الرئيسية / المتابع الثقافي / الإمام الحسين  عطــــــاء عابــــــــر للتاريــــــخ

الإمام الحسين  عطــــــاء عابــــــــر للتاريــــــخ

الإمام الحسين

 عطــــــاء عابــــــــر للتاريــــــخ

   صباح محسن كاظم – العراق

بكل محرم من عام 61   للآن يتعلم، يستلهم كل الأحرار بالبشرية الدرس الحسيني، من واقعة الطف لليوم، التشكيلي بلوحته كرمز للشهادة، المسرحي يجسد قيم الخير والشر والصراع بين الفضيلة والرذيلة من خلال المسرح، والشاعر حين يرثي الشهداء، يعد الحسين تاج الشهداء، كذلك المفكر والباحث والمؤرخ، أكدت ذلك بكلمتي السنوية بساحة الحبوبي وسط آلاف الجموع المشاركة، وهذا ما أقوله بكل عام من ٢٠٠٣ -٢٠٢١.. إن الحسين هويتنا، الحسين رمزنا، الحسين حضارتنا،

ووعينا الإحياء بالفكر، والوعي، والثقافة، والفن

.. والإصلاح الاجتماعي السياسي الاقتصادي هو المرتجى.

 لاريب كانت الزيارة الأولى للصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري الذي عاصر النبي العظيم وكان يسمع ويرى كيف كان نبي الرحمة –صلى الله عليه واله – كيف يحتضن سيد شباب أهل الجنة وكل ما قاله بحقه.. وتنبؤ النبي الكريم بشهادة سبطه عندما كان يقبل الحسن بفمه والحسين بمنحره وهو يقول: أحدهما يموت بالسم والآخر بالسيف..

لقد كانت زيارة جابر الأنصاري في الأربعينية هي أوّل من زيارة لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) بعد مرور أربعين يوماً من شهادته.

 كما ورد ببحار الأنوار يقول عطا مولى جابر:( كنت مع جابر بن عبد الله الأنصاري يوم العشرين من صفر، فلمّا وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصاً كان معه طاهراً، ثمّ قال لي: أمعكَ من الطيب يا عطا؟ قلت: معي سُعد، فجعل منه على رأسه وسائر جسده، ثمّ مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسين (عليه السلام)، وكبّر ثلاثاً، ثمّ خرّ مغشياً عليه، فلمّا أفاق سَمعتُه يقول: السلام عليكم يا آلَ الله…) من هذه الحادثة التأريخية دأب أهل العراق ودول الجوار ومن كل أرجاء المعمورة بزيارة سيد الشهداء.. إن دراسة وتحليل أي ظاهرة تاريخية  تتجذر في أعماق الوعي العام لابد من أسباب مضمرة وظاهرة  لديمومة زخمها .لاريب إن شهادة السبط مثلت انتكاسة كبرى بالإسلام والعودة للقهقري للجاهلية بالسلوك اليزيدي وما ارتكب من حماقات من جيش عمر بن سعد بقطع الأجساد الطاهرة ..حرق الخيام ..ذبح الصبية ..تعريضهم للترويع ..ممارسة الوحشية والسادية بقطع الماء عن آل رسول الله ثم أخذهم سبايا على جمال هزل ..كل ذلك المشهد راسخ بذاكرة أهل العراق  لذا يتجدد الإحياء كل عام بشكل أوسع ..رغم بطش الأمويين  ومحاولة بعض ولاتهم إخفاء معالم القبر كما فعل المتوكل تارة بحرثة وأخرى بمحاولة جرفه بسيل من الماء الذي إحتار حول القبر المقدس ..أو بقطع الأيدي ..سمل

العيون لمن يزور الحسين وبذات السياق التعسفي سار بنو العباس رغم رفعهم شعارات نصرة آل محمد ويا لثارات الحسين لإنهاء الحكم الأموي.. واستمر كل الطغاة على هذا المنهج طوال كل الحقب.. فاختزن الشعب بقلبه تلك الأحزان وقدم القرابين تلو القرابين ولم تنقطع الزيارات بأقسة النظم الوحشية كانت الجموع تذهب ليلاً عبر البساتين مبتعدة عن الطرق العامة لتصل ضريح الحسين الشهيد..

الأربعينية وإعادة إنتاج القيم:

     جملة ظواهر على علماء النفس والاجتماع تحديد ماهيتها وسر ديمومتها والدوافع السلوكية لها.. فالشعب العراقي يتأهب من أقصاه إلى أقصاه بكل المنافذ الحدودية والبرية والجوية بكل عام لاستقبال آلاف الزائرين حتى وصل الرقم ل 24 مليون وهذا لا يوجد بأي تجمعات بشرية بالعالم. وقد أفرز عدة ظواهر ومعطيات بأرض كربلاء تتجدد بكل عام بأساليب مختلفة بإقامة العزاء.. الإطعام.. السكن.. لذلك

الأولى معرفة ماهية الامتداد والتمدد بالأربعينية حين يٌدرس بأنساق ثقافية لتحليل ماهية الصيرورة التي توظف إنتاج المآثر مستله الدروس من تضحيات الطف.. تجد الكرم.. الجود.. التآزر تتساوق مع مفاهيم روحية، وأخلاقية، وتربوية لا يمكن لأي “قائد” تاريخي أن يجمع الحشد المنضبط برؤية موحدة، وهدف سام واحد، نحو ذرى المجد الحسيني.. هذا المجد الأخلاقي صنيعة التاريخ الحسيني الباذخ العطاء، كل الرؤى الاجتماعية غير الممنهجة بل الفطرية، التي تحفز للعطاء الإنساني ّ المثير

للدهشة كونياً كيف تضبط أكثر من 24مليون دون مشاجرة.. التحام.. ومشكلة اجتماعية.. لذا معرفة الظاهرة اجتماعيا لابد من التحليل التاريخي للحدث الأربعين والجموع التي تزحف كل عام غير مبالية بالطغاة.. والمخاطر.. لتشكل أفواجاً وأسراباً مهاجرة نحو سيد الحرية وصانعها بنجيعه الزكي   تلك الأجواء الروحانية الحسينية التي صهرت السلوك الجمعي نحو الانضباط. والإنشداد..

ثمة تساؤل ومقولات هل الحرية وجدت في الفكر الغربي أم جذورها إسلامية؟ وللجواب عن ماهية الحرية أولاً: ماهية الاستعباد.. ومعرفة ثيمة الحرية، ومنها حرية الاختيار في العقيدة بالتوحيد للخالق، وحرية الإنسان باختيار ما يلائم هويته من طقوس واعتقادات دون الإضرار بالآخر، فالمساواة.. والعدالة. وعدم التمايز العنصري والطائفي، والقومي، الأسس المشتركة لدى جميع المفكرين الذين يؤمنون بالأنسنة والحرية. بالطبع سبق الإسلام الغرب بمفهوم الحرية من خلال القرآن الكريم:

       بسم الله الرحمن الرحيم

(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين) [1]حرية الإنسان غير مقيدة، وله حق الاختيار فيما يعتقد ويؤمن.. فالجاحد غير المؤمن بوجود خالق للكون، والمتهتك بالفساد والرذيلة شأنه هو، أما اعتقادي كمسلم ولي ديني الذي آمنت به من خلال الأطروحة القرآنية التي جسدها الرسول الأعظم حبيبنا محمد-صلى الله عليه واله- وأتبعها منهجياً أئمتنا

الأقداس قد ارتضيته شريعة كاملة للحياة بكل أبعادها، بعد اليقين بما ارتضاه واختاره ربي ديناً كآخر الأديان المقدسة، وهو سبيل السعادة.. والتقوى.. والورع. والكرامة.. والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، نعتقد بمقولاته الفكرية.. والعقائدية.. والفلسفية في رؤيته للكون، والوجود.

وهناك نقطة جوهرية في الوجود وهو ثنائية الخير والشر، والحق والباطل، وطريق الصلاح وطريق الافساد.. والانسان حر فيما يختار من طريق، وغير مسير ولا مجبر بما يختاره.. على اتخاذ مسالك الشر والعدوان والقتل والعنف بل طريق الهداية التي أرسى قيمها القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[2]

وكذلك في نص قرآني آخر (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: 125)).. تسويق مفاهيم الحرية ليس بالسيف، أو بالاغتيال، أو الاعتداء، والاجتياح.. بل بثقافة جوهرها القيم الهادفة، والحوار، والدعوة إلى الحق، ونبذ التعنت، والتكبر، والغرور، والإعراض عن الحق. وعودة على بدء النهضة الحسينية هي دافع للحرية، في عالم صاخب بالطغاة؛ يضج بالعنف.. والاغتيال.. والسجن.. والنفي.. وماهذه الثورات في الشرق الأوسط وعالمنا العربي -الربيع العربي – تهدف إلى التحرر من النظم الدكتاتورية، والطغيان، والاستبداد السياسي. وإذا لم تستثمر الحرية

بالشكل الصائب الخشية من الفوضى. فالدكتاتوريات حكمت بالحديد والنار.. وقمع الحريات.. كالقدر الكاتم للضغط إن رفع الغطاء.. لذا تنظيم الحرية وفق أنساق علمية. وحضارية.. لضبط إيقاع الأحداث القادمة والزيارات المليونية في ظل جائحة كورونا لعدم الانفلات الصحي.

الكورونا وتحديات الواقع الصحي:

     لا يمكن لأي إنسان يفرط بصحته دون هدف وجدوى وبالأخص بهذا الوباء الذي اكتسح العالم ووصل إلى الرئيس الأمريكي وزوجته وارتفاع الإصابات العالمية لما يقارب ال 50 مليون.. لكن عقيدة الإيمان العراقي غيرت المعادلات ومن 1محرم لليوم يتوافد معظم المؤمنات والمؤمنين للزيارة مع أخذ الاحتياطات بلبس الكمامات ت والكفوف واستخدام المعقمات ومحاولات قدر الإمكان الابتعاد عن الزخم لتقليل الإصابات.. ولو كان هذا الطقس العاشورائي الأربعيني بأي بلد لتوقف في ظل تلك الجائحة التي اجتاحت الشعوب.. لكن صرخة الطف المدوية بطلب الحريّة، والاصلاح، هي المنهج بلا ((للظلم)) لا ((للاستئثار)) لا ((لقمع الحريات)) لا ((للفشل الإداري)) لا ((لنهب الثروات)) هي المحرك لتلك الجموع الزاحفة نحو شمس كربلاء.. لذا تبقى الطف والأربعينية ستبقى نبراساً للأمم والشعوب في طلب التحرر، والانعتاق من ربقة العبودية. . إن توفير الفرق الطبية.. والإرشادات الصحية.. والمستلزمات لتلك الجموع هو إعجاز آخر للشعب العراقي. الذي تدعمه وتحفزه وتحركه تضحية إمامنا سيد

 الشهداء من هنا تأتي المواساة بأربعينيته بكل عام..

افلمنظومة الفكرية العقائدية (القرآن – والسنة النبوية – والامامة) التي يستمد منها إمامنا الذبيح الغريب الظامئ الحق المضيع والجسد المقطع.. بحركته، ونهضته، وجهاده، توحي إلى كل الانسانية انه يخطو نحو الشمس طالباً بحقوق الانسان، ومصمما ًعلى نيل تلك الحقوق بالتضحية بالغالي والنفيس، والجود بالنفس لتحريك الامة ضد الطغاة. الإمام الحسين سيد الاحرار (عليه السلام) التي تؤكد أنَّه كان على علمٍ واطلاع بمصيره ومصير أهل بيته وصحبه وبالنتيجة المأساوية التي سترفع شكواها الى خالق السماوات والارض.

فقد ورد على لسان الحسين (عليه السلام) خلال مسيرته نحو كربلاء ونهضته المقدسة في مواضع من أن الامر ومايؤل اليه مصيره سيكون ا لشهادة.. والتعرض الى السبي.. والعطش.. والأهوال.. هو وأهل بيته وأطفاله وعياله.

كقوله (عليه السلام) في كتابه لبني هاشم لما توجه إلى العراق: (بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى بني هاشم: أما بعد فانَّه من لحق بيَّ استشهد، ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح والسلام)

وقوله (عليه السلام): لما عزم على الخروج من مكة قاصدا الكوفة قبل أن ينكشف له أي شيء عن أهل الكوفة، وكانت الكتب والرسائل تتوارد عليه منهم بالمئات، وأكَّدها سفيره وابن عمه مسلم بن عقيل (عليه السلام) :(…خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير

لي مصرع أنا لاقيه كأنَّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأنَّ مني أكراشا جوفا، وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم..).  وقوله لأخيه محمد بن الحنفية (أتاني رسول الله (صلى الله عليه واله) بعدما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فإنَّ الله قد شاء أن يراك قتيلا… وقوله (عليه السلام) لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: (…إنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله (صلى الله عليه واله) وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له، ولست بمخبرٍ بها أحداً حتى ألاقي عملي. (وقوله لأم سلمة:(…يا أماه والله إنَي لمقتول، وإنَي لا أفرّ من القدر والمقدور، والقضاء المحتوم، والأمر الواجب من الله تعالى، فقالت: واعجباه فأين تذهب وأنت مقتول؟! فقال: يا أمّه إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً، وإن لم أذهب غداً لذهبت بعد غد، وما من الموت ـ والله يا أمّه ـ بدّ، وإنّي لأعرف اليوم والموضع الذي أقتل فيه، والساعة التي أقتل فيها، والحفرة التي أدفن فيها كما أعرفك وأنظر إليها كما أنظر إليك…))

يذكر د: النجدي في الشهادة والاشهاد[3] في فضل آل البيت وعصمتهم وسدادهم ومناقبهم وكراماتهم

(….. فلهذا الاخلاص استحقوا ذلك ولإيمانهم ويقينهم وأخلاقهم استحقوا هذه الكرامات واستحقوا أن يحصي الله تعالى فيهم كل شيء قال تعالى وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) عملية إحصاء وعد، كيف يتم هذا الإحصاء وما علاقة

ذلك بالشهادة والشهداء؟ الجواب على ذلك أن الشهيد الذي يؤدي

الشهادة أمام الله تعالى لابد أن يكون مطلعاً على كل صغيرة وكبيرة سوف يشهد بها، وإلا كيف يتمكن من أداء الشهادة، وهذا يعني أن لديه عملية إحصاء، وملية الاحصاء والشهادة لهما ارتباط بالعلم اللدني أي العلم الحضوري العلم الذي لا يأتي كسباً وتحصيلاً وإنما هو من قبل الباري تبارك وتعالى مثل علم الخضر (عليه السلام) الذي علمه الله تعالى من لدنه علما، هذا العلم الذي لدى أهل البيت عليهم السلام بتعليم الله يجعلهم يطلعون على حقائق الأمور…….)

فالاصطفاء الإلهي -للنبوة والامامة – جعل هذا الاختيار ملزماً علينا إطاعته والخروج عليه الكفر بعينه، فكيف بقتاله وذبحه وآل بيته وصحابته من هذا الحافز تتجدد عبق الذكرى بأكثر وهجاً وألقاً ليدهش الإنسانية الحشد العراقي بالوفود السنوي للحسين بأربعينيته !؟!….

الحرية صناعة حسينية:

      لا الحسين وعدم المهادنة والرضوخ للظالم تحفز كل غيور كل وطني كل ثائر على التمرد على الطغاة.. لذا نجد رفض التطبيع الصهيوني بعد إعلان الإمارات والبحرين ودول لضياع الحق الفلسطيني وإنهاء القدس التاريخية للأبد.. السؤال كيف رفض كل الوطنيين والأحرار بتلك الدول المُطبعة نهج حكامهم وتعرض ناشطات وناشطين ومبدعات ومبدعين للمضايقة بالطبع من الحسين يتعلم الإنسان الصمود والمضي بطريق الحق.. ورفض الإملاءات والشروط التي

 لا توافق العقل والروح والقيم والمبادئ..

الحرية تأخذ بالتضحية والصبر على المكاره ولا تمنح كهبة دون أي ثمن.. فيذكر صاحب كتاب الحدائق الوردية (ولما اضطر عليه السلام إلى محاربة القوم وعبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السلام، ورتبهم مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة، وقال لأصحاب القلب، اثبتوا……..)[4] وقائد النهضة الحسينية يواجه الساعات الصعبة والحرجة ومكاره الدهر وعادياته اللئيمة التي ترفع الظالم لمكان لا يستحقه! فقد خطب الامام الحسين فيهم (تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً، أفحين استصرختمونا ولهين متحيّرين، فأصرخناكم موجزين مستعدّين، سللتم علينا سيفاً في رقابنا! وحششتم علينا نار الفتن، جناها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم، ……..) إن هؤلاء الاوغاد الذين أضرموا الحرب على آل البيت وسفكوا الدماء الطاهرة هم احفاد أولئك الذين قاتلوا ببدر واحد والاحزاب والذين شنوا الحروب والوقائع ضد رسول الله –صلى الله عليه واله (قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)[5] …لبئس ما فعلوا ليصبحوا لعنة في أحشاء التاريخ الى يوم يبعثون ليغلوا بالأصفاد في محكمة العدل الالهية… في تجارب الشعوب والحضارات الانسانية أمثلة كثيرة في التضحية من أجل

 الاستقلال والحرية، فقد خاضت الشعوب كفاحاً مريراً منذ الغزو البرتغالي، والهولندي، والفرنسي، والبريطاني، والأمريكي والصهيوني.. لذا المقاومة مستمدة من ملحمة الطف طوال تأريخ العراق والأمة وتحدي الكورونا أصعب التحديات القاسية اليوم بأربعينية هذا العام يضاهي كل الغزوات الاستعمارية السابقة.

الملحمة الحسينية والتأثر الجمعي:

يتوجب إتقان فن الخطاب والحجاج بالاستدلال العلميّ والمنطقيّ ومخاطبة العقل بالقيّم الجمالية للحرية والمنهج الحسيني؛

     الجموع الزاحفة من كل فج صوب شمس كربلاء بأربعينية الحسين الشهيد تجدد الولاء لحب العراق والوطن رغم ما يمر من محن الكورونا وانخفاض أسعار النفط وشللية الحياة الاقتصادية سواء بالعراق أو بدول الجوار.. مع ذلك الطقس الجماعي الشعبي بزوال كالمعتاد تأدية الزيارة بانسيابية ومشاركات بمختلف المجالات الثقافية في أرض كربلاء والطرق المؤدية..

لاريب إن كل القنوات الإبداعية -الحسينية- تصب بخدمة القضية والثورة والنهج، فالفكر.. والبحث.. والتحليل.. والكتابة.. التشكيل.. المسرح.. الخطابة تساهم ببلورة الوعي واستشفاف واستشراق معالم-النهضة الحسينية- والخطابة تسهم بشكل فعال ببناء الوعي المفاهيميّ والقيميّ للملحمة المقدسة وتخاطب العقل الجمعيّ بكل تنوعاته الأثنية والقومية والعقائدية لأنها مدرسة تنهل من المعين العذب للسيرة المعطرة لآل البيت الأطهار لذا

..أما الرادود الحسيني الذي يعبر عن الأسى في الوجدان ، والضمائر ، ليتفاعل معه الحضور بشكل وجداني ، وفق طقس خاص ، يشارك به الصغير والكبير لمواساة آل بيت النبوة بقصائد تخلدهم سواء كانت مدونة بالشعر الفصيح أو الشعبي؛ ولها شروط في القراءة من خلال حسن الأداء وجمالية الصوت والتأثر والتفاعل مع المؤدين لهذا الطقس المعبر عن الولاء والإنشداد والحب والذوبان بإمام الأمة وسيد شباب أهل الجنة؛ وقد تضاعف أعداد المنشدين والرواديد في عالمنا الإسلامي ، وكل له بصمته الخاصة ، وطريقة القائه المحببة في نفوس الحشد الحاضر، أو ما يستمع له من خلال الأقراص المدمجة، واليوتيوب وقد أبلغني بعض الأصدقاء من المسيحيين بعدة دول عربية أنهم يستمعون بإصغاء للنبرة الحسينية الحزينة لبعض المنشدين وما لمسته بلبنان طوال سبع سنوات بمشاركة معظم المسيحيين لجوار المسلمين سواء بتقديم النصوص الشعرية أو المسرحية أو لوحات تشكيلية  وكذلك بسوريا ومعظم دول العالم

 إثبات الولاء العراقي:

    الذي يرى تلك الجموع الحسينية الزاحفة صوب المجد وتجديد العهد يتيقن بإن الولاء العراقي تغذيه الأمهات الطاهرات من أثدائهن لأبنائهن.. وهو تأكيد للتمسك الحقيقي بقيم الدين الحنيف.. والمضي على الحق رغم هول الكورونا.. بهذا الولاء نسأل الله رفع البلاء.

لقد بين القرآن الكريم في محكم آياته الافتتان في الدنيا بين نمطين من السلوك الانساني (يقول تعالى: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا

أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ))[6]

يذكر العلامة الاراكي: (وقد كانت الفتن مريرة وكثيرة نجا منها أناس قليلون ثبتوا على الحقّ ووفوا لله ورسوله بالعهد والميثاق وهم الذين ثبتوا على طاعة الإمامة الإلهية والوفاء لها في كلّ الظروف والأحوال وكان أبرز مصاديق هذه القلّة الوفية بالعهد أصحاب الإمام الحسين-عليه السلام- فقد ثبتوا على العهد حتّى النفس الأخير فقضوا نحبهم مضمّخين بالدماء أعزّاء قاهرين غير مقهورين.)[7]

يذكر السيد سعيد العذارى (لقد امتاز إعلام جبهة الامام الحسين -عليه السلام- بالصدق والصراحة والواقعية، ولم يمارس الخداع والتضليل ولا اللف والدوران، وانما ركز على وقائع معلومة للجميع، لأن أحد أهداف الامام الحسين -عليه السلام- هو الاصلاح، ولا يتحقق الاصلاح الا بإصلاح جميع جوانب الحياة ومنها الاعلام ليكون منسجماً مع الثوابت الأخلاقية…)[8]

إن خلود السمفونية الحسينية على مدى الدهور، والأزمنة، والأيام يتأتى من وعي صاحب الثورة الثائر الشهيد بأن الزمن كفيل بنصرة الحق حتى ولو بعد حين، لتصبح نبراساً لكل الثائرين بدروب الحرية المعبدة بطريق الشهادة. واليوم عالمنا يعج بالثورات المطالبة بالحريات، والانعتاق من الطغاة والمستبدين، والشباب الثائر في كل مكان يهتدي بالمنهج الحسيني من أجل الحرية.

فشل سياسة الطغاة:

     كل الدعوات الضالة المضلة التي تمارس من أفراد أو توجهات ما ممن تُحارب مبادئ الإمام الحسين -عليه السلام- وأهل بيته من الأولين والآخرين ..فقد فشلت فشلاً ذريعاً من معاوية ويزيد والحجاج والسفاح إلى أكبر مجرم عرفته البشرية -صدام- وكل طغاة الأمة الذين يتساقطون كل يوم ويخسرون عروشهم بسبب عدائهم لشعوبهم ولآل محمد فيما المجد الحسيني يتجلى سنويا بأيام محرم والتدفق المليوني بالزيارات وبالأخص بالعاشر والأربعينية بالزحف من كل الاتجاهات صوب كعبة الحرية لتجديد الولاء ظاهرة تستحق الاحترام والإعجاب والتفكيك  والأسئلة المتجددة حول الأمن الصحي ّوالغذائيّ والخدميّ الذي لا ينقص أي زائر وافد من المدن والعالم  إنها الملحمة السنوية التي تزداد توهجاُ !!  فيما فوبيا المثقف الفاقد للهوية  والمشكك والمستشكل ذهبت أدراج الرياح بكل عام  الاتساع  والنمو والازدهار  لتلك الظاهرة نأمل التنظيم للظاهرة ونحن بزمن الكورونا  والمطلوب التباعد ..والوقاية بالكفوف والكمامات ..والتعفير لأماكن إقامة كل الزائرين وهذا يتطلب الحشد الجماهيري للوقاية من الجائحة  …أما الرسائل الأخية  لابد من تذكير الطغاة والسراق واللصوص  من الحكام والوزراء بكل مكان  بالعودة لخدمة المجتمعات .فتعساً لكل فقهاء السلطان الذين يقفون مع الحكام ضد الإيمان ، ولكل فكر منحرف عن جادة الصواب ، ومن يحارب آل البيت وشيعتهم فله الخسران المبين في الدارين؛ ويسلط الله عليه من يقتص منه ، وأما من يوالي الطغاة عليه مراجعة

الذات.. والعودة لهويته.. وطقوسه.. والتنصل.. والتوبة.. والإنابة.. والانقطاع.. والرجاء.. وعدم معادة الحق، فقد ارتفعت سارية وبيرق الجهاد ليستلهم الأحرار في المعمورة الدرس الحسيني العظيم؛ فتلك مجالس الحسين بكل أرجاء الكون منبهة الغافلين قبل فوات الأوان.. التعاون.. التآزر.. وحدة المصير كل ذلك يتجلى بزيارة الأربعين.. بالطبع وباء الكورونا يتطلب منا التباعد الاجتماعي، لبس الكمامات، التعقيم لكي نتفادى الخسائر الصحية. آل البيت هدفهم أولاً العلم والفقه والإصلاح، والإصلاح الصحي أحد أهم متطلبات العصر فالثورة الحسينية إصلاحية بكافة الاتجاهات.

 لوحة للفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي

المصادر:

  • القرآن الكريم.
  • الشهادة والاشهاد في امامة أهل البيت: د-حميد النجدي.
  • الحدائق الوردية: المؤرخ حميد بن أحمد بن محمد اليماني.
  • صلح الحسن وثورة الحسين من منظور السنن التاريخية في القرآن الكريم- محسن الاراكي.

أخلاق الجبهتين في نهضة عاشوراء-سعيد العذارى.

[1] – سورة الكافرون الآية 6.

[2] – سورة الحجرات الآية 13.

[3] – الشهادة والاشهاد في امامة أهل البيت: د-حميد         النجدي ص27

[4] – الحدائق الوردية: المؤرخ حميد بن أحمد بن محمد اليماني ص94

[5] – سورة النساء الآية 115.

[6] – سورة ال عمران الآية 179.

[7] – صلح الحسن وثورة الحسين من منظور السنن التاريخية في القرآن الكريم- محسن الآراكي-ص104

[8] – أخلاق الجبهتين في نهضة عاشوراء-سعيد العذارى ص26

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار