تـلـويح

تـلـويح

قصة قصيرة

مهدي الجابري – العراق

نَهَضتُ ساعيًا إلى ما كتبه الله لي من رزق، كعادتي أخرج في الصباح الباكر، فأنا أعمل سائقاً لسيارة أجرة،

أمضيت خمسين سنة ونيف أتصارع مع الحياة، لأحتاش رزقاً في ظل سنوات تداولها الناس باسم آخر الزمان، لأنها تتسم بقصر الوقت وضيق الحال والمال.

رحت أجوب شوارع مدينتي، كان الطقس قائضاً، والعرق

يجعل ثيابي ملتصقة على جسدي.

من بعيد لوحت لي امرأة بيدها يرافقها صبي يقود أمامه (عربة دفع) محملة بما لذّ وطاب من مواد غذائية، فاكهة، معجنات بأنواعها وعصائر، خمنت أن لديها مناسبة وطمعت أن تزيد لي في الأجر، أوقفت السيارة متفائلا، أخذ الصبي ينقل المواد الموجودة في العربة ويصفها بعناية في حقيبة السيارة الخلفية، وعندما انتهى،

 

صعدت المرأة وهي تتأفف من شدة الحر وتلوح بيدها على وجهها ترغب في هواء أكثر! فتحت أزرار قميصها، فأصابني ذهول مرتبك، كانت شابة جميلة جداً ببشرة بيضاء، وعينين واسعتين برموش اصطناعية بالغت في تجميلها، قالت بنزق: ما هذا الحر؟ أجبتها:

–  تكييف هواء السيارة يعمل، فقط أغلقي الأبواب والنوافذ وستشعرين بالبرودة.

تابعت بنزق أشد حدة:

–  أووووف طلبات كثيرة لابد من توفيرها.

بدت كأنها تحادث صديقاً قديماً فتجرأت أن أبادلها الحديث:

– هل هناك مناسبة سعيدة عندكم.

قالت بتبرم:

– نعم .. مناسبة مستمرة.

أشاحت بوجهها مبتسمة، وهي تغمز بعينيها،

الطلبات كثيرة، تفتح شهيتهم ليلاً.

– من هم؟

-الذين يترددون علينا دائما، عطاؤهم كثير لذلك لابد من مداراتهم.

– أكل ليلة هكذا؟

– بعض الليالي تكون هناك احتفالات.

أضافت قائلة: –

 

نحن نعمل لنعيش برفاهية لا نؤذي أحداً، وبنفس الوقت ندخر أموالاً ومجوهرات للزمن الخؤون، يأتينا أصحاب المال يطلبون ترفيهاً، يجدون عندنا ما يريدون، ولا يبخلون علينا بشيء إن توفرت ملذاتهم، بذلوا أموالهم،

هذا حالنا يحققون لنا ما نريد، ونوفر لهم ما يريدون،

لا يعصى علينا شيء،

ابتسمت ابتسامة عريضة، ويبدو ان تبريد السيارة أثر فيها فقفلت أزرار قميصها،

سآخذ قسطاً من الراحة ريثما نصل، هناك متسع من الوقت حتى الليل لآخذ دوري المعتاد،

بعد حوالي ساعة وصلنا لوجهتها، نزلت من السيارة ورمقتني بنظراتها الثاقبة وولجت مسكنها، تمنيت لو أنها بقيت مدة أطول، او أنها دعتني للدخول،

رحت أفكر ملياً، يدي تهتز؛ أفقت من شرودي، طردت الوساوس التي اعتراني، وضعت يدي على المقود وكانت ضرباتي عليه متوترة عنيفة.

تابعت سيري أجوب شوارع مدينتي.  لوّح لي شاب مع عائلته، توقفت! ركب ومعه طفلان وزوجة، علا صوت الأطفال رافضين الرجوع إلى مسكنهم وهم يطالبون والدهم بشراء ملابس جديدة للعيد،

 

أخذ يهدئهم ويعدهم خيرا، يقول لهم العام الماضي اشتريت لكم ملابس صحيح أنها مستعملة لكنها نظيفة.”

كانت الزوجة صامتة ترمق الطريق بغضب.

تابع حديثه موجهاً الكلام لي:

أتعلم يا أخي أن المرتب الشهري لا يكفي واحتياجات العائلة، ومتطلباتها باتت زائدة عن الحد. الحياة صارت عبئا لا يطاق.

انفجرت الصغيرة تشهق بالبكاء ومعها انفجرت الزوجة متخلية عن صمتها وهي تهتف مطالبة بما تحتاجه النساء والأطفال، شعرت بالتوتر من صخبهم رغم أن الرجل المسكين أخذ يهدئهم، لكنهم نزلوا غاضبين. توقفت قليلا لأسترد هدوء أعصابي، وأنا ادمدم: ما هذا اليوم.. عسى ان ينتهي على خير..

على الرصيف المقابل

كانت امرأة واقفة تنتظر سيارة أجرة لوحت بيدها وهي تتمايل وقفتُ أمامها، قالت بغنج مفرط:

-” هل ترغب برفيق؟!

بالتأكيد مللت من التجوال طوال اليوم، ستكون راضيا وسعيداً،

اهتز قلبي بعنف، لا تبدو طبيعية، شابة جميلة غير مرتبة رغم ملابسها الفاضحة، صعدتْ تجر أذيالها متأففة،

 

قالت: تحرك أينما تريد، المهم في النهاية أن أحصل على مبلغ من المال.

قلت:

-” ويحكِ هل جننت؟

قالت: لماذا وافقت إذن؟

لا بدّ أنك ترغب بذلك، أكمل طريقك وعش هذه اللحظات ان تندم.

اهتز كياني كله بسبب حديثها.. صوت في داخلي يهمس:

– لم لا؟!

فينتفض عقلي صارخاً:

أيها الوغد..

تمالكت أعصابي قليلاً وقلت لها بهدوء بالغ:

–  أريد أن أسألك؟

– نعم تفضل.

– لم تفعلين هذا؟!

أظنك مجبرة على فعل شيء مشين كهذا؟

– وماذا يهمك سبب ما أفعل، هذه حريتي وانت قبلت أن ترافقني.

فلا تكثر من الأسئلة؟

هيا جد لنا مكاناً.

– أي مكان يا مجنونة

قولي أين اوصلك واتركيني وشأني

صمتت لثوان ونظرت إلى الأفق خارج إطار النافذة

ثم قالت:

 

هيا سأدلك أين توصلني!

اخذت تشير لي إلى الطريق حتى وصلنا أحياء ظننتها مهجورة ثم دخلنا زقاقاً جانبياً بيوته مسقوفة بالصفيح وبقايا الخشب.

دخلنا إلى دارها وكانت كأنها زريبة حيوانات، في غرفة صغيرة آيلة للسقوط، كان هناك عجوزان كبيران في السن، راقدان على فراشين متجاورين وكل منهما متكئ على جانب من جسده ويبدوان مثل تمثالين من عظام وجلد،

حينما دخلت استدارا معا في مكانيهما وحين نظرا إليّ تساقطت دموعهما، وأحنى الرجل رأسه وغاب في نشيج مر، جعل قلبي يتفطر.

جلستُ أمامهما وأنا أحاول تمالك نفسي وكتم ألمي وحبس دموعي.

قلت بصوت مرتعش:

ما الذي بوسعي ان افعله لكم؟!

قالت المرأة:

-” يا بني ليومين متتاليين ونحن دون طعام ولا دواء،.

نهضت من رقدتي وكأن سوطاً لسعني، سارعت إلى إحضار طعام وشراء دواء.

قفلت عائداً إلى بيتي وأنا أقول في نفسي:

ياله من” تلويح” هذا اليوم.

 

حضرت إليهم في اليوم الثاني أَخذتُ العجوزين إلى دائرة حكومية، كان كل اعتقادي أنهم سيشكروني على ما فعلت.

لكن بعد أخذ وردّ مع الموظفين أحالوني إلى مديرهم.

قال مدير الدائرة:

– هم غير مشمولين بالضمان ولا يستحقون ما يطلبونه.

كان يتكلم دون أن ينظر إليّ.

ثم أشار لي بيده ان أنصرف، انصرف، هو مبتسم والهمهمة مع امرأة جميلة تتهادى أمامه،

نظرت إلى المرأة ملياً وتذكرتها كانت المرأة الجميلة نفسها التي استقلت سيارتي أمس وكانت تتكلم عن الحفلات والسهرات الليلية الصاخبة.

خرجت بسرعة البرق ركبت السيارة، وقدتها بسرعة، استوقفتني امرأة شابة، دارت معركة بين قلبي وعقلي، هل أقف؟ أو أتركها في الطريق تنهشهها وجوه المارة؟

شعرت بدوار، أوقفت المحرّك ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في المشفى…..

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار