الرئيسية / المقالات / الهروب من النص

الهروب من النص

 

     لطالما القارئ الحسيني على المنبر يستهل بذكر المصيبة ثم يستفيض بالأحاديث والكلام عن الهداية والصلاح على طول وقت المحاضرة العلمية لينهيها بذكر المصيبة من جديد وصلاً او تفرداً عن بداية ما ذكر في اول استهلاله، وحديثنا عن الامام الحسين ع يدعونا الى التساؤل لماذا يركزون على الرحلة والمعركة والمصيبة؟

     وما مصيبة الامام الحسين ع واهل بيته الا انطلاقة تبدأ عندها رحلة الإصلاح في المجتمع وتجليات رحلة الطف ما هي الا احكام ثبت بها الامام عليه السلام فساد الامة، وهي الساعات التي علم بها الناس ذنبهم وتقصيرهم تجاه دينهم وامامهم ونبيهم فيجلدون الذات عند استذكارها كل عام؟

     اما العدالة في توزيع الحديث او الاستذكار لمقام الامام الحسين ع بين حياته التي تجسد فترات ذهبية من معاصرته للنبي الاكرم محمد بن عبد الله ص والسيدة فاطمة بنت محمد الزهراء ع والامام علي بن ابي طالب ع والامام الحسن بن علي بن ابي طالب ع وبين فترة قضت ساعات من عمره عليه السلام في كربلاء او رحلة الإصلاح بخروجه من المدينة المنورة والتي تمركزت في نينوى الطف والتي اهتم بها الكثيرون وما كان نصيب السيرة الا التضييع والإهمال سواء من المحدثين او من القراء أنفسهم فهم يركزون على المصيبة فقط.

     ان السير مع سيرة الاولياء والصالحين وفهمها وعدم الاكتفاء بمجرد قراءتها لهو كفيل بان يصلح مسيرة الانسان في حياته كي لا ينتهي به الحال الى الانحرافات التي يشهدها المجتمع المسلم والتي تتناقلها وسائل الاعلام وتمتلئ بها سجون العالم من قضايا يشيب لها الراس علماً ان جل المسلمين يحيي ويستذكر أيام عاشوراء والكثيرون يسير الى كربلاء حيث مرقده الشريف واهل بيته وصحبه الكرام، ولعل من أسباب الانحراف الأساسية هو ترك النص والسيرة المقدسة لحياة المسلم المؤمن سبط رسول الله ص بكل ما نطقه وأشار اليه وأوصى به في حياته التي ناهزت الستين عاماً من عمره صلوات الله وسلامه عليه والاكتفاء بأشكال الخلاف والحوادث التي نهجها الظالم في حكم الخلافة يزيد بن معاوية بن ابي سفيان واعوانه لحرمان العالم من فيوضات الامام المعصوم المفترض الطاعة الذي به تستعيد الامة صلاحها وهدايتها وهي التي ضيعت امامها و قرآنها وآخرتها بتخاذلها عن سماع ووعي وتضحيات اهل البيت عليهم السلام التي نهلت لأجلهم فانتهى الحال بالأمة متفرجين على مقتلة ابن بنت نبيهم واستلابه وتفريق شمله بعد قتله في مسيرة السبي من كربلاء الى الشام وهنا نسأل مجددا لماذا لم يتخاذل 72 اثنان وسبعين مسلماً ممن نصر الحسين ع في خروجه وتجشموا عناء الرحلة ومخاوفها والمستقبل الذي ينتظرونه سوى انهم يلتقون معه في كل كلمة ينطق بها ومفهوم يصرح به وقارئين جيدين وواعين  للنص والسيرة ومتفقين مع المبدأ والعمل الذي يخرج من بيت النبوة والرسالة المحمدية الاصيلة فليس منهم المعاند ولا المخالف وليس فيهم الفاسد او الذي يحب نفسه على حساب الاخرين فهم رضوان الله عليهم يشكلون ايضا نصوصاً وسيرة حياتهم تعد هي الاخرى طريق للهداية يستفيض منها الانسان لإعادة ترتيب حياته بصورة صحيحة تؤهله عند المواقف والحوادث والافعال ان يقول ويفعل ما فيه رضى الخالق وصلاح الانسان حتى لا ينتهي به الحال محكوما بجناية او جريمة يرتكبها بيديه او يعين عليها او يهيئ لها ويعيد أيام الجاهلية بتصرفاته مبرراً بلسانه في كل موقف مردداً عبارة ( هذا ما الفينا عليه ابائنا واجدادنا وعشيرتنا وسلفنا وحزبنا ورئيسنا ومسؤولنا )

     والنص والسيرة يعدان اكبر من الحادثة التي تشكل جزءا منها وحادثة كربلاء بمفاصلها الثلاث الرحلة وساعة المعركة و السبي لأهل البيت عليهم السلام ماهي الا فصل من فصول سيرة الامام عليه السلام ولعل كربلاء هي من اهم ما كتب في هذا الفصل من حياته، ففيها اللحظات التي نودع فيها الامام الحسين ع والذي كان وداعه لا يخلوا من الهداية والتوصيات والمواقف التي تشكل من السيرة الحسينية اخر ما نهل صلوات الله عليه الا انه حتى عند اخر لحظاته التي كتبها في سجله المقدس بدمائه يظلمه مريديه بانشغالهم بحلو مبارزته وشجاعته واهازيجه ظاهرها والتي تصدرت شعائرهم واستذكارهم واهمل كثيرهم تلك الوصايا وتلك النصوص وتلك السيرة المقدسة التي تحمل في طياتها الكثير من الاستفاضات الأخلاقية والروحية العالية التي لطالما حاول بها الامام ع هداية الامة ووداع الدنيا الزائلة بعد ان شاء المقدور ان يوضع في ذلك الميدان وان يقف لوحده لترسم افعاله اخر لوحاتها لتختزنها الذاكرة الانسانية وتستشعرها على مر العصور علها تستعيد وعيها في يوم من الأيام وتهتدي لصلاحها

                                                                                                                                                  بقلم

                                                                                                                                                  علي عبد الكريم عبد اللطيف

                                                                                                                                                  19 آب 2021 م

                                                                                                                                                  10 محرم الحرام 1443 هـ

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار