الرئيسية / المقالات / استقلّا ولكن … مهلا فقد تعجلت!- وكالة ذي قار

استقلّا ولكن … مهلا فقد تعجلت!- وكالة ذي قار

استقلّا ولكن … مهلا فقد تعجلت!

سُئل رجل: لِمَ تكلفت مشقة صعود الجبل؟ فأجاب: لأني وجدته أمامي! ومن تلك المشقة، ما ضاق دون كتابتِه وتصويره ألوف الأوراق والأشرطة، ولم يطرح يوماً ثمرا، بل خلف علقما وشررا، ويظل يخوض فيه كثيرون وهم يقدرون ألا يخوضوا، ولكنهم لا يشعرون، فيتكلفون الوعورة ويدعون المهاد.

فلنتناجى بود، أيها العروسان، لعلنا نجتنب غفلة يخضع له بعضنا في بيوت ومجالس وعلى هواتف، لا ينتبهون منها إلا قليلا حين ينير فيهم قبس من يقظة، ثم يطفئه طوفان الإمعية، فيستعيدون خضوعهم للغفلة، يجترونها ويضيفون إليها، ثم يرسلونها كأنها تبرع محمود وعطاء مطلوب وهي هباء منثور.

العجب، أن نوغل في مرض بدلا من نبذه ومنْع عدواه، كأننا مسحورون نستمرئ ما لا يستساغ. العجب إن جهلنا الفرق بين البدايات والنهايات، فلا نحن نفهم ولا غيرنا. مقاصدنا ونهايات أفعالنا، مهما كانت جميلة جذابة، إذا اتخذنا منها أوصافا وأعذارا لمسالكنا وبدايات أفعالنا، مهما كانت قبيحة ومنفرة، غالطنا أنفسنا، ووصلنا إلى غير ما نريد، فنكون خسرنا تعب المسلك والوقت، وخسرنا القصد المنشود، بل مزجنا فعكرنا وأفسدنا.

 

لنتفكر معا، يا أحبتي، في هذا الأساس للحياة. إن لم نميز بين (الفعل) و(النية) وجعلناهما أمرا واحدا، خرجنا من زلة لننحدر في أخرى. وأشرح الخلط بين الفعل والنية بمثال. أجذب قلمك من جيبك فأشقه، فان أنت أنكرت (الفعل) إذ شققت جيبك، أجبتك بأن (النية) أن أكتب لك رسالة، فأوحي لنفسي وإليك أن (الفعل) مستحب مادامت (النية) مستحبة، أجعلهما أمرا واحدا، فأغفل عن مراجعة ما فعلت!

وأبين بمفردات أخرى قصورنا في التفكير، حين نجعل (الأسلوب) و(الغاية) سواء، فأسوق مثالا آخر لهذا القصور. أدق مسمارا على بابك بعد منتصف الليل، فان أنت كرهت (الأسلوب) رددت عليك بأن (الغاية) أن أعلق لوحة باسمك، فأقنع نفسي وأقنعك أن (الأسلوب) جميل لأن (الغاية) جميلة، أجعلهما أمرا واحدا، فلا أحاسب نفسي، بل لا أفكر في فعلي لحظة!

أيها العزيزان، إبني وزوجته، وكل أخ وزوجته. ليس بدعا في القول إننا ننفر من التطفل ومن كل خصلة سيئة، إنما العجب إذا تعهدناه وتعاطينا أشواكه وأعراضه وأدواءه في زمن أمسى فيه العلم والمعرفة والحكمة أمورا مشاعة متيسرة في الجيوب والأيدي. العجب ألا نعرف التطفل، بل نحمده ونتخذه سببا نحصل به على مبتغانا. نعيش التطفل، الذي لا نحس به، أسلوبا عاديا ومنسيا مع النهايات التي نريدها، ثم لا نصلها إلا وقد أسأنا وفقدنا خير العمل وأفقدناه غيرنا، ومعه الثواب الذي نظن أننا نستحضر طلبه عند أقوالنا وأفعالنا.

يا حمَلة الآمال. العيش لا يصفو إلا باستدبارنا علة خسرنا منها نحن وغيرنا. ويعلم الله اني لست أريد من حديثي إلا الطمأنينة لكما ولنا ولأحبتنا وإخوتنا، وهو ليس برأي أنشأته إنشاء، وإنما حقيقة أنقلها، قالتها الحكماء وأفلحت بها المجتمعات.

فلنتصارح بهدوء، وأبدأ بالقول إن حديث مثلنا معكما وسؤالنا عنكما وتفقدنا لكما واستنجادنا بكما، أمور طبيعية لا بد حاصلة بين أمثالنا في كل عصر ومصر. فاذا ما كثر سؤالنا لكما عن تفاصيل أمور حياتكما، وأفرطنا فيه، وكثر عتابنا لكما، وأفرطنا فيه، وكثر اتكالنا عليكما، وأفرطنا فيه، وكثر توجيهنا لشؤونكما، وأفرطنا فيه، عندها لا يختلف عاقلان -عندهما قليل علم بالإسلام والمسلمين وبباقي الأمم العظيمة- أن الحال يخرج من الصواب والمقبول، وينقلب إلى انشغال مرهق لنا جميعا يصرفنا عن ذواتنا وعن الرشاد والرزانة والترتيب والمنفعة، وقد ينفرنا من بعضنا، ونحن نسكن متجاورين. هذا الانصراف بالإفراط هو التطفل المؤذي بعينه، وهو الأمر الذي نحتاج أن نتصارح فيه، ولا حرج بين الأحبة، ولا حياء ولا خوف، فالله لا يستحي من الحق، والنقاش متاح في كل شؤون حياة المؤمن العاقل الباحث عن الحكمة منذ يعرف الدنيا وحتى يفارقها. والتطفل يا أحبتي، كأي خطأ يقع فيه أي إنسان، قد يحصل منا، ومن غيرنا، عليكما ونحن لا نحسه، بل ونراه غاية الحب ومنتهى الحنان! نخلط بين وسيلة وقصد، بين أسلوب غاية. ولا تندهشوا وقد اتفقنا أن نتصارح بهدوء! فلنكمل كذلك، وكلنا راشدون لا يشوبنا حديث العقل والقلب والحق.

لا عاقل يرفض الاعتدال في المعاملات ويجادل فيه. وقبس الحق المتحرك في أعماقنا يبين لنا ذلك، لأنه يوم أضاء لنا وتشبثنا به، تلذذنا بنعمته.

واقع الحياة اننا لسنا بمعصومين، وقد نحيد عن الاعتدال إلى التطفل حين نظنكما مُلكا لنا، لأنكما لصيقان بنا في سكناكما، ويظنكما كذلك كل من يزورنا، ونحن لا نشعر بالتطفل ولا هم يشعرون! أمر ينقض التربية الحقة والنشأة القويمة والأخوة الكريمة التي نزعم، ويزعم غيرنا، أننا أعظم من يتعهدها بأفعالنا وأقوالنا. ولنكمل بهدوء كما بدأنا.

أقول إننا سنقتحم حياتكما، نحن وغيرنا، وقتما تخطران لنا، وفي غير طارئ ولا فيما يتصل بحاضركما وبمستقبلكما. وأعيد القول بأني لست أصطنع كلاما وإنما أروي وقائع، ينكرها من يشاء، ويقبلها من عنده قليل علم بالحكمة من دين وسيرة وخبرة، من مر بما مررنا به، ومازال إحساسه يقظا فيه. نعم، سنقتحم عليكما حياتكما ونحن لا نحسبه تسلطا بل نراه عاطفة فاتنة فياضة فيها مصلحة عظيمة ثمينة لكما، وقد نفتخر به بل ونتواطأ مع غيرنا عليكما، وهنا الحد بين الصواب والخطأ! إن نحن مِلنا بالهوى حصل الخلل القديم الذي قلت لكما أول حديثي إن ظلماته ملأت أفقنا وتنوء دونها الأقلام والألسن والصور، وأقول إن جرائره جثمت علينا فأعيت قلوبا ووأدت أحلاما وأفسدت بيوتا، وأصحاب هذا الخلل يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولو لم يكن هذا الخلل مرضا يعطل العقل والقلب والإرادة لانتبه إليه صاحبه ولم ينكره ثم تجنبه ومال إلى الصواب.

هذا الخلط الواضح بين الطريقة والهدف تجد بعض الألسنة تنكر حصوله بكلمات وبأعذار لا تنتهي لأنها فلتات عناد وعجلة وغفلة فلا تقوم على شيء. منهم من يتحجج بحصول طارئ يستوجب ذلك الخلط بين الناس، ونحن نعلم بالتجربة وبأبجديات العقل، ومن قواعد الحياة، أن كل طارئ ونادر وشاذ إنما هو أمر مؤقت ولا حكم له ولا يؤخذ به. نحن نتحدث عن الإفراط في التعامل العادي اليومي.

والأمر التالي في الصراحة والصدق بيننا، ونحن المكلفون الراشدون، هو الذي يتبع التحذير من الخلط لنا جميعا، وهو مقتضى ذلك الخلط المحتمل، أن بعض التباعد بين الأحبة يحفظ أمورهم وودهم لأنه يحول دون القلق حسابا لكثير تطفل. نعم يا أحبتي. لا بأس ولا حرمة في الاستقلال بالسكنى، فكل زوجين يحلمان أن يعيشا حياتهما حيثما وجدا السعادة والانفراد، ليتفرغا لمستقبلهما، وهذا فعل ملايين عندنا وفي العالم كله، بل مطلوب ولا تجد عاقلا يجعله جريمة. نعم، بعض التباعد في المسكن فيه خير لنا جميعا، فهل نرفضه؟

لكن.. لكن مهلا مهلا! وأتأسف لما قلته!

مهلا يا أعزائي، ولننس ما سبق! وأراكم ستعذرونني في هذا التراجع، فالرجوع عن الخطأ خير من التمادي في الباطل، وفضيلة لا عيب.

أقول مهلا لأنني فعلت فعل المتعجلين بالكلام ونسيت! نسيت يا إخوتي ما لا ينسى، وهو أهم مما قلته من قبل، إن لم ينسخه. نسيت أن بُعد مسكنكما عنا وعن غيرنا ليس هو الذي يمنع عنكما التدخل والفضول والعتاب والزعل والظنون، وإلا لمنعه عنا وعن كثيرين لا يسكنون معا. أهل التطفل والتسلط موجودون في كل مكان. صحيح أن بُعد الأجساد يخفف شيئا من المنغصات، لكن الذي يبترها بترا هو ما اهتدينا لفعله -زوجتي الحبيبة وأنا- بعد لأيٍ طويل وابتلاءات عجيبة. إن فيصل الحق موجود في كل واحد منا ومنكما وفي كل إنسان، موجود في داخلنا، لا في الخارج عنا، لا في مسافات ولا في مساكن.

نتوهم أحيانا أن الصراحة والأمانة والمناجاة خطأ، وها هي توصلنا إلى خير وفائدة، وتشرح صدورنا باللين والفهم والوعي. الجمال، يا أصحاب الطموح، هو أن تستقلا، ولكن حيثما تكونان، وأينما تكونان، فلا المكان ولا الزمان يهم، بل الإرادة. استقلا بمراقبة مولانا المهيمن وحده في صواب ما تقولان وتفعلان وفيما تسكتان عنه وتتركان. استقلا بنبذ كل ما جاوز الصواب، واجتهدا في هذا حتى يصبح طبيعة فيكما تطغى على الإمعية حتى تمحها، وحتى يفهمه من يفهم ويذعن له من لا يفهم. وعلينا نحن وعلى غيرنا أن نفعل هذا معكما وغيركما، من أجل مصلحتنا ومصلحة أحبتنا جميعا ومصلحة مجتمعنا كله في سائر أمور الحياة.

نعم، التعاون حق ومطلوب جميل. نعم، تلبيتكما حاجات غيركما مطلوبة، ولكن بالعلم الذي منه “اتق الله ما استطعت”، و”لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” و”إن لنفسك عليك حقا”. وإن كان الانقطاع الشديد المفرط مكروه، فالاتكال الشديد المفرط مذموم مثله، والحياة القويمة وسط بينهما. كل حال وكل موقف وكل خصلة في الدنيا لها حد معقول مألوف مقدور عليه ويحقق سلامة الحياة. وستشهدون أحيانا قليلة، مثلما شهدنا، فقاقيع تنتفخ وترتفع بأنفاس من حولها، فتلمع وتتلون وتقرقع. فقاقيع لا وزن لها، تختفي بسرعة ظهورها إن تُرِكت، فلا تتلقوا عن فقاقيع شيئا، ولا تشخصوا البصر إليها أكثر من طرفة عين، وافعلوا ما تطيقون ودعوا ما سواه، ونحن وباقي الأحبة نجتهد أن نفعل ذلك. وما نتكلفه كلنا أحيانا قليلة وقد نعاني منه، نحتسبه عند الله احتسابنا لسائر جهودنا العادية غالب أيامنا.

المؤمن كيّس فطِن، يفهم من الأفعال والمواقف فينكشف له الصالح والطالح، ولا ينسى الدعاء. التغافل والتصبّر من شروط وعلامات النضج والرشد السارية علينا جميعا. والمداراة والتعريض بالكلام، التلميح بلا تصريح، حكمة مطلوبة أحيانا، أي أن يقول المرء خبرا ويقصد غيره، كمن يغيب عن مقابلة شخص ثقيل فيقول إنه انشغل بموعد بالمستشفى وهو يقصد موعدا قديما، فهو بذلك لم يكذب، وهو أيضا دارى ولمح، جارى ولم يصرح، ليسلم.

يا أخلائي. صارحتكما وسأبقى أكاشفكما بما عشت وشعرت، بلا حرج ولا مماحكة، لا أكتمه بتفسيرات وبأعذار أقبح من الذنوب، فأغشكما وأكتم عنكما من أخطار الحياة وأسرارها. قد ينكر كثيرون حصول ما وقعوا فيه ويرفضون حقيقة أسبابه، إما خوفا أو مداهنة أو سأما أو عجزا أو إمعيةً، لكن إنكارهم ورفضهم لا يلغي معاناتهم ولا يمحو علمنا بها، والأسوأ عليهم أنه لا يمنعهم من أن يلدغوا من الجحر مرات. أصارحكما وغيركما حباً وشفقة، مجتهدا تقديم حبكما بعضكما على حبي نفسي، وتفضيل مستقبلكما على تفضيلي عاطفتي، حتى وإن طاش بعد صراحتي طوفان إنكار من أولئك الذين يحسبون أنهم.. وتعرفان الباقي!

وقبل الوداع، أقول لمن يرفض كلامي أشد الرفض: لك رأيك ولي رأيي، وكلانا ليس بمعصوم!




المصدر

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار