حكاية

عبد الفتاح المطّلبي /////

مُعلّمُنا العجوزُ الذي أكلَتْ سجادةٌ من صنعِ أهل (كاشان) وسطَ جبهته وخدّرتـْهُ طقطقاتُ مسبحةِ العقيق النجدي التي لا تفارق أصابعـَه وهو يعلمُنا ما أراد أهلنا لنا أن نتعلمَهُ فبدا لاهياً عنا حتى وهو يُعلـِّـمُ فما تعلمنا إلا النظر لجبهتهِ التي اكتوت بلون السجادة المُزرَقّ وما حفظنا إلا صوت طقطقات المسبحةِ التي كانت دائما أعلى من صوته ، كنا في الصفوفِ الأخيرةِ من المناضدِ المدرسيةِ نقصُّ لبعضنا الحكايات ..

كانت أمي متوعكة ًالليلةَ البارحةَ، قلتُ لصديقي الذي يشاركني منضدتي في الصفِّ و أضفتُ أنها لم تحكِ لي حكايةً جديدة ، وسألته : هل تريد أن أعيد عليك حكاية الأمس الجميلة : أجاب نعم فقد كانت حكاية رائعة كما أظن ، قلت : قالت أمي عندما علمت بعزمي على مصاحبة جارنا(عبود بن حسين الشرطي) في جولة صيد الدراج على حافات غيل البلدة الغربي ، قالت حذارِ من بندقية عبود ،عبود هذا يكبرني بعامين وقد شبّ على حبه لبندقية الصيد وكرهه للمدرسة وأمه (صبحة) تشجعه على ذلك وهي جارة أمي تلتقيان كثيرا في بيت أي منهما وتتحدثان عن أمور لا نعرفها ،وعند الإنصات إليهما من قريب أنا و أولاد الجيران تنهرنا صبحة أم عبود لأنها الوحيدة بين نساء بلدتنا التي ترتدي( بيجاما) تحت ثوبها وهي مستعدة دائما إذا أغضبناها أن تعض على ثوبها وتطاردنا فنبتعد أو تحرض ابنها عبود فيصفعنا ،و قد علمه أبوه الذي كان حارسا لمقبرة الإنكليز ومن ثم صار شرطيا في درك الحدود ، علمه الصيد ببندقية الصيد التي تطلق كثيرا من كريات الرصاص الصغيرة ، وعندما كنا ذات يوم قرب النهر سمح لي برؤية الإطلاقة عن كثب وكانت إطلاقة البندقية الحمراء التي تشبه الاسطوانة بين أصابعي أقلبها متعجباً من كثرة الرصاص فيها مستشعراً قشعريرةً تنتابني عندما أتخيل هذه الكريات تخترق جسد طائر الدرّاج الغافل وفكرت أن هذا الدرّاج المسكين ربما كان أحد تلاميذ المدارس وقد صادفته جنية شريرة وحولته إلى طائر دراج يتعقبه الصيادون كما تقول أمي دائما وهي تحذرني من ارتياد الأمكنة الخالية من البشر وفيما وصلت لهذا الحد من التفكير فلتت الإطلاقة و سقطت من يدي إلى النهر وضاعت في مياهه التي تجري ببطء وكأنه كائنٌ معلول فقد كنت أتهيب هذه الإطلاقة التي تبعث في نفسي الخوف حتى وهي في يدي ، أصابني الرعب من صاحبي عبود لضياعها فقد كانت تستطيع قتل كثير من الدراج الغافل على حد زعمه لكنه على عكس ظني لم يُبدي اهتماما لذلك قائلا : لا عليك إن أبي يحصل على الكثير منها ،أصدقائه المهربون وشريكهم وراء الحدود يسترضونه بهدايا كثيرة من بينها عدة صناديق من هذه الاطلاقات التي يجلبونها من هناك وأضاف: في بيتنا الكثير منها فلا تحزن، قال صديقي الذي يشاركني منضدة الصف: هل نسيت الحكاية ؟ أين الحكاية؟ قلت : لا ولكن لابد من سرد ذلك لأن أمي ما حكت لي هذه الحكاية التي تود سماعها إلا حين علِمتْ بقشعريرة جلدي من تصور الرصاص حين يخترق لحم طائر الدرّاج الغافل ويستقر فيه وعندما تطبخه أمي أحيانَ يعطيني عبود واحدةً من كيس الصيد يصادف أن نعثر على رصاصة صغيره كامنة في اللحم لتصطدم برحانا عند الأكل فنضطر إلى لفظ الطعام من حلاقيمنا وإن كان لذيذا إذ كيف نأكله وقد اختلط بالرصاص فتقول حينها أمي هذه أنثى الدرّاج المسكينة تحاول أن تثأر لنفسها منا لأنها ربما كانت ترعى أفراخها الصغار الذين سيموتون بعدها لذا عليكما أن لا تطلقا النار على أم الأفراخ ، وأنا بدوري قلت لعبود ذلك فضحك وقال: أنا لا يهمني لا العازبة ولا أم الأفراخ كلها تصلح للشواء، قال شريكي في المنضدة ولكنك لم تسرد لي الحكايةَ ! ، قلت له إن أمي قالت احذرا من إطلاق النار على الجن الذي يبدو لكما كالدرّاج ولكنه ليس بدرّاج لا تميته الرصاصة ، ولا يرتاح له بال حتى يقود الذي يضعه بباله إلى حتفه وقد حصل ذلك كثيرا فيما مضى ،قلة ٌ هم الناجون الذين استطاعوا أن يفلتوا من عقاب أولئك الجن إنهم يأتون من جهات عديدة لا يعترفون بحدود ويأتون أحيانا من السماء من البحر على ظهور سلاحف عملاقة من كل مكان ، قال صديقي الذي يشاركني منضدة الصف الخامس الابتدائي في مدرسة (المشرح)* ولكن أين الحكاية ؟ وهاهو صوت جرس الانصراف قد بلغ مسامعنا ، كنت مبتهجاً حقا بسماع صوت الجرس ذلك بأنني شعرتُ بحرارتي ترتفع منذرة بنوبة حمى وليخلصني من ورطة الحكاية التي نسيتها ، اليوم الخميس وغدا سنذهب باكرا إلى أطراف غيل البلدة لنصيد الدرّاج ،يمتد غيل البلدة إلى مسافة بعيدة جنب جدول (المغتاظة) الموازي لجدول (الداغرية) الذي جفّ واندثر منذ زمن بعيد،وكنت قد سألت أمي ولماذا جف جدول الداغرية ؟ قالت بسبب الجن الذين اعترضوا على خطة الرب في سقي أراضيه فهم لا يحبون الأرض المزروعة ولا يفضلون إلا الصحاري ويسرهم أن يموت الناس عطشا فمنعوا الماء عن دجلة بسد عظيم وهم يرقصون تحت نجمة وهلال ذبحوهما في السماء و وضعوهما على قماش أبيض صار أحمر بلون الدم فيما بعد من كثرة الدم الذي نزفته النجمة وسال من الهلال ولما مات الهلال وماتت النجمة على الخرقة الحمراء من الدم انخفض مستوى الماء و مات جدول الداغرية ،صار مأوىً للثعالب والعرابيد المشعرة كما تقول أمي وأضافت أنه ربما يوجد هناك قبيل من الجن وبررت ذلك بقولها أنهم يحبون ارتياد الأماكن الجبلية و الصحارى المهجورة ووديان الأنهار الميتة ولم تتحدث أمي عن سبب ذلك وحتى لو سألتها فهي لا ترد علي إلا بما تقوله دائما حين أحرجها بسؤال وهو أن الجن لايحبون الأسئلة ولا يحبون الماء و تغضبهم الأسئلة أحياناً لأنهم بالحقيقة يكرهون البشر ويفضلونهم غافلين ولما ألححتُ عليها أن تفسر لي لماذا يكره الجن الماء قالت بعد تفكير طويل لأنهم مصنوعون من النار ولكنهم يستطيعون التحول لأي شيء إلا الماء و أردفت أتعرف لماذا ؟ قلت لا ! قالت لأنه الوحيد الذي يستطيع إطفاء النار ، الآن فقط عرفت لماذا يكره الجن الماء! ، على أية حال غدا الجمعة وسأذهب مع عبود لصيد الدراج و سأحكي لشريكي في منضدة الصف يوم السبت حكاية عن جنية سأشاهدها هناك. بكرنا أنا وعبود بن حسين الشرطي إلى أطراف الغيل حيث يظن عبود أن هناك كثيرا من الدراج وعندما ذكرت له ما أعرفه عن الجن ضحك وقال :سبق و إن صادقتُ جناً وادّعى أنه هو الذي اتفق مع الجن على قطع المياه لتموت الأشجار وينكشف الدراج فيصيد منه ما يشاء و أنا صدقتُ ذلك وودتُ لو أنني أستطيع رؤية صديقه الجن ليكون بطلاً لحكايتي القادمة التي سأحكيها لشريكي في منضدة الصف وسيصغي لها جيداً ، كان زفيف الدراج على حافة الغيل يستنفر الرغبة النارية لدى عبود بن حسين الشرطي وبندقيته ، أطلق النار على ذكر الدراج الذي كان ينشد نشيده المعروف(حمدان يحب القصب) (تِتات تتاتا تتت) وراح الطائر يسف بطيران متقطع ، صاح عليّ عبود بن حسين لقد أصبته ، اتبعه فإنه لن يبعد كثيرا ورحت أتبعه على طول وادي الداغرية الجاف وعندما ابتعدت رأيته يلجأ إلى وجار حيوان شرقي الغيل في منتصف كتف النهر الذي جففه الجن ولما وصلتُ بعد لآي ومددت رأسي في الوجار المظلم لم أشاهد غير عينين فسفوريتين تلمعان في ظلام الوجار ، قفزت كل أنواع الجن الذي حكت لي عنه أمي إلى رأسي وتملكني الرعب فصرخت وأطلقت ساقيَّ للريح حتى إنني استطعت أن أعبر جدول المغتاظة والبلدة وغيلها بقفزة واحدة ولم أشعر إلا بكف أمي وهي تضع خرقة بيضاء على جبيني الذي كان يتفصد عرقاً متمتما بكلمات من قبيل الدرّاج والجن وشريكي في منضدة الصف وهي تقرأ على رأسي آية الكرسي وقلت لها و أنا ألهث كجرو صغير طارده ذئب ، منذ متى وأنا على هذه الحال يا أمي قالت منذ أتيت من المدرسة الخميس وأنت محموم وتهذي هذيانا متواصلاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المشرح:ناحية من نواحي محافظة العمارة وقد سمي نهرها المشرح لكثرة الجداول والسواقي التي تتفرع منه على الجانبين أما اليوم فلا يوجد منها جدولٌ بسبب شحة المياه

 

 

عبد الفتاح المطّلبي

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار