الرئيسية / الاخبار / قصة / فوضـــــى خيـــــال

قصة / فوضـــــى خيـــــال

منجية بن صالح ///

 

تأسره الصورة ليحتويه الواقع، تخترقه أزقة تيه فكره، يركض وراء حلم ضاع منه في الزحمة ليكون سرابا يقيم في ذاكرة مسافرعبر دروب الحياة ….يخاف من الوحدة ليجد نفسه يسكنها ، من الغربة، ليجدها تلازمه ، من الحزن ليجده رفيق دمعه ، ترهقه الضجة و ما يحتويه خياله من رسوم تحرك وجدانه وجسده على أرض واقع يرتمي بين أحضانه دون إدراك ،يسحبه هذا السيل البشري الهادر ليأخذه إلى حيث لا يدري ….تغادره الإرادة ليجد نفسه يطوف حول فوضى حواس و مشاعر تجسدها حركة سكان الحي بين جدران أزقة الحياة  يسرقه الزمن أو ربما هو من يتطفل عليه و يسحب منه لحظاته ليتوارى معها من زوجة ترهقه بنظراتها و بصمت كلماتها،  لقد أصابها برد مزمن فأقعد حركتها بعد أن خبا نورها الذي استنفذ كل طاقته التي راحت هدرا  

يشعر بدفء أشعة الشمس تداعب أهدابه فيستهويه المشي في أزقة نفسه وهو يقطع طرقات حيه، يطوي الأرض مع شرود فكره وهو لا يدري أنه سيطوى داخلها ، وبين لحظة وجوده و لحظة رحيله يعيش حلم فوضى الخيال و المشاعر و ضجيج الكلام  والصور مع أطياف مارة من حوله، يجرون فوضى حياتهم الصاخبة كصخب أفكارهم والتي بين الفينة و الأخرى تحدث زلزالا مدويا يجعل الأسفل أعلى و الأعلى في قاع الجب ينتظر ساعة الخلاص، وهو لا يدري أنه يعيشها و أن غيره على السطح يعيش الأسر….. أين الحقيقة من الواقع و أين الواقع من الخيال؟

لا يدري سوى أن العلو هو بناية شاهقة يحلم أن يمتلكها يوما و أن وجوده تحتها هو منتهى التعاسة ……من الصعب عليه أن يدرك أنه على قمة هرم خياله، يعيش في ظل واقعه المتحرك به وحوله، ليجد أنه سجين أحداث السياسة وواقع المجتمع، و خيال الحكايا التي تتوالد وتموت لتعود وتتخلق من جديد و كأنها صخرة سيزيف تصعد ،تتدحرج لتأخذ معها كل من وجدت في طريقها. 

تعتقله الذكريات و المشاعر، ليجد نفسه بين قمة و قاعدة في نفس الوقت، بين لحظة حزن و لحظة فرح ،بين بسمة و دمعة، لا يدري هل ما يعيشه هو حياة أم موت، أم برزخ يحتويه ليخفف عنه فوضى الخيال و حس الواقع المحيط به …..يشعر باختناق مزمن وبموت مؤجل يعيش لحظات إقترابه .

يحتويه سجنه ليخرج منه لآخر أكبر… يمر من أمام دكان حلاق الحي لم يعد يأثر فيه صخب الأصوات و لا يجلب إنتباهه .

خلف انفجار شاحنة في وسط العاصمة العراقية عشرون قتيلا و خمسون جريحا”

أستوقفه الخبر ونظر إلى وجهه في مرآة الحلاق ليتحقق أنه مازال على قيد الحياة….  مر بكلتا يديه على جسده يتحسسه، لعله يجد جرحا ينزف…. الحمد لله على سلامته لقد نجا من انفجار الشاحنة  …….

تتداخل الهواجس مع الصور المصاحبة لحياته، مع خوف يسكنه ليجد نفسه سجين حدث و واقع بائس  هارب منه مقيم فيه مصاحب له ،لا يحتمل بعده و لا يطيق وجوده ليكون أسيرا آسرا ،يعيش جدلية الموت و الحياة، وأنتفاء الزمان و المكان. يسكنه حلم و فوضى صور تتلاحق على شاشة خياله، تحركها كلمة شاردة كشرود فكره في تيه نفسه القابعة في جبه المُعتقل لأرشيف رسوم الشخوص و المشاعر، تتحين الفرصة لترسل له البعض منها عند نفاذ ذخيرته، حتى لا يشعر بغربة الوحدة و لا يفكر بردم جب احتوى صور الأولين و الآخرين,  و هستيريا فوضى حياة أخرى تسكنه .

هيستيريا فردية و جماعية تحتل كيانه المثقل بركام السنين، وهيمنة الماضي على الحاضر و تناسل أفكار لها فوضى و انفلات يقضي على مصداقية الكلمة وقداستها لتصبح جثة هامدة ، تحتويها مقابر التاريخ الذي ضاق بها ذرعا ولم يجد لها مأوى بين أدراجه…. تركها لمصيرها على قارعة الفكر لتحترف التَسول على أبواب غرب احترف إعادة تدوير واقع الخيال …..

تداعب أنفه رائحة القهوة ليتذكر قهوة أمه الصباحية وغدوها ورواحها بالبيت دون توقف وهي تضع أمامه كل مدخراتها ، من حلويات وغلال وتمور و زيت زيتون الضيعة و عسل النحل فرغم شعوره بشيخوخة فكره و الذاكرة، يجد نفسه في زمن غير الزمان، وعلى أرض طفولة تسكنه ذكرياتها….يتملكه الحنين إلى الماضي ،يأسره الحاضر بواقعيته ليكون قلما بين أصابعه يرسم دوائر مغلقة في تيه ليس له مدى، شَكَّل مفرداته خيال الفوضى، فكانت له كلمات أهملها تاريخ الكلمات ……

منجية بن صالح

 

 

 

منجية بن صالح

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار