الرئيسية / الاخبار / رماد الأقاويل

رماد الأقاويل

فرج ياسيــن /////

 

قبل أن يظهر لنا في كؤوس الماء والمرايا ، وزجاجات الخل الفارغة ، كان قد ظهر لنا في شطحات التأمل ، وظعنات اليأس ، يأس كهول ، خارجين لتوهم من حفلات هراش ديكة ، ونطاح تيوس ..

    قبل أن يظهر لنا هذه المرة ، في الحوار ، كنا قد استدعيناه من حرائق طفولتنا ، لكن السنين العجفاء جعلتنا نغص بهباء الاكتشاف . نعم ، كان رجلاً! وفي محاولة أخرى لطواف الفكرة حول نفسها ، وكان يظهر عارياً على شاطئ حصوي تحف به أجمات الغرب الصغيرة . وفي محاولة أخرى حصلت في المستقبل الذي انقضى منذ زمن طويل: وكان ذلك في الصباح يطل من شاهق على أحلامنا الناعمة . أكان ذلك في كل صباح ؟.

    سأقول تنه كان رجلاً نعرفه ، له أسم وقبر وتاريخ . لكن الأمر الذي سوف يشب ويحترق في الحوار هو أين كان ذلك ؟ أهو شاطئ النهر ؟ ادعيت أنا . وزعم الزملاء . ثم سألنا الجدة شمسه . أحقاً أنه كان يخرج من الماء عارياً ؟ لكن بعضهم ذكر أنه لم يُر إلا خلف خرائب القلعة ، قرب عش اللقلق ، وهو يواجه النهر والشروق .

    ربما ظهر هنا أو هناك ، لكن الأمر بعد ثلاثين عاماً ، لم يعد بهذه البساطة أبداً ، لأن ما صار يقلق الجميع حقيقة أنه أخذ يظهر في أوهامنا . أقسمت لهم بأنني رأيته على شاطئ النهر وأنا صغير ثم أخذت أعتقد أيضاً بأنني كنت أراه في أيام الشتاء القاسية البرد يتسلل إلى مكانه المعتاد ، خلف خراب القلعة ، يحمل صفيحة مملوءة ماء ، ويقف       – نحيلاً عارياً – في مواجهة النهر والشروق ، ثم يقوم بسكب الماء على جسده .

    عدد من لأقران الذين يسكنون حول عش اللقلق ، بحيث تغدو القلعة في مرمى أبصارهم لم يذكروا شيئاً ، وقلنا في الحوار أنهم لم يروا أي شيء ، لأنهم واقعيون ، أي أنهم من النوع الذي لا ينظر إلى فوق! أما نحن زبائن مقهى ( الساعة ) الواقعة في منتصف السوق الجديد عام 1975 فقد اختلفنا ذلك الاختلاف! لأن رجلاً أراد أن ينفي تهمة السرقة عن نفسه ، رأى القبر الأخضر من خلال قضبان نافذة حجرة قاضي التحقيق المطلة على المقبرة المسيجة ، فاقسم بروح صاحب المقام! هذا الحدث العابر هو الذي أجج الحوار ، وأنحرف بنا إلى حلقات جديدة لم تخطر على بال ، مما اضطرنا للذهاب إلى الجدة شمسه، المرأة التي اتهمت قديماً بإخفاء الرجل الغريب في بيتها ، بعد أصابته صبياً في جبهته بحجر مقلاع إبان أحدى الحروب الكثيرة التي كانت تنشب بين حواري بلدتنا ، والتي عاشت وحيدة في بيت نصفه منحوت في الجبل ، حيث تستقر القلعة منذ الأزل فأدت بما معناه أنها لم تعرف إن كان صاحب القبر هو ذاته الرجل الغريب . لكنني طلبت منها أن تصف احتمالاً ما عن موقف الخروج من النهر ومن خلف خرائب الاغتسال في مواجهة النهر والشروق ألا أنها أجابت قائلة : في بلدة مثل بلدتنا من يجرؤ على الظهور عارياً وعلى مرأى من الناس يا بني! .

    أخفينا هذه المعلومة المثبطة ، وانطلقنا في السنين ننسج بصبر عنكبوت ، أسدية الاحتمالات الكثيرة ( صقالات أحلامنا ) لأننا بعد ذلك بجيل ، والجلسة في مقهى الساعة لما تزل مستمرة . سمعنا هزيم العجلات ، فتداعينا وجلين وجعلنا نتساقى جرعات العزاء. لكن الخراب صار يستدعي أشباحاً غريبة ، طفقت تخطف في خيمة الغبار المنعقدة حول خرائبنا ، فهجسنا اندحار الصورة وتراجعها ، لذلك عمدنا إلى عقد جلسة مكرسة للتذاكر ، أحدنا زعم أن الرجل لم يتزوج مطلقاً جواباً على من أدعى بأنه إنما كان يفعل ذلك تطهراً من الجنابة . 

آخرون ادعوا بأنه تزوج من امرأة ممسوسة ، لم تنكشف على أحد ولم تخالط الجيران وكانت – فوق ذلك من دون شكل ، أي إنها لم تظهر سافرة في أي مكان . وعبر سياحة أخرى في أفواه الأقاويل سمعنا أن الرجل من أصل تركي . وأنه لم يسكن خرائب القلعة أبداً ، وأنه كان قصيراً جداً وأنه شارك أهل البلدة في إنقاذ ثلاثة أطفال سقطوا مرة في بئر ( دوريّة ) وأنه أول من نصب خيمة فوق ( تل السكن ) لسبب لا يعرفه أحد ، وأنه لم يكن صاحب القبر الخضر ، وأنه عمل ( boy ) في منزل المستر لودفيج بوخا ، كبير مهندسي شركة زبلن الألمانية التي شرعت بتعبيد الطريق العام بين بغداد والموصل منذ عام 1956 . ولا ندري كيف صار هذا الخبر يحتمل الأقاويل الكثيرة ، منها أنه كان مفتوناً بالمسز بوخا ، أو أنها هي التي كانت مفتونة به ، إذ شوهدا وهما يمارسان سباحة مستهترة ، هي بالمايوه وهو كما خلقه ربه أمم مصاطب ( شيشين ) الصخرية .

    أنا وثلاثة من الزملاء قررنا العودة إلى الأمكنة القديمة ، ولكن في الخرائط ، لأن الأحياء القديمة في بلدتنا أزيلت في ثلاثة عقود . وفي أحدى صفحات البحث برزت أمامنا معظلة لم يُحسب حسابها وهي أن لكل واحد منا خريطته الخاصة ، لقد اختلفنا حول عدد الأزقة القصيرة المستقيمة الضيقة المتوازية الواقعة بين القلعة والشريعة . وبالكاد استطعنا الاتفاق على تفريعات هشة ، متبعدين مسافات شاسعة عن بؤرة الحوار . وقد كنت اعتقد إن خارطتي ظلت نظيفة ، وإنها لم تتأثر بصدام الروايات على مدى ثلاثة عقود . الغريب في الأمر أنه لم يظهر على الخرائط .

بطريقة تجعله ملتحماً في المكان ، إذ بقي كما كان يلوح في الحوار دائماً أشبه بإصبع معلق في الكف بانشوطة من جلد فارغ من الدم ، لذلك هتفنا منفعلين .

– ليس ثمة شخص يحمل هذه الصفات!

    من الذي يمنع من نفاذ هذه الصرخة إلى محطة الشكوك في قلوبنا ؟ إذا ما عمدنا إلى تصغير لوحة الأحداث المنتشرة في متون ثلاثة عقود وضغطها بطريقة تتلاشى معها النقاط الواهنة ، وتبهت الخطوط وتنمحي شواخص الخلفيات المتناهية البعد في أعماق المنظور .

    حقاً إن ذلك صار يشكل وقفة الاستراحة التي كنا ننعم بها بين آن وآخر ، قائلين لأنفسنا وماذا يهم ، أنه رجل عشش في أسدية الأحلام التي ألفنا منها طفولتنا . وأن ذلك يكفي لبعث حكاية ليس بالضرورة أن تكون حكايته بل حكايتنا . وهكذا شغلنا بترتيب الأحداث من خارج ضرورات التعالق المنطقي . ففي حين بدأت الحفريات بجانب المستوصف الجديد لم يكن البعض يفكر بإزالة القبور القليلة المسيجة منذ انشأ السوق العصري ، لكن البعض أشاعوا بأن وجود القبر الأخضر سوف يشكل تحدياً حقيقياً للسلطات البلدية إذا ما جرؤ أحد على الاقتراب منه ثم احتكمنا إلى تداعيات عتيقة ، كلها تدور في فلك القول ، بان ذلك القبر ليس سوى قبره وأن أول انشوطة خضراء علقت فوق شاهدته ، شوهدت بعد عجاجه العجوز وبسببها وهي حادثة وقعت أثر موته ، الذي هو بلا تاريخ ، فقد روى إن امرأة عجوزاً فقدت في عاصفة هبت على بلدتنا في زمن قديم أمضت الليل في العراء ، إذ تعذر العثور عليها لكنهم وجدوها فجراً على هيئة مهولة. كانت تحمل في ساقها أثر عظة حيوان مفترس ، فقد زعموا وقتها أن ذئباً هو الذي عظها . وأن اليد التي خرجت من القبر هي التي أنقذتها من الموت . لكن المرأة توفيت رعباً بعد يوم واحد ، وصار قبرها هو ما سمي بعد ذلك بالقبر الأخضر .

    جدتنا شمسه هي التي أصبحت في التسعين من العمر روت الخبر بعشرات الصيغ ، البعض منها لا يشبه سواه ولا يدري أي جيل هو الذي عُدّ مسؤولاً عن أسرار الحلول والدمج والانتقاء لأننا في أواخر السبعينات . كنا نحتفظ بلوحات ملونة كاملة نعلقها في واجهات أيامنا تنبض بملامح قديس يبدو وكأن حكايته غادرت مرحلة الشكوك .

    بعضهم زعم أن الرجل الغريب لم يدفن في مقابر البلدة لأنه أوصى وهو يحتضر أن ينقل جثمانه إلى قرية تقع على نهر ديالى ، قال أن فيها أهله وعشيرته لكن أحدى الحكايات المأثورة انتخبت شخصين معروفين وأوكلت إليهما غسله وتكفينه . ثم انتخبت شخصاً آخر للتبرع بوضع شاهدة قبر مزعومة ، قيل أنه نقر حروفها على كسرة رخام وجدها مصادفة في ( حمار الشيقا ) ذكر الرواة أنهم رأوه مكتوباً عليها : هذا قبر حَرَش.. لكن حرش صبي ذو شكل منغولي مات بعد سن الثالثة عشرة . ينتمي إلى جيلنا. أقصد أنه – لابد – كان بيننا ونحن نشاهد الرجل يأخذ حمامة الصباحي خلف خرائب القلعة ، عارياً في مواجهة النهر والشروق ، أما والد حرش فقد أكد أنه لم يضع شاهدةً على قبر ولده . وعلى الرغم من نفيه المستمر زعم لاحقاً أن الملائكة هي التي وضعت تلك الشاهدة .

    في تداخل مشبوب أدلى جندي عاد بعد ثماني سنوات من الأسر ، بان قمامة رجل نحيف عار ظلت تحلق في فضاء التهيوءات العجيبة التي يصنعها عادة الشوق إلى الأهل والديار ، وأنه يحس وكان جسده يعاود الاغتسال بماء ينسكب من صفيحة ممتلئة في كل مرة . مما شجع أمه على اقتياده – ذات يوم – إلى المقبرة المسيجة ، جاعلة إياه يدور .

    حول المستوصف الجديد ثم دخلا معاً بناية المحكمة ، وهناك انتهزا فرصة سائحة للقفز إلى داخل المقبرة المسيجة . حيث جعلته يلمس حجارة القبر قائلة له : اذكر اسم الله مائه مرة يا بني ، ظل الفتى يتذكر هذه الحكاية ويقصها لكل من يصادفه حتى أصبحت لازمة مستمرة لحياته . وفي تطور لاحق ، ذكرت أمه انه صار يصحو من النوم وهو يبكي فتقول له ، لا تفكر بالماء المنسكب يا بني ، فكر بالماء الذي يسيل . لكن المرأة سمعته مرة وهو يغمغم في الحمام : اللهم طهرني من الماء المنسكب ومن شبح ذلك الرجل النحيف العاري الذي قطع عليّ طريق الأحلام .

    وفي تداخل آخر زعموا أن ضابطاً برتبة نقيب ، أكد أن والده المتوفى منذ أواسط الستينيات هو الذي كان يعاشر السيدة الأجنبية ، زوجة المستر بوخا ، لأنه عمل معتمداً من قبل الشركة لتوفير المواد الغذائية كل يوم . وقيل إن الفتى أبرز أمام ثلة من أصدقائه صوراً وهدايا تؤكد ذلك ، وقد روج الهواة آنذاك معلومات جديدة تخص اسم المرأة وصفاتها ، كان اسمها الينورا وكانت شقراء مثل سنبلة في الشمس : آلا إن رجلاً صالحاً يعمل إماماً متطوعاً في مسجد صغير يحمل أسم شهيد ، تحدث في غياب الشاب قائلاً : عن هذا ظلم شديد ، لأن الوالي صاحب المقام الأخضر حاول على مدى أيام صيف كامل إغراء السيدة الألمانية باعتناق الدين القويم .

    أنا وعدد من الأقران الذين بقوا أوفياء لتقاليد الجلوس في المقهى ، لجأنا بعد إزالة مقهى الساعة إلى مقاهي صغيرة منتشرة في البلدة ، نتجاذب فيها أحاديث يائسة تشتمل على مزاعم الآخرين ، بعيداً عن همسات قلوبنا المطعونة في براءتها فتتكشف لنا أعاجيب لم نكن نجرؤ على احترامها .

    من قال إن شيئاً من ذلك لم يصمد أمام وثائق التاريخ الحقيقي لبلدتنا . بيد إننا ظللنا نمضي دائبين في الحوار ، نكابد شيخوخة الحكايا ، ونراقب رقصاتها في الزمان ، تسقط ورقة هنا وتفرع سطور هناك ، كما لو كان أن قشة تتوقف في مجرى نهر فيعلق فيها يغدو بعد ذلك كثيباً من الخرق والعيدان والقواقع والطمى وعظام السماك النافقة .

    ثم مضى زمن أطال استرخاءه حول أمشاج الحكايا المخنوقة برماد الأقاويل ، فأخذ لا يظهر لنا إلا في كؤوس الماء والمرايا وزجاجات الخل الفارغة حتى حدث ما أيقض الحكاية وأججها من جديد . إذ حلت في بلدتنا – قبل ثلاث سنين- امرأة في الستين من العمر ، ترتدي جلباباً زهرياً ، وتصر وجهها بلفاع أسود ، تقود سيارة من نوع تيوتا موديل 1991 بدت وكأنها قطعت رحلة قاسية ، لأن عرق الرحلة جعل مكياجها يتجمد في خطوط تجاعيدها الشائخة .

    ما أن وصلت حتى سالت عن عش اللقلق وبئر دورية وحمار الشيقا وتل السكن والشريعة والقلعة ومصاطب شيشين الصخرية ، وعن الجدة شمسه : فقيل لها أنها انتقلت الى دار البقاء منذ ثلاثة عشرة سنة ، وعندما سالت عن هويتها وعن سبب قدومها ، أفادت بأنها امرأة عاشقة استيقظت تواً من حلم خرافي وإنها جاءت لكي تطلق النار على ذكرى رجل سمعت أن هناك بات يقدس قبره الوهمي ، لأنه أفسد حياتها .

    لشد ما تراءت صورته في ذاكرتي ، مرة يسوح في الأقاويل ، ومرات كثيرة ينتصب فرداً أمام عيني غلام مرنقتين بضباب غبش شتائي ، يخرج عارياً من خلف خرائب القلعة ، فوق عش اللقلق ، يحمل صحيفة مملوءة ماء ويولي وجهه شطر أفق يقف على رؤوس أصابعه ، منتظراً خيوط الشروق الأولى ، بيد أنني انتظرت أعواماً أخرى ريثما تهدا الضجة ويكتمل نصاب الأقران . لكن الجلسة التي ظلت قائمة منذ ثلاثين عاماً لم تتسع الآن ألا  لعكازاتنا المتصالبة تحت الأرائك النخرة . 

 

 

 

فرج ياسيــن

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار