الرئيسية / الاخبار / أخت القمر……قصة قصيرة

أخت القمر……قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو /////

زارني اليأس سارق ريح 

تنبض أوهامي …. مثل أحلام …. صبية 

منذ تعارفنا كان اللقاء رحيلا. 

بالأمس ….تذكرت 

وردة قرنفل

خبأتها تحت الوسادة..

تحاصرني مواسم الفقر وتقاليد العشيرة

حطمت ريحهم زجاج نوافذي

وجهك عصي نسيانه ….. أعرفك من بين كل النساء …..أنت القمر الذي أحن اليه ….. يداعب خيالك أحلامي… منذ سنين …..أنت التي أسميتها أخت القمر …..

عزيزة…. المرأة التي ذاع صيت جمالها في القرية ……وذاع صيت العفريت الذي أضناه عشقها فتلبس جسدها …. عاقدا أذيال ثوبها ……والويل لمن يقترب من عزيزة …. حتى تخطت الثلاثين ……كل الرجال تخافه ….. فتهرب منها …..

تروي عجائز القرية وشيوخها قصصا مشابه لقصة عزيزة إذ انها ليست الوحيدة التي يعشقها الجان بل سبقتها الكثيرات …..

قصدت عزيزة شيخ القرية ….. الرجل الاحدب …. يقصده الناس لإشاعة الطمأنينة لأرواحهم المتعبة ….. صاحب البركات….. يقدمون له نذورهم وهداياهم …..يقرأ تعويذاته على رأس المريض فيشفيه ……تقصده نساء القرية ليبارك أطفالهن ….. وحتى العانس تقصده …..ليجلب لها الفأل الحسن ويبعد عنها الارواح الشريرة ….

إلا عزيزة ….

كلما زارته يحدثها عن عشق عفريتها وهيامه …..محذرا إياها ان تعشق سواه ……ولكن ما حيلة قلبها بمن تهواه سرا.؟…فهي تخاف عليه من غضبة الجان …..

بيد مرتجفة وقلب واجف تطرق بابه ثانية فقد قررت ان تقدم له مبالغا طائلة ليقرأ تعويذاته ويخلصها من كوابيسها

….تشعر بجفاف ريقها وخوفها ان يتلعثم نطقها حين تقابله …..

فتح الباب صبي مشرق وجهه ….تغلب على ملامحه شقرة منحته جمالا ….خاطبها مستفهما …..أتودين مقابلة أبي ( الشيخ )…..؟؟ انه في المقهى القريب …..

كان الشيخ قبالتها يراقبها باهتمام بالغ فكان من دواعي سروره وغبطته انها التفتت بكل جسدها نحوه فأومأ لها ان تمنحه مهلة قليلة …..

لاح لها في المقهى القريب وقد اعتمر كوفيته واضعا عصاه بجانبه…… رغم انه يتمتع بكامل قواه الجسدية …جالسا في اخر مقعد ….يرتشف أنفاسا من نرجيلته ….هادئا منعزلا ……

ما لبثت عيناها الواسعتان ترقبه …. لكن الصبي .قادها الى غرفة للضيوف…. شبه مظلمة…… استقبلتها أجواء عابقة بالبخور والمسك والحرمل ….ضباب كثيف يعم المكان …….أشباح تتراقص فوق الجدران ……أثار انتباهها خيال رجل ارتسم على الجدار

كأنه جالس على أرضية الغرفة تبرز عيناه بوضوح رغم تصاعد الدخان والضباب ….تصورته .كأنه يقترب منها …. أخذت هي الاخرى تقترب منه ……لكنها لا تعرف مقدار المسافة التي تفصلها عنه …..كانت ذراعاه مطويتين فوق صدره …..أثنت ركبتيها وجلست أمامه ……من خلال تكاثف الدخان تعرفت عليه …..انه هو صاحب البركات أو الرجل الاحدب ……صاحت بفزع شديد …..يا الهي ….كيف دخلت الغرفة ومتى ……؟؟…انه يلتزم الصمت …… دون ان تظهر على وجهه ملامح معينة …..؟؟…..ما زال يتفرس وجهها

…..أما زلت عاجزا أمام ذلك العفريت اللعين …..؟؟؟

لاحظت دهشته وانبهاره ثم قال بنبرة رقيقة …….كيف تتجرأ المرأة الفائقة الحسن وكيف تتفوه بهذه الالفاظ عنه ….. لولا وجودي لكان له شأن اخر معك …..

بدت عيناه جاحظتان مخيفتان …..قال بصوته الخفيض …..

أنت المرأة التي تتكرر رؤيتها في منامي ..قرينة القمر المنير تقتلعني من الارض كما تقتلع الجذور من طينها وتشهق بي صوب المجرات اللامتناهية بسرعة الضوء ورغم اني قد ….أحببتك منذ الصبا ….مذ كان القمر في محاقه .. لكنك كنت تقابلين هيامي بالسخرية والاستهزاء ورفضتني حين تقدمت لخطبتك من اهلك. أتتذكرين تلك الضحكة الهازئة بي؟؟

.والآن ….. ستكونين لي وحدي دون الاخرين عندها لا يجرؤ العفريت ان يقترب منك …… قضاءك وقدرك ان ترضي بي زوجا …..ها إني أقرأ طالعك فوق جبينك ……إلا تدركين اني لا أبغي إلا خلاصك من الارواح الشريرة …..وما يثير حزني وألمي انك لا تثقين بما أقوله ….لكني أقرأ كل ما تفكرين به في هذه اللحظة……

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وبرودة حادة تتسرب صوب قدميها …..وهي تصرخ باكية ….. وتكرر قولها …..ولكن هذا حرام …….

…. القت بقدح الشاي الذي تحمله نحو جدار الغرفة وولت .هاربة من داره وسط استغراب زوجته وأولاده وأحفاده .. اية كوابيس مريعة تنطفئ في وجدانها تاركة دخان اللافهم واللامعنى..والهلع …..

في اليوم التالي نهضت مبكرة وهي على أتم الاستعداد لإنهاء طقوس زفافها للشيخ الاحدب …..دون ان تشعر بسعادة أو رضا ….

ولكن أهل القرية اتفقوا …..على ان ما قاله الشيخ العراف كان صحيحا .. وانه مكلف بحمايتها وإنقاذها… فباركوا القِران…

 

سنية عبد عون رشو

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار