الرئيسية / الاخبار / فائز الحداد يجترح لنا عالما آخر

فائز الحداد يجترح لنا عالما آخر

غالب الشابندر  /////

 

 

 

الاهداء :

إليها !

كنتُ أحرصُ عليكِ أكثر من حرصي على نفسي … سامحك الله، لن أنساك …

: 1

مِن الشعراء منْ يعتصرُ لك الوجود معنى، ومِنَ الشعراء منْ يعتصر لك الوجود مغزى، وبين المعنى والمغزي فارق السبب والغاية، فارق الشيء بقوامه والشيء بغايته، وإن كان ذلك لا يمهر رضا أو تَرضِّي مَنْ رسمَ خرائط الصدفة العمياء على لوائح ما نحس أو نعقل .

فائز …

يعتصر لنا بلغته (الماوراء) الوجود مغزى، يتحايل على اللغة ليعطب في داخلها أنانية معجمها اللاهوتي الأعمى، يقلب المعجم، يحرفه بشفافية الهدف البعيد من كلماته وهو يسطرها بدم قلبه الرؤوم على صفحات أمله بأن نشاطره الحلم، والتأمل، والفكر، والذاكرة، والخيال …

الكون يركض وراء كلماته، يريد أن يتحرر من أسره المألوف، من سجنه المعهود، يريد أن يتحول إلى صورة أخرى، بل ماهية جديدة…

فائز يستجيب…

يستجيب بلغته المرواغة، ولكن مرواغة الحقيقة للظل، الحقيقة هي المجاز، هكذا قال قبله الزمخشري، ولكن فائز طرّز الوجود كله مجازا، عبر لغة المجاز، وهل الحب إلاّ تجليا نهائيا للوجود؟ وهل الحب إلا جوهرا خفيا، تتجاذب على وقعه الاشياء، تلتقي وتتنافر، وهكذا قال اليونان قبل ميلاد قواعد الفكر الصلبة، وما لنا بها حين يبدع الشاعر، أو حين ينبض قلبُه فوق نبضه المألوف، فوق نبضه الذي يضخ الدم، فهناك دم آخر يسري في داخل الشاعر، هناك دم نشاركه به، ولكن هناك دم ينفرد به، ولكل شاعر دمه الخاص به…

الوجود بماهية الحب، يتكلم فائز، ينظم فائز، يتحدث فائز، ينشد فائز، ونحن ننتشي بهذه النقلات الهائلة، بين مفردات هذا الوجود، منغمسين بكل كياننا في ماء جديد، في بحر جديد، ليس هو ما نبصر عادة، ولا ما نسمع عادة، ولا ما نشم عادة…

مِن الشعراء من يعتصر لك الوجود معنى، ومن الشعراء من يعتصر لك الوجود مغزى … وفائز ذاك الذي يرغمنا على أن نكون غرباء معه !

2:

كيف تحلِّق وأنت اعزل الخيار؟

(وأنت تحلِّق أعزل الخيار) ..

وكيف تتخلى الاسباب عن مناشئها؟

(لم أدرك فيك … رعشة الرحيل

باسبابها الحافية ))

وكيف تنتحر الحدود وهي جنود التراب الشرسة الغليظة القوام والهيام بالموت مجانا؟

(لم أكتشف فيك جمال الموت، إلا بانتحار الحدود)

وهل هناك (رجولة هاربة)؟

كيف يا ترى تبيح الصحراء لقافيتها المفتولة من رمال الموت أن (تستهدف) لغة الحياة وطعمها الممزوج بقدر لا ينخرم (وجعلنا من الماء كل شي حي)؟

كل ذلك كان، ويكون، وسيكون، لان الشاعر كان قد هجر كون الحس إلى كون المعنى بل هجر كون المعنى إلى كون المغزى، الكون لذي تخطى لغة الحدود، لغة الابعاد، لغة الطول والعرض والعمق، لغة الكم والكيف، لغة الشدة والضعف، لغة العلة والمعلول، وغاص في كون قوامه الحب، الحب يصنع المعجزات، ويهب اللغة (ميتاها)، ليست الفلسفة هي التي تنحت هذا (الماوراء اللغوي) بل الحب وحده القادر على ذلك.

:3

(خذي من شفتي، شفاعة الملح واحذري القبل

كنت أبتهل للفرات

واستهدف البحر بقافية الصحراء

في رجولة هاربة

أجزم أنها ستصاب بصمت الذهول)

صورة الوجود المخفي كما قلت، لا يتجلى إلاّ لذوي البصيرة، فالملح هو ذاك الشوق الساخن روحيا لتلك القبلة المستحيلة، ويا صدى المستحيل كيف يواصل قسوته عندما يصدر تحذيرا على لسان الشفة المسكونة بذلك الشوق الساخن؟

هل كان فائز الحداد يقرأ نظرية المُثُل الافلاطونية وهو يهذي بهذا الدر الإلهي الصوفي المتوحد مع ذاته إلى حد اللعنة؟

هل كان فائز الحداد وقد لعبت برأسه خمرة الرب المسكون بشهوته المجنونة يسطر هذه الحروف المتنزِّلة من أعماق تلك المثل الشفافة الطيبة الأرومة لأنها على تماس مع الله مباشرة؟

لست أدري …

ولكن أدري : ـ

أن النجمة تبكي

وأن أسرارهما (تحتسي العيون) وما يخيفهما سوى الليل في عيونه!

وكما قلت …

إنه كون فائز الحداد))

لا تظنوا إنها عيون سلطان أو قوة غاشمة أو غزوة أو مغامرة في منتصف ليل بهيم،بل هي عيون ليل يعلن عن نفسه فجر عشق كان قد أقيم قبل أن يكون هناك عشق على أرضنا هذه …

هل هي صور؟

أم أفكار في صور؟

أم صور في أفكار؟

هي رؤية …

غالب الشابندر

 

 

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار