الرئيسية / الاخبار / الملاذُ الآمنُ

الملاذُ الآمنُ

كانا حميمينِ في علاقتهما الودية تربطهما وشائجٌ كثيرةٌ أجلُّها الإيمانُ المطلقُ بالله والصلاةُ سويةً في مسجدِ الجامعةِ يقضيانِ فيه مُعظم وقتهما يتصفحان الكُتَب في مكتبتهِ بانتظار مُحاضرةِ الأستاذ الزائر والتي غالباً ما تكونُ بعدَ الظهيرةِ بساعتين أو ثلاثٍ فيُفضلان تناول (السندويش) والبقاء في بناية الجامعةِ لأن الوقت غير كافٍ للذهاب والإياب إلى (القسمِ الداخلي) محلِ سكنهما لبُعده عن الجامعة.

… كانا يبحثانِ عن الحقيقةِ من خلال الغور في بطونِ الكُتُبِ وكثيراً ما يتجادلانِ فيما بينهما ولكنهما اتفقا إن (خلافَ الرأي لا يفسدُ في الودِ قضية).

تناول (كمال) كُتيباً وبدأ يُقَلبُ وريقاته، ثمَ رماهُ باحتقارٍ على الطاولة أمامَ صاحبه قائلاً: ومَنْ أسبَقُ منهُ إيماناً…؟؟!

إنهم يُحَرِفون الكَلمَ عن موضعه وينسبون الأفعال لغير فاعِلها.

… لعنةُ الله على كُلِ زائفٍ ومدلسٍ وحاقد، يا (هشام) ليس هناكَ أخطرُ من تزييف الحقائق وتسيسها، فخطرها سيتفاقَمُ ولربُما سيصبحُ من الدالات المُسلم بها إن لم يتصدى لها فكرٌ متقدٌ وبصيرةٌ نافذةٌ وقلمٌ لا يعرفُ في الله لومةَ لائم.

(مَدَ يده هشام ليلتقط الكتيب الذي رماهُ كمال على الطاولة فوضع يده على يده) قائلاً: دَعكَ عَنهُ الآن يا هشام. ثمَ عد إليه متى شئتَ ودعني أروي لكَ فسادَ ما ذَهب إليه مؤلفُ هذا الكُتيبِ المتعفن بالحقد الأعمى وجاهلية المرتدينَ عن أُفقِ النور والصواب.

يا هُشام: كانت الجزيرةُ العربية صحراءً تسكُنها القبائلُ المتناحرةُ مرتديةً ثوبَ العصبية وكانت مكةُ أم شِعابِ الجزيرة وقُراها تلتقي عِندها الرؤوس من كافة الملل والأجناس ولقُريشٍ كان الحُكمُ والسطوةُ ولآل هاشم السيادةُ لاجتماع الخصالِ الكريمة فيهمُ لأنهمُ من صُلب إبراهيم (عليه السلام) فكان عبد المطلب سيد قومه لم ينحنِ لضَيمٍ موحداً الله على سرِ آبائهِ فلقبوهُ بإبراهيم الثاني لسيرته الوضاءة التي سيدتهُ على قومه فأضحى ملاذَهُمُ الآمن عند الشدائد والمحن، وممن عاش في كَنَفه عزيزاً به حفيدُهُ المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)… وحين عَلم الشيخ بدنوِّ أجله استدعى ولَدهُ أبو طالبٍ وعهد إليه بكفالةِ محمدٍ دون أبنائه لأن ابا طالبٍ كان أكثرُ أعمامِ الرسول حُباً لهُ وحُنواً عليه، رقيقَ القلب يخشى الله في سره وعلانيته إبراهيمياً على مِلةِ أبيه، ولهذا يعتَبرُ أبو طالبٍ من أعاظم شخصيات الإسلام في التاريخ بدليل النص القُرآني على إسلام آباء الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله تعالى: (وإذْ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيلُ، رَبنا تقبل منا إنكَ أنت السميعُ العليمْ، رَبنا وأجعلنا مسلميَن لك، ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك، وأرنا مناسكِنا وَتُبِ علينا إنكَ أنتَ التوابُ الرحيم) والنصُ واضحٌ لا يحتاجُ إلى بُرهان ليدُلَ عليه والإشارة فيهِ بينَةٌ على مَنْ إدعى…

تَعلَقَ أبو طالبٍ بابن أخيه وكانَ يصحبهُ معهُ أينما حَل ورحل وذات مرةٍ مرا على كاهنٍ في مكة عُرِف بقوة فراسته يدعى (ابن أحجن) دُهِشَ لما وقعَ بصره على محمد (صلى الله عليه وآله) وصاح: والله إن هذا ليكونن لَهُ شأنٌ عظيم، فخشيَّ عليه أبو طالبٍ وأنطلقَ به إلى دارهِ… وكانَ بعد هذهِ الواقعة يتفقد مضجعَ الرسول فيُفيقهُ ليلاً من منامنه ويُضجعَ ابنه علياً (عليه السلام) مكانَهُ..!! وذات مرةٍ تفقده فوجده وعلياً يُصليان فأمر ولدهِ جعفر بالصلاة معهما. وعندما أراد الخروج من مكة في تجارةٍ للشام تعلقَ به النبي وكان صبياً فلم يتمكن من رده ومفارقته فاصطحبهُ معه في رحلتهِ.

وبينما هم في الطريق مَرَّ ركبُهم على ديرٍ للنصارى فيه راهبٌ يدعى (بُحيرا) كان يراقبُ قافلتَهُم عن بعدٍ من صومعته فرأى غَمامةً تُضللُ رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون القوم، ولما جلسَ عِنَد شجرةٍ مالت أغصانها عليه ليستظِلَ بها.. فراح الراهب يلحظُ محمداً (صلى الله عليه وآله) وينظرُ إليه ملياً لدراسة صفاتهِ عن كثب ليقارنها بما درسهُ من كتب النصرانية ومنها إنجيل (برنابا) الذي صرحَ عَلناً بنبأ ظهور نبيٍّ بعد عيسى (عليه السلام) فوجَدَ ما رآهُ مطابقاً لما جاءَ في الإنجيل.

فسارع بعمل طعامٍ للركب ودعاهم إليه في ديرهِ… سأل أبا طالبٍ قائلاً: من هذا الغلام مشيراً على (محمد) صلى الله عليه وآله؟، قال: إنه ابني، فقال الراهبُ: ما ينبغي أن يكونَ أبو هذا الغلامِ حياً، فقال أبو طالب: بلى إنهُ ابن أخي ماتَ أبوهُ وأمهُ حُبلى به، فقال الراهب (بُحيرا) أعلَمُ إنهُ يتيم، إرجع بهِ إلى بلدكَ وأحذر عليه من اليهود فو اللهِ لئن شاهدوه وعَرفوا عنهُ ما عَرِفتُ لقتلوهُ فإنهُ كائنٌ لهُ شأنٌ عظيم، فعادَ أبو طالبٍ بمحمد (صلى الله عليه وآله) إلى مكة وهوَ خائِفٌ عليه كُلُ الخوفِ تاركاً تجارتَهُ وهذهِ الواقعةُ وحَدَها تكفي للدلالة على إيمانه بالرسالة الربانية لمحمدٍ (صلى الله عليه وآله) العظيم الذي اشتدَ عُودُهُ في حضنهِ الكريم وقد قال في حُبهِ منشِداً:

إن الأمين محمداً في قومهِ         عندي يفوقُ منازِلَ الأولادِ

فالإيمان يا (هشام)، معناهُ في اللغةِ كما تعرفُ التصديقُ وسُميَّ المؤمنُ مؤمناً لأنه مصدقٌ لله تعالى ولرسله (عليهم السلام) ولكن أبو طالب في قومه كان كمؤمن آل فرعون يكتمُ إيمانهُ خوفاً على بني هاشِم من بطشِ قريش فيهم وليحمي محمداً (صلى الله عليه وآله) ويقيه من سهامِ حقدهِم وغدرهم وقد قال يا (هشام) في ذلك.

حَسدوا الفتى إذْ لم ينالوا فضلهِ         فالقومُ أعداءٌ لَهُ وخصومُ

كضرائرِ الحسناءِ قُلنَ لوجهها         حَسداً وبغياً إنهُ لدميمُ

ولم يقف عند حَدٍ في ولائهِ لرسالة ابن أخيه فحثَ أخيه الحمزةَ بن عبد المطلب على اعتناق الإسلام وأعلان إسلامه على الملأ فقاتل المشركين بسيوف هاشميه مسلولةٍ صقلها على يديه فانبرت تحمي رسالةَ السماءِ المحمديةَ وتذودُ عنها بكل ما أتاها اللهُ من قوةٍ وبأسٍ شديد.

لقد كان ظهورُ الإسلام يا (هشام) أكبرُ حدثٍ تاريخي شهدِتهُ البشرية فامتد سلطانُهُ من حدود الصين إلى أقصى بلاد المغرب ومما لاشك فيه إن قوته وعظمتهُ ترجعُ إلى عظمة قادته وساستهِ ومنهم أبو طالبٍ (رضوان الله عليه) ومما يَدلُ على إسلام آباء النبي وإيمانهم بالله قوله (صلى الله عليه وآله): (لم يَزَل اللهُ تعالى ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحامِ المطهرات حتى أخرجني إلى عالمكم هذا) هذه شهادةُ الرسول العظيم صادعةٌ بالحقِ ناطقةٌ بالصدق فلو كانوا عندهُ من المشركين لما شَهدَ لهم بالطهارة والإيمان، ويكفي أبو طالبٍ فخراً أنهُ كافلُ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وأبو الإمام علي (عليه السلام) الذي يُعتبرُ بحقِ من أعظِم شخصياتِ التاريخ الإنساني لعظمةِ شخصيته، ولما عليه فقد افتداهُ أبو طالبٍ (رضوان الله عليه) لابن أخيه وحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) فلقد كان معجباً أيما إعجابٍ بابن أخيه وسموِّ أخلاقهِ وقال فيه صادقاً.

لَعمري لقد كُلِفتُ وجداً بأحمدٍ         وأحببتهُ حُبَ الحبيبِ المواصل

وجدتُ بنفسي دونَهُ وحميتُهُ         ودافعتُ عَنهُ بالذُرى والكلاكِل

كان أبو طالب (رضوان الله عليه) كأبيه سخياً يعطفُ على الفقراء والمعوزين ولا غرابةَ في ذلك فقد ورثَ الجود والكرمَ عن أبيه عبد المطلب بن هاشم والشجاعةُ فيهم سجيةٌ فها هُوَ يخاطبُ الحمزةَ لما ردَّ على أبي جهلٍ وَوَبَخهُ لأنهُ آذى الرسول محمداً (صلى الله عليه وآله) منشداً:

فقَدْ سَرني إذ قُلتَ إنكَ مؤمنٌ         فكن لرسولِ الله في الله ناصرا

ونادِ قُريشاً بالذي قد أتى بهِ         جِهاراً وقُلْ: ما كانَ أحمدُ ساحِرا

الله، الله يا (كمال) قالها (هشام لكمال) فردَ عليه: بربكَ هَل هناكَ إيمانٌ أعظمُ من هذا الإيمان برسالةِ محمدٍ وهي في مَهدِها يدعوا لمناصرتهِ والذودِ عنه، وهل يعقِلُ ذو لُبٍ إن تلك المواقفِ والنفحاتِ الإيمانيةِ الخالصةِ لم تخرجُ من ضميرٍ لمسلمٍ تحملَ الكثيرَ من الأسى والأذى من أجل عشقه وولائِهِ للهِ والإسلامِ وهو يشدُ من أزرِ ابن أخيه قائلاً:

(أمضي يا مُحمد لمِا أمرتَ به فو اللهِ لا أزالُ أحوطُكَ وأُمَنُعُكَ)

وموقُفهُ من صحيفةِ قريشٍ وعزلهم لبني هاشمٍ وفرض الحصارِ عليهم ثلاث سنينَ في الشِعَب وإقرارهم ان لا يتزوجوا ولا يبتاعوا من آل هاشم شيئاً، لم يفُتَ في عَضُدهِ ولم يَهُنْ بأسهُ بل زادَهُ إصراراً على حمايةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهبط جبريلٌ ليخبرَ الرسول (صلى الله عليه وآله) إن صحيفَتهُ التي علقوها في جوفِ الكعبةِ قد أكلتها الأرضَةَ بأمر الله ولم تَتُرك منها سوى (بسمك اللهُمَ) فأخبرَ عَمَهُ أبا طالبٍ بما أوحيَّ إليه فرد عليه: أربُكَ أخبركَ بذلك.. قال: نَعم، فذهَب على إثرِ ما سمُعه قاصداً قريشاً لينبئهم بما أخبرهُ النبيُّ، فلم يصدقوا، فقال بَعضُهم لبعض لِنَر، حتى إذا أتوا وثيقتهم فأذابها قد أكلتها الإرضَة عدا (بسمكَ اللهم) كما أخبرهم فتفرقَ شَملهُم وعادَ بنو هاشمٍ إلى بيوتهم آمنين.

مَرِضَ أبو طالبٍ (رضوان الله عليه) فجمعَ بني هاشمٍ وأوصاهُمُ قائلاً: (أوصيكُمُ بتعظيم هذهِ الكعبةِ فإنَ فيها مَرضاةَ اللهِ تعالى وصِلوا أرحامَكمُ ولا تَقطعُوها وأتركوا البغيَّ والعقوقَ، أجيبوا الداعي وأعطو السائِلَ فإنَ فيهما شرفُ الحياةِ والمماتِ وعليكمُ بصدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ فإنَ فيهما محبةً في الخاص ومكرمةً في العام، أوصيكمُ بمحمدٍ خيراً فإنهُ الأمينُ في قريشٍ والصدّيقُ في العربِ، هُوَ الجامعُ لِكُلِ ما أوصيكُمُ بهِ وقد جاءَ بأمرٍ قبلَهُ الجَنانْ وأنكرهُ اللسانُ مخافةَ الشنآنِ) وأنشد:

أُوصي بنصرِ نَبيِّ الخيرِ أربعةً         ابني علياً وشيخَ القوم عباسا

وحمزةَ الأسدُ المخشيُّ صولتُهُ         وجعفراً أن تذودوا دوَنهُ الناسا

كونوا فداءً لكُم أُمي وما وَلَدَتْ         في نصرِ أحمدَ دونَ الناس أتراسا

تركَ الدنيا (رضوانُ الله عليه عن بضعٍ وثمانين سنة بعد خديجة الكبرى (عليها السلام) وذلك قَبلَ ثلاثِ سنين من الهجرة النبوية وعينهُ شاخصةٌ إلى محمدٍ (صلى الله عليه وآله) ورسالتهِ لم تَزَل في المهَدِ لم يقوَّ عودُها بَعدُ ويؤكدُ ابنُ عباسَ إن أبا طالبٍ نطقَ بالشهادتين قِبلَ موتهِ ولم تؤدَ صلاةُ الجنازةِ عليه ولا على السيدةِ خديجة أولى المسلمات لأنَ صلاةَ الجنازةَ لم يكن قد فرضها اللهُ بَعد.

أمَر الرسولُ (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) بغسلهِ وتَكفينهِ وودَعهُ رسولُ اللهِ إلى مثواهُ بالدعاء له قائلاً: (هبطَ علي جبرائيلُ فقالَ لي يا محمد إن الله عزَ وجل مُشَفعُكَ في ستٍ.. بطنُ حملتَكَ وصُلبٌ أنزلَك وحجرٌ كفلَكَ وبيتٌ آواكَ وأخٌ لَك في الجاهلية وثديٌ أرضعَكَ).

رَحَم الله أبا طالب وأسكنهُ فسيحَ جناتهِ، ويقيناً أنه الآن في عليين لكفالتهِ لسيدِ الخلقِ فهنيئاً لهو الفردوسَ جزاء نصرته الرسالة الإلهية واللهُ مجزٍ كُلُ امرئٍ على عمله، (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره…).

قُمْ يا (هشام) لنحضرَ محاضرة الأستاذ فقد أَزِفت ساعتها فبالعلمِ وَحدَهُ تنهضُ الأمِم وتَحسُنُ الأخلاق وتنجلي العُتْمةُ عن الأذهان…

ثم أقرأ ما شئتَ هذا (مشيراً إلى الكتيب المهمل على الطاولة) أو غيره.. اللهمَ إني بلغت.

عبد الحسين الدعمي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار