الرئيسية / الاخبار / اسرار الدنيا

اسرار الدنيا

علي اسماعيل الجاف  /////

 

 

 

في احدى القرى الهندية تعيش “جوليا” في بيت متواضع بصحبة اختها “كرين” التي تقضي يومها بالعمل في الحقول والمزرعة لتوفير قوتها وتدخر ما زاد عن الحاجة.  تذهب صباحا” لرعي الماشية وتنظف الحقول وتسقي المزارع … وبمرور الزمن احست “كرين” بالكبر وصعوبة اكمال الواجبات اليومية كونها امرأة، واصبح عمرها يناهز الخمسين عاما”؛ فحاولت الاستعانة بالمقربين لكن اعتذر الجميع عن ذلك كون كل شخص لديه واجبات ومهام متعددة في الحياة.  فذات يوم رجعت الى البيت ووجدت اختها “جوليا” مستلقية على المنضدة، اقتربت منها وبعد ذلك نادتها قائلة”:

“ابنتي، ابنتي، اختي، …”

لم ترد “جوليا” على النداء، فأصاب “كرين” الدهشة معتقدة انها كانت نائمة، فمسكت يدها ورفعتها الى الاعلى فوجدت ان الذراع لاتتجاوب معها بمعنى انها ميتة!  انغمرت “كرين” بالبكاء دون ان تسقط دمعة واحدة على خدها المليء بالخطوط والتجاعيد بفعل كبر السن ومعاناة الروتين اليومي القاتل.

فكرت “كرين” بوضع جثة اختها “جوليا” في احدى غرف المنزل لكي لاتتلاشى ذكريات الطفولة والاخوة والعشرة الطويلة … فحضر عددا” من المقربين في القرية وانشغلت “كرين” بمراسيم الاستقبال والتوديع للحاضرين، وفجاءة” اختفت الجثة التي كانت مغطاة بقماش احمر مما ادى الى زيادة الحزن والشوق.

لم تكن السيدة “كرين” تفهم وتدرك معنى الحياة طوال الفترة السابقة بقرب حبيبتها “جوليا” كونها تخرج صباحا” للعمل وتعود ليلا” تتناول ما وجد من طعام بسيط لايسد رمقها واعتادت على ارتداء ثياب رثة وبالية توحي ببساطتها الحالة التي تعيش فيها.

وفي احد الايام، التقت المرأة بصديق قديم وطلبت منه ان يساعدها في ايجاد حبيبتها وابنتها التي اختفت فجاءة” ولم تستطع حتى الشرطة الريفية والمحلية العثور عليها.  طلب منها رفيقها نقل الحقول والمواشي الى المنطقة المجاورة للبحر، وهناك يمكنها نسيان شبح الحزن الذي لاجدوى من الفرار منه، وقال لها بحسرة :

“انت بحاجة الى وطن جديد تستطيعين من خلاله العثور على سارق الابنة والاخت …”

فردت “كرين” بصوت منخفض جدا” قائلة” :

“هل يوجد امل  في الوطن الجديد، لا اعتقد ذلك، كوننا لانملك الانترنيت ووسائل التواصل التقني والفني (وسائل التواصل الاجتماعي) مع من نحب ونريد … فلهذا اريد من يشرح لي الية تشغيل جهاز التلفاز من مكان بعيد دون القيام باية حركة جسدية او فكرية.”

ومر على القرية وقتا” صعبا” لعدم وجود امكانية رعي الماشية وسقي الزرع بسبب جفاف الانهار وقلة سقوط الامطار … فضطرت السيدة الكبيرة الاستعانة بحفر الابار مما تسببت بموت جميع الماشية وفقدان ما تم زرعه.  فأصبح وضع المرأة المدبرة صعبا” بحيث تسبب أصابتها بمرضا” نفسيا” يسمى “القلق والحيرة” ادى الى وفاتها على نفس المنضدة التي توفت عليها الحبيبة والرفيقة “جوليا”.

لم يعلم بخبر وفاتها الا شخصا” واحدا” اسمه “الظلام”.  حاول “الظلام” تشويه الصورة الحقيقية بصبغة العتمة والغاء الضياء والنور والبهجة على الروحين البريئتين!  من اجل ايقاف عجلة التقدم والازدهار.  وفي المساء، جاء الصديق القديم حاملا” بيده شمعة بيضاء، انارت اجواء المنزل بضيائها، وضعها على المنضدة فختفت الجثة فجاءة” وجلس على الكرسي المتحرك بجوار المنضدة متأملا” في ثنايا الاجواء واسرار الدنيا وخفايا الامور: فوجد نفسه في ظلام كون الشمعة البيضاء وضيائها البهي قد انتهت فلم يستطع الرؤيا ولاحتى التحرك، لكنه تذكر ان ثمة حبيب وصديق هو الوطن الذي ينتمي اليه ويعيش فيه.

وبالحقيقة، لم يستطع تفسير ما حدث له حتى بزوغ فجر الصباح وظهور قطرات الندى على اوراق الاشجار المكتضة التي مر بها مسرعا” نحو الغابة.  وهناك شاهد قردا” يتسلق على الاشجار التي لم يستطع معرفة اسمائها، فناداه ليسأله هل ثمة نهاية لهذه الغابة؟

فأجاب القرد: “لا يبقى سوى الظلام!”

علي اسماعيل الجاف

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار