الرئيسية / الاخبار / البلوغ الطفولي المبكر

البلوغ الطفولي المبكر

علي إسماعيل الجاف  /////

 

 

تبدو الأمور صعبة أمام الإنسان خصوصا” عند تعرضه الى أزمة او مشكلة تأخذ من وقته الكثير وتشغل باله بالتفكير الطويل وتجعله يلازم البيت كونه يشعر بعدم وجود شيئا” يمكنه من استلهام الجواب لتلك الأزمة او المشكلة.

 

“لكن  ثمة فوارق فردية بين الناس فمنهم من يسعى جاهدا” للعمل والأخر يبقى منتظرا” لحدوث ما هو اكبر من المشكلة”: هذا ما يقوله علم النفس الحديث.

 

ففي أحدى القرى الهندية ولدت “شولا” في عائلة بسيطة ذات دخل محدود ومسكن متواضع جدا” لم تعرف شيئا” عن الموضع او الحداثة لكنها أدركت ذلك مبكرا”؛ وتعلمت فنون الرقص والغناء بسرعة عجيبة جدا” ما مكنها من كسب بعض الشهرة وهي في سن صغير جدا”.

 

وذات يوم فكرت “شولا” بشيئا” تستطيع من خلاله تغير وضعها البأس.  فبدأت تنشد القصائد الغنائية للفنانين وتنظم الشعر للعاشقين وتعلم أطفال المدينة فنون الرقص والغناء … لكنها انتفضت على هذا النمط الروتيني الذي لا يمكن الإنسان من تطوير مهاراته الفكرية والعقلية واختبارها في حل لغز عراك الديوك في الفلبين، وهجوم هتلر على الغرب عام 1940، وموضوع القصر الزجاجي في اسبانيا، والحيوان البحري الذي لا يملك دماغ ولا عيون، والمدينة العائمة كوستاسرينا … كل هذه الأشياء قرأتها “شولا” في الكتاب البريطانية أسرار الحياة “Life Secrets”.

 

فبدأت “شولا” تبحث عن حلول وإجابات عن هذه المواضيع في دنيا العجائب برفقة زميل الدراسة “مايكل” الذي كان دائما” ينصحها بترك العلم والمعرفة والبحث المتواصل عن المجهول من خلال بلد الضباب الدائم … وهو يحاول جاهدا” أبعادها وجرها نحو المرح والمتعة بإقامة علاقة معها مبنية على تبادل المشاعر والكلام الرومانسي والعشق المباح … كونه يشعر بأن الفن هو بلسم الجروح، متعة الجسد، غذاء العين، نبض الحياة، وضوء النور الدائم في منتصف الليل الدامس يتغناه بشفتيه المتلهفة لحنان الأخر … وأيضا” يعتبر الفن عنصرا” رائعا” في الحياة والآمل الوحيد له …

 

لم تعر “شولا” اهتماما” كبيرا” لكلام “مايكي”؛ وردت بنبرة الغضب قائلة”: “ما تريده مني أشبه بضوء أشعة الشمس، وما ابحث عنه غذاء العقل!”

 

أصاب “مايكل” قلقا” شديدا” وحزنا” عميقا”، فهو يريد ان تبادله المشاعر بحجة الغناء والرقص … فحاول مرة أخرى بتقربه منها وهو يتحدث بنبرة التوسل والخضوع.  فمد يده اليمنى أليها ليداعب شعرها الأسود الطويل وعيناه تغازل جسدها بعقل مهندس معماري يتمعن ويترقب… لكن الانفراد يحتاج الى فن الخطابة والمغازلة تحتاج الى أسلوب هادف وطريقة غريبة ومشوقة … فراح ينشد الشعر بالحانة العذبة ويرتب العبارات والجمل بصيغة غزل غير واضحة.  كان “مايكل” يعرف جيدا” نوع الجمال والرقة التي تمتلكها “شولا”، وعذوبة صوتها الجميل كصوت طائر الحب، ويدرك جيدا” غضبها كالنسر الكاسر، والقاطور الهائج عندما لا تجد ما يسرها او وجود ما يزعجها.  فكان “مايكل” يشعر بموقعه جيدا” ويلعب هذا الدور، كزميل دراسة، عندما يصل الى طريق مسدود في الحديث مع “شولا”.  ففي الظاهر يكون زميلا” مناسبا” وفي الباطن يكون عاشقا” ولهانا”.  وهذا ما كانت تدركه “شولا” رغم صغر سنها، وردت عليه في أحدى المواقف قائلة”: “لعبة القمار أمام جثة الميت تسمى لعبة الساكلا في مانيلا، وهي ما تعرف بعراك الديوك حيث هناك 30 مليون ديك يتشاجر سنويا” في الفلبين.  أيضا”، تعرف بالديوك الطيارة بحيث تبدأ الذكور بالتدريب على القفز والطيران من خلال وضعها في قفص ويضعون أنثى بجوار الذكر ونراه يطير نحو الأعلى للفوز بها …”

 

“هل فهمت كيف تتعلم الديوك في القفز والطيران في الفلبين وما هو المحفز”: تكلمت “شولا” بصوت منخفض جدا”.

 

لم يدرك “مايكل” شيئا” من حديثها كونه ملئ بالمصطلحات والألغاز الفلسفية، واكتفى بالرد، بصوت عالي جدا”، قائلا”: “سأراك اليوم في حديقة منزلنا قرب الشجرة التي نجلس عندها، أليس كذلك؟.”

 

ابتسمت “شولا” وهزت رأسها معلنة” الموافقة الظاهرية؛ لكن ثمة شيئا” غريبا” يخالجها فباحت به الى ظلام الليل وهي تقول: “حديقة منزله تشبه حديقة الروتيرو في اسبانيا وتحديدا” في مدريد، ويوجد هناك أقدم شجرة في العالم اسمها برتا يعود زمنها الى القرن السادس عشر.  وهناك القمر الزجاجي وقصر فيلاثكين.  وفي ايطاليا يوجد أشهر مهندس معماري اسمه بيانو الذي صمم المدينة العلمية في كلفورينا من الزجاج والتي تسمى أيضا” متنزه الحجر الذهبي على شكل حوض كروي زجاجي، ويوجد فيه 600 حيوان.”

 

وبعدها استدركت ان الوقت يمضي بسرعة والزمن معادلة ثابتة لاتقبل الرجوع، فلهذا قررت السير على الإقدام ليلا” وبدون زميل الدراسة لتمضي نحو الشاطئ، وهناك رأت “شولا” رسما” فوتوغرافيا” على احد نوافذ الكافتريا لسفينة تايتنك “Titanic” ومكتوب عليها باللغة الانكليزية العبارة التالية: “1500 people had lost in the collision of the largest ship with the iceberg”  وطلبت من صاحب الكافتريا ان يترجم لها العبارة المكتوبة فلم يرد عليها في البداية، فردت عليه وهي تقول بلغة الغضب: “اعرف ما مكتوب على هذه اللوحة الرائعة، ولكن ثمة امرا” غريبا” يجب عليك معرفته: هذه ليست أضخم سفينة على بقاع هذا الكون…فهناك سفينة كوستاسرينا وهي أفضل واكبر باخرة في العالم تستخدم للسياحة، ويعمل على متنها 100 موظف وتسمى المدينة العائمة في ايطاليا.  فحقا” انتم الجيل الضائع …”

 

عادت بعد ذلك “شولا” الى منزلها ولم تذهب لرؤية “مايكل” في حديقته، وظل ينتظر طوال الليل متأملا” وصولها في أحدى ساعات الليل الدامس وهو يغني مرددا” العبارات التالية: “ستأتي … أين أنت “ياشولا” … ستجلس هنا قرب الشجرة لتكون شاهدا” على حبنا الأبدي … سأقبلها عندما تأتي وامسك بيدها عندما تقترب … وأغازلها … وألاعبها … وأعانقها … نعم بدون خوف او تردد … سأفعل يا شجرة الأمل …ستقول لي أنها تحبني … نعم ستفعل ذلك دون شك … لكن متى تأتي … سأقول لها أنني أغنى إنسان في العالم، كما يفعل العشاق، لتقبل بي حبيبا” … أنها اسطر شعرية لا تمثل الحقيقة … سأكذب وافتعل المواقف من اجل كسب ودها وإطالة الحديث معها … كما تفعل باربرا في رواياتها الخيالية؛ لكنه تذكر ان اللاعب الانجليزي “بيكهام” هو أغنى لاعب في العالم لعام 2011 حيث بلغ ما يملكه 350 مليون جنيه إسترليني!”

 

عادت “شولا” تفكر وطرق سمعها قنديل البحر الذي قرأت عنه في الصحف والمجلات، وهو الحيوان البحري الذي لا يملك دماغا” ولا رؤيا ولا عيون، وإنما لديه 24 عينا” على أربعة زوايا، ويرى 360 درجة.  ولدى هذه الحيوانات 4 أدمغة وهي أجهزة حسية وعصبية.

 

أصاب “شولا” التعب وجعلت عقلها يعصف نفسه ليفهم ما هذا المخلوق الغريب، فأدركت ان “روبرت كنك” هو اول رجل شخص عرفه في عام 2002، بعد دراسة طويلة استمرت لأسبوع تتجول فيها بمكتبات الهند المتواضعة بكتبها ورفوفها المتهدلة … فوجدت ان قنديل البحر او ما يسمى علميا” “متلازمة اركانجر” والذي يوجد بكثرة في شمال استراليا واندنوسيا الذين يطلقون عليه “هيروكانجي”.

 

أرادت “شولا” ان تكون قريبة من هذا الحيوان رغم إدراكها انه قادر على العيش في أي مكان وفي أعماق البحار، وكذلك في القطب الشمالي وفي فوهة المحيطات الحارة وظلام المحيط الدامس، فكيف يتجول هذا المخلوق؟

 

حاولت ان تسأل والدها، لكنها تعرف جيدا” انه رجلا” مكافحا” يذهب في النهار ويعود في الليل فلا يعرف شيئا” عن أسرار الحياة وخفايا الكون … فقررت الذهاب الى جامعة “دلهي” في الهند لتسأل كبار الأساتذة والمختصين عن هذا المخلوق اللعين … وبعد عناء طويل وجهد متواصل حصلت “شولا” على كلمة واحدة هي “اليابان”.

 

فقررت السفر الى اليابان وبصحبة والدتها، وهناك التقت بالطبيب الأخصائي في علم الحيوانات المائية “جين” الذي أبدى استغرابه من قيام فتاة فقيرة وصغيرة بسن “شولا” بالبحث والدراسة حول قنديل البحر … وفي الوقت نفسه أصابه السرور والفرحة وأبدى استعداده الكامل لمساعدتها.

 

بدأ د. “جين” القول: “ان اليابان تعتمد على الصيد ويمثل الصيد جزءا” أساسيا” من الحياة، ونمورا يظهر مرة كل 40 عاما”.  ويوجد في البحر 20 مليار منه ويصل الى 200 كليو غرام.  بالحقيقة، أصيبت اليابان بكارثة اقتصادية (ضربة مالية كبيرة) في حينها بفعل قناديل البحر.  ويعيش في درجة حرارة المياه وفي أعماق البحار.

 

“كيف تخلصتم منها؟”: سألت “شولا”.

 

أجاب د. “جين” قائلا”: “قام الباحث “نيوتا” ببحث حول الموضوع ووضع نمور على قنديل البحر بشد على رقبته لكي يتمكن من الحصول على البيانات الحقيقية عبر الأقمار الاصطناعية؛ واستمر البحث لمدة شهر…

 

“وكيف تتكاثر هذه الحيوانات البحرية ونحن نعلم بأنها لا تملك عينا” ولا عقلا”؟”: استفهمت “شولا”.

 

أجاب د. “جين” بصوت عالي جدا” وهو يقول: “طريقة التكاثر هي سر الحياة فعند مهاجمتها تفر البيوض والحيوانات المنوية وتتكاثر لا جنسيا” بعد ان أصبحت عوالق في أعماق البحار، ويحفز عامل مجهول القناديل وولادة سرب جديد مما يحفز البراعم ويبقى لغزا” ويبقى النصف البعض الأخر نصف قرن.”

 

“وماذا توصل بعد الباحث “نيوتا”؟”: سألت “شولا” وبيدها قصاصة ورق صغيرة تدون عليها ما يقوله د. “جين”.

 

رد د. “جين” على سؤالها بنبرة لطيفة وهو يضع يده اليمنى على رأسه: “ان التقلبات البيئية تؤدي الى زيادة القناديل والبراعم (السائل) كالمياه الملوثة، الفضلات، المجاري، … المناطق الهامدة مكان ملائم للقناديل.  وتعيش منذ 600 مليون سنة، صمدت قناديل البحر أمام العصور الجليدية وسباتها مدهش.”

 

فرحت “شولا” كثيرا” وقدمت شكرها الى د. “جين” وأمضت مع والدتها وقتا” جميلا” في اليابان.

 

لم يلاحظ “مايكل” وجود “شولا” في حفل المطربين والفنانين الكبار من الهنود، وعاد مسرعا” وحزينا متخذا” من الطريق الجانبي مسلكا” يواسي به خوالجه وخواطره … وقرر عند عودته الى بيته ان ينظم الشعر في ورقة حمراء وبخط وردي يتغزل فيه بجمال “شولا” موضعا” الورقة في ظرف اصفر مكتوب عليه عنوان القصيدة “الحب أسمى من المعرفة”.

 

وجاءه الهام غريب يحثه على الخروج ليلا”، وفي ساعة متأخرة جدا”، وتقوده قدميه الى باب منزل “شولا”، ليرى عبارة مكتوبة بالخط الأسود الكبير الجملة التالية: “الخاسر الأكبر من يبحث عن إشباع العين والجسد، لا عن أصلاح الذات كمقدمة لإصلاح المجتمع.”

 

فإذا بوالد “شولا” يأتي من الجانب الآخر للبيت ويرى “مايكل” قرب منزله يقرأ ما مكتوب على الباب الرئيسي، فأبتسم ابتسامة خفيفة وهو يقول بصوت عالي جدا” مرددا” الكلمات المكتوبة الواحدة تلو الأخرى، وينهي كلامه الذي هز مشاعر “مايكل” بكلمة “اليابان”.

 

“ماذا تعني؟”: سال “مايكل” والد “شولا”.

 

فأجاب الأب الكبير قائلا”: “سافرت الى اليابان وبصحبة والدتها، وربما لن تعود أبدا” …

 

سقطت وردة الأمل الحمراء من يده، وظرف الرسالة الشعرية الذي أخذته عاصفة الليل الدامس لتلقي به قرب …

 

 

 

علي إسماعيل الجاف

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار