الرئيسية / الاخبار / مؤرقة الشعراء ليلى على قصيدة الشاعر الراحل خزعل المفرجي: ليلى لا تعتبي

مؤرقة الشعراء ليلى على قصيدة الشاعر الراحل خزعل المفرجي: ليلى لا تعتبي

احمد فاضل   ///

ahmad_fadel

أعلم أن الذي سأقوله بحق من صبر على البلوى واستعاض عن الصحة بالمرض قانتا، لقليل هو في حقه، لكنها كلمات أصرت أن تنطلق من محبسها لتعانق روحه وهي تسبح الى خالقها راضية مرضية .

 

إيه أيها المفرجي الساكن، الهادئ، كنخيل ميسان، كيف أرثيك وأنت الحي بيننا لازالت كلماتك تسكن جوارنا، نأنس بها عندما تضيق علينا الأيام بمصائبها كما ضاقت عليك، أيها المفرجي وأنت تتوسد التراب تهرب من صدري آهة أنني لن أستطيع أن أنثر فوق قبرك ورودا كما كنت تنثرها علينا فوق دواوينك بسبب وعثاء السفر، واعلم أبا أحمد أن واحدة من هذه الورود أدماني شوكها وأنا أستعيدها المرة تلو الأخرى غير مبال بكل تلك الدموع التي نزفتها عيناي .

” ليلى لا تعتبي ” هذه القصيدة ترى هل أرقتك كما أرقتني ؟ وهل كُتب على الشعراء أن يقاسون ” ليلى ” كلما طافت بهم اشباح من يعشقون؟ إنها نثرية حزينة لا تشبه كل الذي كتبته من قصائد، ربما لأنها تحمل اسم ليلى أو تجمع الحب مع السأم .. ربما ؟

بداية يأخذنا الشاعر الى سؤال كبير بعد أن نقرأ منها :

الذهول يسكن سواقي الحياة / الطرقات محشوة بثمالة الأوهام / وللسقاة أنياب / فواجع الغمرات / حيارى النوارس / متى تعتدل كفة الميزان؟ /

هذا السؤال سبقته كلمات حيرى جالت في خاطره قبل أن يلقيه على نفسه المعذبة، ذهول، أوهام، أنياب، فواجع، غمرات، حيارى، كلها اصطفت لتصرخ : متى تعتدل كفة الميزان ؟ وهو نفس ما ذهبت اليه روح الشاعر عبد الله الفيصل حينما قال :

إنها روحي أراها أدمعا / تملأ الأجفان والليل يطول / يا فؤادي إن يكن جد النوى / فلياليك من اليوم شكول / ليس فيهن رؤى بسامة / كل ما فيهن شكوى وذهول / ولقد أقفرت الدنيا فما / تبصر العين إلا ما يهول /، إنها إيقاعات النفس الحيرى التي تسبح في الأحزان تتلمس وعي الذات وهي عند الشعراء سواء، لكنها تتفاوت بحسب ماتعنيه الآهة وما يمليه الألم :

خيروني على دنيا الضنك / ولكن خطفتني خلجاتي الخمسين / وقدماي تخطان .. / نواظري / ضوؤهما ماء .. / ولهب / لاتعتب / تركت لك البراعم / ظلالهم بحار وشجر / زرعناهم / بسخاء الربيع / شذى أريجهم / من حنايا / ترمق السماء .. دموع مسرة /، ولأنه يريدها أن لا تعتب فقد ترك كل تلك البراعم التي ظلالها البحار والشجر زرعا سخيا شذاه من حناياه بعد خمسين حولا عاشها في دنيا لم يعرف فيها إلا الضنك وهي اشارة لعالمه الذي يحياه :

لا تعتبي / زرعت من أنفاسي / بين حناياك .. بيتا / انتهل المنام فيه / في يسري .. وشقائي / وشيطنتي .. وهيامي / كنت / تبتغيني .. ظلا / وللبراعم .. فرحا / وللعيون ضوء / مكاحل /، الشعر كثيرا ما يحتاج الى الخضوع لفترات من الإرتباك لتحقيق الوضوح وهذا ما نلمسه هنا ونحن نطالع هذه الأبيات، فقد ساد شاعرنا الإرتباك وهو طريح الفراش مما ولّد حالة من الإنفتاح النفسي فقالها أن ذكرياته زرعها من أنفاسه بين أضلاع ” ليلى ” بيسرها وشقائها معبرا فيها كذلك عن شيطنته وهيامه مع انها كانت تبتغيه ظلا، هنا حاول الشاعر ان يتنقل بجمله الشعرية مكونا منها إقطاعيات صغيرة تتوائم مع ما يعنيه وهو اسلوب سبق فيه الكثير من مجايليه وهي منتقاة بعناية وحرفية على الرغم من عفويتها حاول المفرجي أن يرسم ذاته الحزينة وهو يعيش أيامه الأخيرة، مستعيدا بذات الوقت في كل ما يقوله من كلمات الوجع المهيمن على الروح مستفيدا من قدرته السحرية على إطلاق عنان الكلمة باتجاه ما شعر له ويشعر من أحداث :

أصابني سهم الفراق / أعلم / صعبة تلك المسافات / والنسيان .. أصعب / نشوة الذكرى / نياسم سقم / لاتقلقي / محصنة أحلامي / بعد ندى الربيع / المسافات / تحت ظل الجفون / لن تغفو الأحلام /، أبيات القصيدة الأخيرة يختمها الشاعر بالفراق وكأنه يعيد ما عانى وقاسى منه قيس بن ذريح أو كما كتب على كل من يهوى ويعشق ” ليلى ” بالفراق، ترى من هي ” ليلى ” المفرجية هنا ؟ أهي الحبيبة ؟ أم هذه الدنيا التي عاشها محبا لها مفتونا بأيامها ؟ أم التي قصدها إبراهيم ناجي في قوله :

كل له ” ليلى ” ومن لم يلقها / فحياته عبث ومحض هباء / كل له ” ليلى ” يرى في حبها / سر الدنى وحقيقة الأشياء / ويرى الأماني في سعير غرامها / ويرى السعادة في أتم شقاء /، انها زهرة تدمينا بشوكها لكننا نبقيها براحة كفينا نشمها وقد نهديها من نحب كما قالها الشاعر الفرنسي بودلير في قصائده، خزعل المفرجي كان يعلم ان المسافة بينه وبينها صعبة ونسيانها أصعب بسبب ان نشوة الذكرى لاتريد المغادرة وبالتالي هو يقول لها دعي القلق فأحلامه محصنة ولن ينساها أبدا، هذه القصيدة هي اعتراف جريئ بإرهاصات الشاعر وهو يلوذ بالذكرى هربا من آلامه وهي نقد ذاتي حاول أن يمارسه فيوجه سؤاله الى ” ليلى ” التي صورها الحبيبة أن تكف العتاب لأنه لديه أسبابه التي تحول دون ذلك، وقد ظل حتى أبياته الأخيرة مزدحما بتلك الأسباب ما أتاح لنا ان نتعرف حجم معاناته وما كان يعيشه من آلام .

 

خاص بملف (الوفاء) لمناسبة رحيل الأديب والشاعر خزعل المفرجي

أحمد فاضل

 

خاص بالمثقف: لمناسبة رحيل الشاعر العراقي خزعل المفرجي

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين