الرئيسية / الاخبار / النصيحة القاتلة

النصيحة القاتلة

 

جلسَ ماجد الذي عرفَ بسمعته الطيبة الرائعة كسمعة الياسمين! له عقل عبقري، فذ، أدمنَ القراءة منذ صغره! يتناول فطوره عندَ الصباح الباكر في منطقة الصالحية قبلَ سفره إلى كلية الزراعة الكائنة في أبي غريب، لقد كانت بالفعل رحلة صباحية شاقة ومتعبة خاصة عندما يتخللها الزحام الخانق والأمواج البشرية التي تتزين باللبس العسكري، بحكم موقع الكلية وسط معسكرات وثكنات الجيش، لتبدو الجامعة وكأنها بستانٌ للمعسكرات!

كانَ صباحاً ممطراً، وكأنَ السماء تبكي وتنعي أحداً، انهمك بتناول فطوره المكون من طبق القيمر العراقي الذائع الصيت المحلي الصنع معَ العسل البلدي والخبز الحار… فإذا به يسمع أبا جعفر صاحب المطعم الذي يتمتع برأس كبير كالبطيخة وصدر عريض، قصير القامة ليبدو كالمصارع،  وهو يصرخ ويدق الأرض بقدمه بقوة كحصان نافر، متذمراً، مكفهر الوجه وهو يقول:

ماذا… لا تملك نقوداً؟! ماذا يعني ذلك؟ ها…

– نعم يا سيدي وأنا لا أقول إلا الحق، ثمَ أردف: كما ترى، فأنا جندي، أقصد لا أملك شيئاً، يعني معذرةً عليك أن تصدقني! وها أنا سألتحق بمعسكري حالاً، يجيبه الزبون ببرود وغفلة وكأنه أستيقظ من النوم للتو.

– أي حق يا هذا؟ أجابه صاحب المطعم غاضباً وسحنته انقلبت صفراءَ بلون الليمون وهو يقول: لماذا تأكل قيمراً عندَ الصباح ومعَ العسل إن كنت لا تملك مالاً؟ حَنَّ قلب ماجد وأشفقَ عليه وهو يصيخ السمع.

– لقد أعجبني منظره، ولم أجد نفسي إلا وأنا أجلس وأطلب الفطور دونَ تفكير! ثمَ شرعَ يقول:

 اعذر لي تصرفي غير المسؤول هذا وعلى تسولي!

لم يعد صاحبنا يطيق الصبر، فهجمَ عليه مقطب الجبين وكأنه ينوي أكله! وهو يدمدم: كلما كثرَ الذباب هانَ قتله! ولم يبقَ لماجد من خيار إلا التدخل للفصل بينهما قبلَ أن تقع مصيبة، علماً بأنَ المطعم كانَ خالياً من سواهم، فقالَ محدثاً نفسه، يكفينا ما يجري في الخارج من قتل وتهجير وسلب للممتلكات والحريات… إذن علي أن أمنع ما قد لا تحمد عقباه.

حاولَ تهدئة أبي جعفر متوسلاً: أرجوك عليك أن تعتني بصحتك، ثمَ استطرد:

 الرجل وكما هو واضح من كلامه وأسلوبه يمكن التفاهم معه، وأردف بثقة مصطنعة محاولاً إقناعه: أنظر له أنه ودود وهادئ ويمكن التحدث معه في كل شيء! وهو يصوب نظراته المستغربة نحو الزبون الذي يلحس أصابعه بعدَ أن علق العسل فيها! ثمَ قال وهو يصطنع الحزم بعدَ أن وضعَ نفسه قاضياً بالتبرع:

كم تملك من المال( وهو يوجه سؤاله ونظره إلى الزبون المنشغل عنهم)؟

– أجابَ وهو يقطب جبينه وكأنَ السؤال غير موجه له: لا أملك سوى هذه المسبحة التي تراها في يدي!

عندها جن جنون صاحب المطعم عند سماعه كلمة مسبحة، صكَّ على أسنانه كالذئب وهو يزمجر بتهالك: مسبحة! ومن قال لكَ بأنَ الفطور عندنا يقدم لقاء مسبحة؟ هه… ثمَ دمدمَ بقرف، أجبني وإلا اقترفت جريمة الآن؟!

سحبه ماجد بحركة خفيفة وسريعة نحو أحدا أركان المطعم وهمسَ في أذنه بخبث مسالم وكأنه يحاول استرضاء طفلٍ يبكي وقال:

خذ المسبحة! فأنا أعمل في هذا المجال، بل أتاجر فيها! خذها فهي من النوع النادر، لا عليك إنها تساوي ثروة وأنا أعرف قيمتها جيداً، بينما هذا الأبله لا يفقه عنها شيئاً، فكل ما يفكر به إشباع معدته… خذها واطرده ولا تجعله يدخل مطعمك ثانيةً، سوف لن تخسر شيئاً، بل العكس، ستجني ثروة خرافية من ورائها، قال له ذلك بعد أن عجز عن إيجاد حل يرضي الطرفين، سوى هذه الحيلة البريئة، على الرغم من أنه لا يحب المسابح ولم يلمس واحدة في حياته قط، لا خيوطها ولا خرزها، وتذكر المثل القائل: أي قميص لا يصلح للعريان، صدقه الرجل عن طيب خاطر عجيب كالطفل تماماً وقالَ باسماً: أحقٌ ما تقول؟

– أومأ برأسه، علامة الإيجاب.

فقالَ حازماً: هل تقسم على ذلك؟

– نعم أقسم، وهو لا ينوي سوى فعل الخير… فأقسم، وروحه راضية مطمئنة ونفسه مسرورة!

أقتنع صاحبنا بالفوز العظيم بعدَ أن استحوذ على الكنز وهو يضغط على المسبحة بقوة وكأنه يخاف عليها من أن تطير، يخرج ماجد منتشياً لكون المشكلة انتهت بسلام! 

انقطعت زيارات ماجد إلى المطعم بسبب مرضه المفاجئ الذي أقعده عدة أيام، وبعدَ أن تعافى وعادت صحته تتحسن، تاقَ إلى القيمر والعسل والخبز الحار… فوجه دعوة إلى صديقة وزميله في الكلية عامر كي يتناولوا فطورهم عند ذاك المطعم…

وقفَ ماجد عندَ ذلك الصباح مذهولا، خجولا أمام عامر، لا يعرف كيفَ يعتذر منه! فقد وجدا المطعم مغلقاً، فإذا بماجد يدمدم بكلمات غير مفهومة وهو يقول: سأسأل عنه، ثمَ هبَ منصرفاً إلى أحد المحال القريبة… وإذا به يصعق من هول الخبر…

رجع إلى صديقه منهاراً وأطرافه ترتجف من الخوف والانفعال وهو يروي قصة الخبر بتهالك مفضوح:

– لقد قُتِلَ صاحب المطعم قبلَ يومين… ثم باتت كلماته تتدحرج من فمه ثقيلة، متقطعة وهو يقول متشنجاً:

 لقد ساعدت وخططت لارتكاب هذه الجريمة الشنيعة دون قصد أو إدراك أو حتى سوء نية… حين رفضَ أبو جعفر إرجاع المسبحة… آه يا إلهي… كيف لم يخطر ببالي ذلك، ثمَ يرد على نفسه كالمجنون بعدَ اشتدت ألامه وتداعى صوته:

ولكن كيف يمكن لي التكهن فيما سيحصل؟ لقد كنت أنوي منع شجار يحدث أمامي وقد يتطور إلى… إلى ماذا… لقد قتل الرجل بسبب المسبحة!ثمَ ردد وهو يتخبط في الكلام كالمحموم:

لقد كانَ الزبون يسمعنا عندما كنت أحاول أقناع صاحب المطعم بأنها… ستعني له ثروة… ثمَ قال وصوته يرتجف وفيه حشرجة اليأس: يا لي من غبي، لقد كانَ يسترق السمع! وصدق المسكين كذبتي البريئة الساذجة واستحوذ الطمع على عقله!

هل فهمت المصيبة؟ قالها وهو يصوب إلى صديقه عامر نظرات قاسية، ليسَ لها معنى، جامدة وكأنها نظرات ميت…

انكسرت دمعة على خده، شعر وكأنها تفجرت من بينَ أضلعه… بينما بهت عامر صامتاً، ساكناً كالحجر… وعيناه تلح عليه بمائة سؤال وسؤال، بعدَ أن علت آيات الدهشة والاستغراب والحيرة على وجهه وهو ساخط من بؤس صديقه وحجم الكارثة التي لم يكن يعنيها إطلاقاً.     

حاولَ عامر تهدئته وهو شارد اللب، ثمَ استرد جزءا من شجاعته، رغم خفقان قلبه بقوة وتدافع أنفاسه واحتقان الدم في وجهه وهو يقول برقة مصطنعة:

إنها مجرد صدفة، أي بمعنى آخر قضاء وقدر ليسَ إلا، فلم تكن تعلم بأن الأمور يمكن أن تسير بهذا الاتجاه المأساوي… قاطعه ماجد بحدة، بعد أن غمرته موجة انفعال مضطرب وهو يقلب عينيه وكأنه شربَ السم قبل قليل! يبكي ويتلوى ويصرخ عالياً:

أنا… أنا القاتل الحقيقي، إنها نصيحتي القاتلة… ثمَ سرت رعشة في جسده زلزلت قلبه من مكانه… فسقط على الأرض فاقد الوعي… وكأنه لا يريد أن يعرف عن حياته القادمة شيئاً آخر!

بينما ظلَ منظره على رصيف الشارع وهو مسجى… يثير في النفس مكامن الشجن، وصرخاته المدوية التي أطلقها… تجعل الشقاء تحت أقدامه يبكي والأحزان بهيبتها تصمت…!    

 

  

 

هيثم نافل والي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين