ، موكب محلة ( الكراد ) تأسس عام ( 1917 م ) ، ولديهم ما يثبت تاريخ تأسيس موكبهم وهي مخطوطة من القماش أكلتها دابة الأرض ( الأرضة ) فكتبوا غيرها مع احتفاظهم بمخطوطتهم القديمة وهذا دليل واضح على صدق إدعائهم .

   يقول شيبةُ أهل محلة ( الوردية ) نقلا عن أبنائهم الأحياء ، أن محلتهم ( الوردية )  أقدم من تاريخ تأسيس موكب عزاء ( الكراد ) وغيره من المواكب الحلية ، ونقل لي قول أحد وجهاء محلة الوردية المرحوم الحاج ( علي حسون هجول ) تولد 1895 م قوله ، يقول لمحلة الوردية مسجدان ، الكبير يقع بمنتصف المحلة ، والآخر الصغير يقع في سوق العمار ، يقول ( علي هجول ) وعيت على المسجد الكبير ووجدت أن عالم الدين الذي يؤم المصلين فيه من بغداد وأستوطن محلة ( الوردية ) لهذا السبب ، وعند وفاته بقيت المحلة بلا أمام يؤم المصلين ، لذا أنتقل لمحلة ( الوردية ) قادما من صوبها الكبير ( الجامعين ) سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ المرحوم ( محمود سماكه ) وأشترى له دارا وأستوطن محلة ( الوردية ، وفي هذه المحلة أنجب أولاده آية الله الشيخ ( محمد سماكه ) رحمه الله ، وآية الله الشيخ ( علي سماكه ) رحمه الله ، وبقية أولاده وبناته ، ويقول المرحوم ( علي هجول ) كنت صبيا حين وفاة المرحوم الشيخ ( محمود سماكه ) ، وعند سماعنا بوفاته أخرجنا ( بيرغ ) المحلة ، وكل عائلة ممن تمتلك ( البيرغ ) أخرجته وأعددنا موكب عزاء لتشييع شيخنا الجليل ، وهذا الحديث يدل على أن محلة الوردية لها موكبها الحسيني الخاص بها ، ولو حسبنا عمر المتحدث الصبي ( علي هجول ) تولد 1895 م لخلصنا الى أن موكب عزاء الوردية الحسيني يرجع تأسيسه لبدايات العام 1900 م أو ما بعده بقليل  ، وبذلك يكون أقدم موكب حلي كما يزعم أهالي محلة ( الوردية ) ، والمنطق يقول أن كل محلات الوردية بأطرافها العشر بدأت متواكبة بمواكبها الحسينية .  

    محلة ( الوردية ) مزيج متجانس من الكسبة والفلاحين وصغار التجار وكبارهم ، قلة من كبار السن يعرفون القراءة والكتابة وتعلموها من خلال الكتاتيب ، كل هؤلاء أدخلوا أبناءهم المدارس الحكومية فخرجت الأطباء والصيادلة والقضاة والمدرسين والمعلمين والموظفين بدوائر الدولة المختلفة ، وهي كباقي محلات الحلة الفيحاء فيها الغني الموسر ، والفقير المعسر ، وبين هذا وهذا الطبقة المتوسطة ، وفيها أزقة ( عكد ) كثيرة تسمى باسم أحد أفراد ذلك الزقاق ، ( عكد الشيخ ، عكد هجول ، عكد حسان ، عكد بشبوش ، عكد العلاك ) وغيرها ، وفي ( الوردية ) مجموعة أزقة صغيرة مجتمعة اصطلحوا على تسميتها ( البيات ) بسبب سكن عوائل من ( البياتيين ) – عشيرة البياتي – فيها ، ومنطقة ( السرحه ) ، وأختلف المحققون بمن مصر محلة ( الوردية ) وسبب تسميتها ، وأغلبهم يرى أن تسميتها جاءت من أنها مجموعة من البساتين التي تنبت الورد ، وكل عائلات الوردية ترجع لأصولها العشائرية ، وفيهم من عشائر خفاجة والجبور والبياتيين والجيلاويين وآل سلطان والسعديين والجصانيين وشمر والعزاويين والطائيين والربيعيين  والفلوجي والمعامرة وبربن وآل السرحان وآل غلام وآل البراك وآل عبكه وآل الشوك والحروب والسامرائيين النازحين من سامراء واستوطنوا الحلة الفيحاء ، وبمرور السنين غادر السامرائيون مذهبهم الذي أتوا به واعتنقوا مذهب آل البيت الأطهار ، ومن عشائر السادة العلويين آل العلاك وآل وتوت والعميديين والحسينيين والصالحيين  ، وعذرا أن خانتني ذاكرتي للآخرين .

      تبدأ مراسيم العزاء الحسيني منذ الليلة الأولى لمحرم الحرام ، وبعد أن يستحصل مختار المحلة على الإجازة من دوائر الأمن المعنية ، ويعطي تعهده الشخصي بعدم المساس والتنديد بالدولة وتصرفها تنطلق مسيرة الموكب الحسيني ، يتجمع أهل المحلة مقابل بيوت آل البراك المعروفة ببنائها الحديث ومسقفاتها الجميلة ( الطوارم ) وهذا ما حدثني به الأستاذ ( قيس علي السماعيل السامرائي )، تتوزع المجاميع ( الجوكات )  فتصل لأكثر من عشرة مجاميع ، كبار السن تكون مجاميعهم مرددة للشعارات الحسينية فقط ، ومجاميع الشباب يتخللها الأطفال مجاميع ( لطم ) ، وبما أن أغلب الرجال من الأميين لذا يحتاجون لشاب أو أكثر ممن يجيد القراءة ليحفظهم ما يرددون ، بعد أن تتكامل المجاميع ينطلق موكب العزاء بالمسير ، كل هذه المراسيم تمارس بعد صلاة العشاء ، وكل محلة من محلات الحلة لها موعد للانطلاق صوب التجمع الأخير الذي يقام به ترتيل القصائد الحسينية ، وهناك لجنة منظمة لانطلاق المواكب الحسينية الحلية كي لا تزدحم بمحطتها الأخيرة .

    أنا لم أعي تلك الفترة التي تحدث عنها السيد ( قيس علي إسماعيل ) وقوله عن مكان تجمع وانطلاق ( موكب عزاء الوردية ) بل وعيت على ( موكب عزاء الوردية ) ومكان تجمعه قرب مقهى ( رضا عبكه ) ، والمقهى تقع مدخل سوق العمار مقابل الجسر القديم ، تتجمع المجاميع ( المرددة ) للأشعار الحسينية ومجاميع ( اللطم ) من بداية الجسر على ضفاف شط الحلة ، وبعكس تيار الماء متجهة صوب الشمال وصولا لمقهى ( محمد الحايج ) ، يحمل ( بيرغ ) الطرف ذوو اللون الأبيض والمصنوع من القماش ( الحبر ) وهو قريب الى قماش الحرير ، يحمله الحاج ( عبد الأمير حمادي الطائي  ) ومن بعده حمله أخوه ( محمد علي ) ، وأغلب عوائل الوردية لها ( بيرغها ) الخاص بها يحمله أحد أبناء تلك العائلة ، ولأن جارنا بنفس زقاقنا المرحوم ( محمد حسين الشهيب المعموري ) أذكر ( بيرقه – ( بيرغه ) – يحمله ولده الكبير ( كاظم ) ، ولآل ( هجول ) ( بيرغان ) أحمر يحمله ( جاسم ) وأسود يحمله ( جعفر ) ، و( بيرغ ) لآل ( جريدي ) ، وآخر لآل ( الجمل ) ، وآخر للسيد ( عبد الرضا العلاك ) ، و( بيرغ ) أخضر كبير يحمله السيد ( عباس العميدي ) بوقاره وشيبته البيضاء وعمته السوداء باسطا ( غترته الخضراء ) على كتفيه ووجهه يتصبب عرقا ، وأعتذر لأهلي من ( الوردية ) أن خانتني ذاكرتي بهذا الباب ، ويفرح كثيرا صاحب ( البيرغ ) الذي يعلقون فيه الناس من عملتهم الورقية او الحديدية شيئا من المال للتبرك وطلبا للنذر أن أنجزت له مهمة يوكلها الى الله سبحانه وتعالى بشفاعة الحسين ( ع ) وجده محمد ( ص ) وأبيه علي ( ع ) ، أما العملة الحديدية فتطوى بأطراف قماش ( البيرغ ) ، وهذا المال المتحصل بهذه الطريقة يستبدلون به قماش ( البيرغ ) أو يضيفون له من مالهم الخاص أن لا يكفي المبلغ لعمل وليمة  أوما نسميه ( عاشور ) ويوزع ببركات الحسين ( ع ) وآل البيت الأطهار ، بالموعد المحدد ينطلق الموكب صوب حسينية ( أبن طاووس ) التي تقع في محلة ( السنية ) ، يعبر الموكب الحسيني نهر الحلي ( الجسر القديم ) الذي لا يزال قائما متحديا السنين ، وهو يقابل سوق الحلة الكبير في الصوب الكبير ، وينار طريق المعزون بواسطة الفوانيس و ( اللوكسات ) والمشاعل النفطية ، بعد عبور الموكب الجسر يتجه يمينا مخترقا الشارع و ( فلكة ) مديرية شرطة الحلة ، ومكانها الحالي هي ساحة ( الصدرين ) مقابل ( أورزدي الحلة ) ، ثم يسلك الموكب شارع المكتبات وصولا لساحة ( سعيد الأمين ) ، ثم ينحرف يمينا الى شارع الأمام علي حاليا ليصل الى ( حسينية بن طاووس ) ، يدخل الموكب الى الحسينية ويعتلي خطيب المحلة ( الرادود ) ليرتل قصيدته الحسينية على الموكب الحسيني ، ولمستمعي العزاء من الرجال والنساء الذين يقفون خارج الحسينية ، إضافة للرجال الذين يأتون من بقية المواكب من المحلات الأخرى للاستماع ( لرادود المحلة ) داخل الحسينية ، ووعيت أن مواكب الحلة كانت تنهي مراسيمها بديوان السادة ( القزاونه ) في محلة الجامعين ، ولأسباب سياسية سنأتي عليها لاحقا حين توثيق موكب محلة ( الجامعين ) أنتقل المعزون الحسينيون بنهاية مراسيم طقوسهم في حسينية ( أبن طاووس ) ،  في ليلة ( القاسم )  تخرج كل مواكب الحلة وهي تحمل الشموع والورود والرياحين مرددين شعاراتهم الحسينية ، وكل موكب حسب توقيته المرسوم ، كل مجالس العزاء والمواكب الحسينية الحلية تقام في المساء ، ومواكب ( الزنجيل ) تقام عصرا ، أما صبيحة العاشر من المحرم تنطلق ( مواكب التطبير )  فجرا ، وبدءا من الساعة التاسعة تنطلق مواكب العزاء صوب ( أبن طاووس ) وكل حسب توقيته كما أسلفنا  ، وبهذا اليوم يسير موكب عزاء ( الوردية ) مسافة أطول من مسير الموكب ليلا ، فيجتاز الشارع المحاذي لدائرة البريد الحالية ( بدالة الحلة ) وقبل بيت ( المتصرف ) يستدير الشارع نحو شارع المكتبات الحالي استمرارا ( لحسينية أبن طاووس ) ، وفي هذا اليوم يكن موكب عزاء ( الوردية ) أكبر مواكب الحلة تقريبا بسبب دخول أبناء القرى المجاورة الى المدينة للمشاركة بعزاء سيد الشهداء ، يروي لنا ممن هم أكبر سنا أن شجارات تحدث أحيانا بين المواكب في ما بينها لأسباب كثيرة أهمها أن المحلة ( الفلانية ) تتجاوز الوقت المحدد لها في البقاء في الحسينية ، مما يضطر الموكب الآخر البقاء في الشارع طويلا لينتظر انتهاء مراسيم المحلة التي تسبقه ، وربما هناك أسبابا أخرى لا ندخل بتفاصيلها ، وفي هذه الحالة فأن كل موكب يحتاج من الرجال الشجعان ليسير الموكب تحت ظلهم ، وفي محلة الوردية من هؤلاء الرجال المرحوم ( عبد الحسين أبو حميّد الجبوري ) ، يسير هذا الرجل متنقلا بين ( الجوكه ) الأولى والأخيرة وهو يحمل بكمه خنجره أو ( قامته ) ، ومنهم من يخرج معه أمه أو أخته لتحمل له تحت عباءتها سيفا أو ( مسدسا ) ، وسبب خروجهن لأبعاد الشبهة ومتابعة رجال الشرطة له بسبب منع حمل الأسلحة النارية والجارحة دون أجازة ، وبعد وفاة ( عبد الحسين ) نهض بهذه المهمة كثير من أبناء المحلة لسنا بصدد ذكرهم ، أعتلى المنبر الحسيني أكثر من ( رداود ) لترتيل القصائد الحسينية ، منهم المرحوم الحاج ( إسماعيل الجيلاوي ) الذي يقول عنه المرحوم السيد ( حسيني العلاك ) بأن للحاج إسماعيل رحمه الله صوتا شجيا وقويا جدا بحيث أنه كان يعتلي المنبر ويسمع صوته لمن هو خارج الحسينية دون استخدام مكبرات الصوت لعدم وجودها آنذاك ، وأعتلى المنبر أيضا المرحوم ( فاضل الخياط ) ، والسيد ( فتحي العميدي ) ، وأخيرا أستقر رأي وجهاء محلة الوردية على ( الرادود الحاج صبري جابر ) ولحين منع المواكب الحسينية من قبل النظام السابق ، والحاج صبري شاعر حسيني أيضا ولكنه كان يقرأ أكثر مجالسه الحسينية مرددا لقصائد قريبه المرحوم الشاعر الحسيني الكبير ( عبد الحسين صبره الحلي ) ، وأنجبت محلة ( الوردية ) أكثر من شاعر تقرأ له أشعاره أغلب ( أطراف ) الحلة ، ومنهم المرحوم الشاعر ( محمد علي بنيان الجبوري ) ، والمرحوم الشاعر ( صاحب الجمل ) ، والشاعر ( ملا عباس الربيعي ) .

     توالى على ( مختارية ) محلة الوردية أكثر من وجيه من أهلها الكرام ، ولم تخرج هذه ( المختارية ) عن ( آل الحساني ) إلا بإرادتهم شخصيا ، بعد وفاة المرحوم ( جبار الحساني ) انتقلت ( المختارية ) لولده المرحوم ( هاتف الجبار الحساني ) الذي أستطاع أن يؤلف بين قلوب أهل الوردية وكأنه أب روحي لها ، وبعد وفاته رحمه الله لم ينهض أحد من ولده أو أبناء أخوته بهذه المهمة بسبب مشاغلهم الوظيفية ، وتناوبها الكثير من وجهاء محلة ( الوردية ) الكرام .

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين