الرئيسية / الاخبار / قراءة في نص ( روميو .. أين أنت يا روميو )

قراءة في نص ( روميو .. أين أنت يا روميو )

منتظر السوادي ///

النصّ


O Romeo!.. Where art thou, Romeo?!
روميو .. أين أنت يا روميو ؟!

قِفِي خَلفَ السُّورِ
اخفِضِي رَأسَكِ .. ورِاقِبِي طَريقيِ اللَبنيّ
هناكَ ستجِدِينَني عند زَيزَفُونَة .. أبزغُ مع الشُّعاعِ الذهبيِّ!
….
تَلسَعُنِي إِبَرُ العَقَارِبِ
تَتَأرجحُ الدَّقاتُ بي ذِهَاباً وإِيَاباً
كدميةٍ يَقذفُني ” البَندولُ ” .. أتعلقُ بالسُّورِ
في انتظارِ الشُّعاعِ الذَّهبيِ !

***

السُّورُ يَزحَفُ تَحتَ رَاحَتَيّ
يَلُفُّنِي مِن حَولِي .. رَاحَ يُطبقُ عَليّ
يلقمُني رَحيقَ أزهارِهِ
أَتَجَرعُهُ شَهقَاتٍ ذَائِبةً في حريقِ زَفَرَاتٍ
أعوَادُها مَشجُوبةٌ في عُرُوقِي
بَتلاتُها البَلسَميَّةُ تَخدِشُ سَفحَ وَجنَتيّ
عَينَاي تَهمِيان
في انتظارِ الشُّعَاعِ الذَّهبيِ !

***

يا فَارسًا من زَمَنِ ” سَاكسُون
أَعَارَه طَائشٌ سَهم ” دُون جُوَانَ
أَصَابَ عَرُوسًا في السُّويدَاءِ
فاخَّضَبَّ شعرُ رَأسِهَا ..
رَسَمَ جِيدَها تَفَاصِيلَ لَيالٍ
من غَارَاتِ ” نُورمَانَ ” دَامِيَةٍ
تُزجِي تَنَانِينَ إلى شُطآنِهَا النُّورَانِية
فَتَستَعِر منها لَهِيبًا
كَلَهِيبِ الشُّعَاعِ الذَّهَبيِّ!

***

وَحدِي أنَا عَلى مَسرَحِي
أَينَ من أشارِكُهُ !!
قد خُطَّ لنا أَن نَكُونَ سَويًّا
هَلْ عَزَمتَ تَغييرَ أُسطُورَتِي
أن أَتَجَرَّعَ الزُّعافَ قَبلكَ !
هَلْ ستَحْمِلُنِي وتَرتَشِفُ بَقيتِي؟
هَلْ ستَغْزِلُ تَنَاهيدَ احتِضَارِي قَصِيدًا
على السُّورِ تُعَلِّقُهُ؟
أنا خَلفَ السُّورِ أَقِفُ … تَلَثَّمْتُ بِالانتِظَارِ
قد تَنَاثَرتُ أشْلاءً عَلى أَعتَابِ
الشُّعَاعِ الذَّهبِيِّ !

***

دينا نبيل 8 / 10 / 2011

 

القراءة

 

روميو .. أين أنت يا روميو ؟!
قِفِي خَلفَ السُّورِ
اخفِضِي رَأسَكِ .. ورِاقِبِي طَريقيِ اللَبنيّ
هناكَ ستجِدِينَني عند زَيزَفُونَة .. أبزغُ مع الشُّعاعِ الذهبيِّ!

نص كلاسيكي ، ذو أجواء غربية واضحة بدءاً من العنوان ، مروراً بالرموز التي يحملها ، ومن ثمَّ فالنص يحتاج إلى فكّ بعض رموزه ليتسنى للمتلقي فهمه بيسر ، سنوضح الرموز في حينها ، العنوان يتناص مع المسرحية الشهيرة لشكسبير[1] ، وهو يمثل ثنائية بين روميو العاشق وجولييت ، الحوار الذي في النص هو بين البطلين روميو وجولييت ، عنوان النص عبارة ” أين أنت ؟ ” ، العنوان يبيّن الحال النفسية المسيطرة على البطلة وهي مناجاة الحبيب وانتظاره ، نجد في المقطع الأول أفعال الأمر من روميو لكن على لسان حبيبته ، إذ لم يظهر على ساحة النص إلا عن طريق الاستعذاب والتلذذ به من قبل البطلة ، فبعد أن طال غيابه ، عادت تناجي نفسها عبر المنولوج الداخلي لتبيّن للقارئ ما دار بينهما من حوار ، يلاحظ القارئ سيطرة أفعال الأمر على قول البطل الغائب خلف عتمات المجهول ( قفي – اخفضي – راقبي ) وهناك فعل الاستقبال ( ستجديني ) فهو قد وعدها بأنه سيقدم بازغاً كالنور الذهبي ، هنا يظهر مدى حبها له ، فهي تعتبره نورها الوحيد الذي يبزغ ويمزق عتمات الانتظار الخانقة ، يبدو أنها هنا تستلذ بهذه اللفظ لذا نجده ( الشعاع الذهبي ) قد تكرر في النص لما له من وقع عذب على نفسية البطلة المنتظرة .
بعض ما اتسم به المقطع
– خلوه من الشعرية ، فالكلام خالٍ من الانزياحات والصدمات ، وهو أقرب إلى المقدمة العادية .
– الاستفهام في العنوان ، ربما يحتمل بعض التأويلات ، مثلاً يدل على اليأس وطول الانتظار ، ربما سؤال حقيقي ، وعندها يكون الجواب بتلك الأفعال الأَمرية الثلاثة ، وان كانت الأفعال أقرب إلى صدى للسؤال في عالم الحلم ، لأنه شاغلها فمن الطبيعي ان تتصوره في المنام .
– ” طريقي اللبني ” هنا الياء مع طريقي تفتح بعض التأويلات منها أنه كثير الارتياد لهذا الطريق ، ومنها ان الطريق له خاص فالياء ياء التملك .
– ” اخفضي رأسك ” ، نتساءل هل حبا بها قوله اخفضي رأسك ، كي لا يراك احد ، أو خوفاً عليها ، أم كي لا يعذلها الآخرون …. النص مفتوح هنا .
– الزمان هو ليل وعتمة والليل له دلالات الحزن ، الوحدة ، الظلام الوحشة ، الصمت ، الضيق … ويستشف القارئ الزمان من عبارة ابزغ مع الشعاع ، فمعنى ذلك أنها في الظلام ، وكل هذه تتلاشى مع طلوع روميو .
– تَلسَعُنِي إِبَرُ العَقَارِبِ
– تَتَأرجحُ الدَّقاتُ بي ذِهَاباً وإِيَاباً
– كدميةٍ يَقذفُني ” البَندولُ ” .. أتعلقُ بالسُّورِ
– في انتظارِ الشُّعاعِ الذَّهبيِ !
الانتظار دقائقه أطول الدقائق وساعاته من أطول الساعات ، فجاء تعبير البطلة عن حالها النفسي لانتظار روميو ، عصيب إذ هي على جمر الانتظار تلسعها الثواني فالدقائق ، فكل دقة صامتة للساعة تلسعها لسعا عسيرا ، العقرب من طبيعته اللدغ لا اللسع ، اللسع للحرارة ، من هنا نعرف كم الانتظار يحرق روح البطلة ويلسعها مع هزات العقارب ، يا له من وقت عصبصب ، أضف أنها غير مستقرة ، وإنما متراقصة فوق حصى الانتظار المحرقة ذهابا وإياباً منتظرة ، وروحها متعلقة بالسور ، لا تبارحه ، رغم ان الموقف مميت بل الموت دونه .
– هل وفقت الكاتبة في التشبيه في قولها ( كدميةٍ يَقذفُني ” البَندولُ ” ) ؟ نتوقف قليلا عنده …. يبدو أنه لم يضف شيئاً إلى المعنى فالحركة مستمرة قلقة ، وهي إلى الحركة النفسية أقرب منها إلى الحركة الجسدية , لكن كلمة ” دمية ” تستوقف القارئ ، البطلة تصور حالها النفسية ، ومن ثمَّ فهي بلا روح وبلا نبض تماما كالدمية ونبض روحها هو ذلك الشعاع الذي لا تعرف متى سيبزغ ، يَظُنُّ القارئُ أنَّ لفظة ” دمية ” هي ما أضفت على التشبيه روعته وشاعريته مع بيان مدى جمال البطلة الحسيّ لأَنَّ في الأعم الأغلب توصف الفتاة الجميلة بالدمية .

السُّورُ يَزحَفُ تَحتَ رَاحَتَيّ
يَلُفُّنِي مِن حَولِي .. رَاحَ يُطبقُ عَليّ
يلقمُني رَحيقَ أزهارِهِ
أَتَجَرعُهُ شَهقَاتٍ ذَائِبةً في حريقِ زَفَرَاتٍ
أعوَادُها مَشجُوبةٌ في عُرُوقِي
بَتلاتُها البَلسَميَّةُ تَخدِشُ سَفحَ وَجنَتيّ
عَينَاي تَهمِيان
في انتظارِ الشُّعَاعِ الذَّهبيِ !
الروح متعلقة في السور تنظر وتنتظر شعاعاً طال غيابه ، والجسد خاوٍ في حركة مستمرة مع لسعات الوقت ، لشدة الشوق إلى الشعاع باتت متعلقة على ذلك السور ، رغم معرفتها أن الشعاع عند بزوغه لا يحجبه السور ، بعدها يتحول السور إلى أُفعوان متحرك فهو في البدء يزحف ثم أخذ يلتف على البطلة ويخنق لحظاتها ويأسرها ، فما لديها سوى زفرات الروح المحترقة ، ومن المفارقة حتى قطع الأزهار بدت تخدش وجه البطلة ، بالطبع إِنَّه حالها النفسي المتمزق الذي حطمته الدقائق .
رغم جماليات المكان الرائعة إلا أنَّ البطلة تستشعر بالضيق والاختناق ، وعدم الاستقرار ، ذلك بسبب الحال النفسية .
***
يا فَارسًا من زَمَنِ ” سَاكسُون ”
أَعَارَه طَائشٌ سَهم ” دُون جُوَانَ ”
أَصَابَ عَرُوسًا في السُّويدَاءِ
فاخَّضَبَّ شعرُ رَأسِهَا ..
رَسَمَ جِيدَها تَفَاصِيلَ لَيالٍ
من غَارَاتِ ” نُورمَانَ ” دَامِيَةٍ
تُزجِي تَنَانِينَ إلى شُطآنِهَا النُّورَانِية
فَتَستَعِر منها لَهِيبًا
كَلَهِيبِ الشُّعَاعِ الذَّهَبيِّ!

تبدأ هنا الرمز الغربية في الظهور على مسرح النص ، الساكسون هم جماعة سكنوا برطانية في زمن سحيق ، ونسبة لهم لغة الساكسونية ، فتعود البطلة بحبيبها إلى ذلك العصر ، والعودة إلى الجذور القديمة له دلالات عدة أهمها الأصالة والبراءة ، التي يتوقع الإنسان المعاصر أنها كانت موجودة في تلك الأزمان ، إذ الوفاء والحقيقة متجذرة في نفوس البشر آنذاك ، ” دون جوان ” شخصية أسطورية اسبانية امتازت بالعشق الطائش أو عشق عبثي ، ومن ثم فالبطلة تخبره باستنكار أعاره دون جوان سهمه الطائش ليوقع في حبه هذه المرة فتاة في زيّ الزفاف عروساً ، كانت الكاتبة موفقة في اختيار لفظة عروس لأَنَّ العروس تكون منشغلة تماما ومنتظرة لزوجها ولا يخطر على بالها مطلقاً التفكير في حبٍّ جديد ، لكن هذا الفارس أوقعها في حبه إذ أصابها في القلب ” السويداء ” ، وتغيرت ملامحها ظاهرة على شعرها والمتلقي يعلم أن الشعر لا تظهر عليه التغيرات الداخلية للنفس عكس الوجه ، فاختيار لفظة ” عروس ” هنا دلالة على شدة الوقوع في شباكه ، هذه العروس ذات الجيد الأبيض الذي شبهته الكاتبة بــــ ” شطآنها النورانية ” لأَنَّ شواطئ النورمان وهم قبائل أوربية كانت تقوم بغارات على إنكلترا في ذلك العهد وعند رجوعهم يصلوا إلى تلك الشواطئ الثلجية ، الصورة إذن روميو رسم على جيدها أحلامه بدمائها ثم هذه الرسوم كانت أشبه بشقوق البراكين تسعر بالنيران ، وهذه النيران تشبه الشعاع لأنها تشقُّ صدرها الثلجي لونا لتخرج منه زفرات الأَلم والعذاب المحرقة ، الصورة غاية في الروعة كما يبدو للقارئ بعد التعرف على الرموز لكنها متشحة بالغموض والبعد بسبب تداخل الصور وتوالد المعاني ، فتحتاج كدَّاً ذهنيّاً للوصول إلى المعنى المحتمل .
وَحدِي أنَا عَلى مَسرَحِي
أَينَ من أشارِكُهُ !!

قد خُطَّ لنا أَن نَكُونَ سَويًّا
هَلْ عَزَمتَ تَغييرَ أُسطُورَتِي
أن أَتَجَرَّعَ الزُّعافَ قَبلكَ !
هَلْ ستَحْمِلُنِي وتَرتَشِفُ بَقيتِي؟
هَلْ ستَغْزِلُ تَنَاهيدَ احتِضَارِي قَصِيدًا
على السُّورِ تُعَلِّقُهُ؟
أنا خَلفَ السُّورِ أَقِفُ … تَلَثَّمْتُ بِالانتِظَارِ
قد تَنَاثَرتُ أشْلاءً عَلى أَعتَابِ
الشُّعَاعِ الذَّهبِيِّ !
المقطع الأخير تتضح دلالة النص ويبدأ العتاب والعذل واضحاً جلياً ، البطلة وحيدة وتناشد من يشاركها في حياتها ، تخاطب روميو بمرارة قائلة خُطَّ لنا العيش سوية فلمَ تريد تغيير مجرى الرسم الأسطوري لعشقي إياك ، هل ستتركني أتجرع الهجران سما ، أم تأتي وتحمل أحلامي وتخلص روحي من أفعوان الانتظار الذي أطبق على أنفاسي ، ها أنا يا من تدعو نفسك بالشعاع الذهبي قد فتَّتَ أفعوان الانتظار كياني وروحي ، وما أنا سوى فتات في دروب الانتظار .

 [1] – تُعدّ قصة تقليدية (كلاسيكية) تعبر أصدق تعبير عن الحب لدى الشباب ، والمسرحية تخص عاشقيْن من ذوي الحظ العاثر ، لذا كان متوافقا مع مضمون النص .30/10/11

 

 

منتظر السوادي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين