الرئيسية / الاخبار / قطارالزمن

قطارالزمن

فيصل سليم التلاوي

كعادته في يوم عطلته الأسبوعية، ينهض الأستاذ حمدان من نومه مبكرا كأنه في يوم عمل. إن ساعته البيولوجية لا تضيف له في أحسن الأحوال إلا مقدار ساعة واحدة، فإذا كان يستيقظ يوميا الساعة السادسة صباحا، فإنه قد يتراخى في يوم عطلته، ويتمدد في فراشه وهـو نصف نائم ساعة إضافية، ثم يتسلل على رؤوس أصابعه مغادرا المنزل تاركا الجميع يغطون في نوم عميق . يتسكع في الشوارع التي خلت من المارة ومن السيارات إلا ما ندر، يطالع واجهات المحلات التي أغلقت أبوابها، بعد أن سهرت إلى ساعة متأخرة من الليل. إن المدينة كلها هامدة ساكنة هذا الصباح، في نهارها هدوء الليل، بعد أن كان في ليلها الفائت صخـب النهار. هذه عادتها في أيام العطل والأعياد وشهر رمضان وسائر المواسم، ينقلب ليلها نهارا ونهارها ليلا .
إن الأستاذ حمدان بخبرته الطويلة، يعرف صاحب الدكان الوحيد في نهاية الشارع، الذي يفتح دكانه مبكرا في مثل هذا الوقت، إنه يمضي نحوه بحكم العادة بحركة لا إرادية، يشتري عدد الجمعة من جريدة ” الشرق الأوسط “،ثم يجلس على مقعد خشـبي، يتفيأ ظل شجرة في حديقة عامة صغيرة مقابلة للدكان، يقلب الصفحات سريعا باحثا عن المقال الأسبوعي لكاتبه الكبير الأثير الأستاذ ” إميل حبيبي “.
بعد أن يفرغ منه يعود للجريدة من بدايتها، إن لديه متسعا من الوقت، ساعتين أو ثلاث يمضيها في تصفح الجريدة، فلا يترك شاردة ولا واردة. إنه مضطر لذلك، فعودته للمنزل ينبغي أن تترافق مع مع موعد نهوض زوجته وأولاده من نومهم، ولا ضرورة لإزعاجهم وإيقاظهم قبل المـوعد المألوف، وافتتاح نهار العطلة بالنكد من أوله. وحتى لو نهضوا فما الذي سيفعلونه بين جدران هذه الشقة؟ سيعـاودون تسمرهم أمام التلفاز متصارخين: أريد هذه القناة، وأريد تلك .
عجيبون أبناء هذا الجيل من الفتيان والفتيات والنسـاء، أيّ صبر وجلد لديهم على الثبات في جلستهم الساعات الطوال أمام أجهزة التلفاز!
ينام الأستاذ حمدان مبكرا، حتى في أيام العطلة ويستيقظ مبكرا، بينما يسهر أهل بيته إلى قبيل الفجر. عندما ينهض من نومه يكون بعضـهم في بداية نومه، وبعضهم لم ينم بعد، إن كانت المناسـبة إجازة طويلة كعطلة الصيف أو رمضان. إنه يحس بانفصام تام بينه وبين أهل بيته. إن نهاره ليلهم، وليلهم نهاره.
عشرون عاما انقضت على زواجه، وصل أكبر أبنائه إلى الجامعة، وهذه الهوة التي تفصل بينه وبين أهل بيته في مواعيد النوم واليقظة، وفي تبادل الليل والنهار، لا تضيق، بل تتسع عطلة بعد عطلة وعاما بعد عام .
إنه يألف كثيرا أيام العمل، بل يحبها ويقبل عليها بشغف، لأنها توحد أهل هذا البيت رغما عنهم.لا بد من النهوض الجماعي صباحا، ليذهب الأولاد إلى مدارسهم ، ثم عودة بعد الظهيرة من يوم عمل مُضنٍ، تتبعها قيلولة تريح الجسد من عناء طويل، بينما ينصرف الأولاد لدروسهم ومذاكرتهم التي ترهقهم؛ فينامون مبكرين وقد أعياهم اليوم الدراسي والإعداد لليوم التالي.
يتوحد جو هذا البيت و مزاج أهله في أيام الدوام. ليت الأيام كلها دوام منتظم لا عطلة فيه.هكذا تمنى الأستاذ حمدان وهو يواصل تصفح جريدته.
رفع رأسه عن الجريدة لحظة ليريح عينيه، ويسرّح بصره فيما حوله، وقع نظره على صندوق هاتف عمومي، ثُبِّتَ على عمود أمامه، خُيّل إليه أنه يراه للمرة الأولى، مع أنه يُدمن الجلوس على هذا المقعد في صبيحة كل يوم عطلة منذ أمد بعيد. كيف لم يُشاهد هذا الهاتف قبل اليوم؟ ولم يستخدمه ولو مرة واحدة؟ إن هيئته لا توحي بأنه جديد، بل هو قديم ، قديم جدا في مكانه، ربما قبل جلسته الأولى في هذا المكان .
وما الذي يهمه من أمر الهاتف هذا اليوم؟ ولماذا يدقـق فيه كل هذا التدقيق ؟
ما الذي يدور برأسه؟ مع من سيتحدث هاتفيا في هذا الصباح، وهو يعلم أن الناس جلهم نيام ؟ ثم إنه لا يحمل مفكرته التي تحوي أرقام الهواتف، وهو لم يعتد على حفظ الأرقام. لم تسعفـه ذاكرته بتجميع أي رقم من أرقام معارفه في المدينة، لكن رقما هاتفيا ارتسم أمام عينيه، قفز من أعماق الذاكرة، من بئر عميقة بعيدة الغور، تعود إلى أكثرمن عشرين عاما. إنه لم ينس هذا الرقم لحظة واحدة، لكنه كان يتناساه دائما، يصرف ذهنه عنه كلما وجد لسانه يتمتم به دون وعي. إنه ليس في مدينته، إنه بعيد في العاصمة، حيث أمضى سنوات دراسته الجامعية، ولم يعد إليها بعد ذلك إلا نادرا، إذا أرغمته الظروف، وإنه ليجهد نفسه إن اضطر للذهاب إلى العاصمة، في أن يختصر وقت إقامته فيها إلى أدنى حد ممكن . ينجز عمله متسللا متلفتا ذات اليمين وذات الشمال، ثم يعود سريعا إلى بلدته كأنه يخشى أن يضبطه أحد .
لا بد أنه قد فعل شيئا لا يزال يؤرقه، وضميره يؤنبه عليه كل هذه السنين، ويجعله يحدث نفسه :
– هوّن عليك يا أستاذ حمدان، حتى الجرائم تسقط عن أصحابها بعد عشرين سنة .
– الجرائم ضد الآخرين تسقط بمضي الزمن وتقادم العهد وتلغى عقـوبتها، أما الجريمة ضد النفس فإنها لا تسقط، إنها تتضاعف مع مُضي الزمن، لأن عقوبتها ذاتية، يدفعها مرتكبها من ذاته و نفسه ومشاعره، وتتحول إلى لعنة أبدية تطارده .
نهض الأستاذ حمدان من مكانه، وتقدم بخطوات مترددة صوب الهاتف العمومي، يغريه الهدوء والسكينة، وعـدم وجود متزاحمين أو فضوليين أمام الهاتف، ليسمعوا قوله، أو يطالعوا هيئته وتغير لون سحنته على ضوء سير المحادثة .
ارتعشت يده وهـو يرفع سماعة الهاتف ويقربها من أذنه، يحاول أن يطلب الرقم الوحيد الساكن في ذاكرته منذ نيّف وعشرين عاما، لكن سبابته لا تطاوعه، إنها ترتجف، أصابعه كلها ترتعش، تختلط الأرقام ببعضها، يزوغ بصره.
يعيد السماعة إلى مكانها، ويقف ثابتا متسمرا إلى جانب الهاتف، يحمد الله أن المكان خالٍ من مستخدمي الهاتف ومن المارة، وإلا افتضح أمره، وسخر الناس من هيئته المترددة، وحسبوه خائفا من صوت ينبعث له من سماعة الهاتف، ولكن الله سلم وستَر، فليس في الميدان سوى ” حمدان ” .
استجمع قواه مرة ثانية، وسجّل الرقم على ورقة أمامه هذه المرة، حتى لا تخونه الذاكرة من فرط الارتباك والتردد، مثلما حدث في المرة السابقة. رفع السماعة وضغط على الآرقام بثبات وتأن هـذه المرة أكثر من سابقتها. فرغ من مهمته الشاقة التي يراها الناس تنقضي في طرفة عين، لكنها بالنسبة له تعادل مسيرة عشرين عاما بالتمام والكمال .
إن هذه اللمسات التي لمسها للهاتف، ستعود به فعلا عشرين عاما إلى الوراء. لكن لماذا يفعلها ؟ لماذا هذه العودة ؟ إنه لا يدري .
يسمع رنين الهاتف في الجانب الآخر، طال الرنين حتى حسب أن أحدا لن يجيب . ربما كانوا نياما مثل أهل بيته، وربما كان لهم شخص مثله هارب من طول نومهم، ملتجئ إلى ظل شجرة يطالع على كره منه جريدة الصباح. وأخيرا انسابت إلى أذنيه وقلبه وسائر عروق بدنه كلمتان رقيقتان، انبعثتا من الطرف الآخر :
– ألو ، مين . .
لم يقو على الكلام، لقد تيبست شفتاه، وجفّ حلقه. عبثا يحاول التقاط أنفاسه، أو يهدىء وجيب قلبه، يبحث عن كلمة ينطق بها فلا يستطيع، تمر بخياله حكايات من أرتج عليهم من مشاهير الرجال الذين ذكرهم الجاحظ، لكنهم كانوا ينتزعون ولو كلمة واحدة، حاول أن يفعل مثلهم، لكنه لم يستطع أن ينطق بشيء. وبعد جهد جهيد، واستباقا لإقفال الهاتف من الطرف الآخر، استجمع كل طاقته التعبيرية في كلمة واحدة .
– وردة ؟
– نعم أنا وردة، فمن أنت ؟
لم يصدق أذنيه، إنها هي، نفس الصوت المألوف الذي ظل يرن في أذنيه منذ عشرين عاما، لم يتغير شيء في نبراته، نفس الرقة المألوفة التي تقطر نبراتها عذوبة ومودة؟ ألم يؤثر الزمن في صوتها فيزيده خشونة أو مرارة؟ نفس النبرات الحلوة التي نطقت بها عبارتها الأخيرة له قبل عشرين عاما:
– سأنتظرك، فلا تتأخر كثيرا .
– وماذا تفعل في بيت أبيها؟ هل لا زالت تنتظر؟
ألحّ الصوت ثانية :
– مين حضرتك؟ تكلم .
لم يجد ما ينطق به، وخشي أن تسيء الظن به، فتحسبه أحد هـواة المعاكسة والغزل على الهاتف، فتسمعه كلمة جارحة. أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها، وما عاد إلى مكانه ولا إلى جريدته، لقد يمم وجهـه صوب موقف السيارات المتجهة نحو العاصمة ، واستقل أول سيارة مغادرة، كأن قوة غامضة كانت تسوقه سوقا، ولا تتيح له فرصة التفكير والتروي فيما هو مقدم عليه .
وصل العاصمة. استقل سيارة أجرة لتوصله إلى طرف الحي، الذي كان قبل عشرين عاما مرتع صباه، ومولد هواه الأول يوم كان طالبا في الجامعة، يسكن هذا الحي، ويزور بيت صديقه ” حسن “، الواقع في هذا الحي الوادع الجميل، حيث عرّفه على أهله، الذين يُكنّ لهم مودة ومحبة لا تقل عن محبته لأهله، ومن بينهم جميعا ظفرت ” وردة ” بحبه الخالص، حبه الأول الذي بدأ بنظرات الإعجاب المتبادلة، ثم تطور إلى لقاءات خاطفة وأحاديث عابرة، بحضرة أخيها حسن أحيانا، وبدونه أحيانا أخرى، فقد كانت طالبة تصغره بعامين، عندما أنهى سنته الرابعة وتخرج في الجامعة، ووعدها أن يعود لخطبتها، ووعدته أن تنتظره، كانت قد أكملت عامها العشرين وسنتها الجامعية الثانية، وها هو يعود إليها بعد عشرين عاما أخرى، وقد خلف وراءه جيشا من البنين والبنات، الذين أنجبهم من زواجه من ابنة عمه، التي أرغمه أهله على الاقتران بها، والتي قالوا إنها معطاة له منذ الطفولة، وأنها انتظرته كل هذا العمر، فلا يليق به ان يبدل بها زوجة أخرى، ولا أن يجرح شعور و كرامة عمه، الذي أهداه ابنته منذ أن كانا طفلين رضيعين .
كل محاولاته وتوسلاته لأمه وأبيه ذهبت أدراج الرياح، ولم تُجدِ نفعا في الخلاص من هذا الزواج أو تأجيله. لقد خيّروه بين زواج يلم شمل العائلة ويقربها، وبين نبذه والتبرؤ منه إن خرج عن طوعهم ومشورتهم .
سقط حمدان يومها في الامتحان الصعب، سقط في سؤال الاختيار، اختار الخطأ الشائع وجانب الصواب، الذي يحتاج لإرادة وصمود عظيمين للدفاع عنه، انحنى سريعا للزوبعة، لكنها ظلت انحناءة أبدية ما استقام ظهره بعدها أبدا .
إنه الأن يذرع الشارع الحبيب إلى قلبه ونفسه، الشارع الذي ما ألف مكانا في الدنيا مثل إلفه له. إن سنواته الجامعية الأربع التي أمضاها في هذا الشارع تعادل ما قبلها وما بعدها من سنوات عمره. في هذا الشارع تفتحت عيناه على الحياة الحقيقية ، وامتلأت نفسه وعيا وثقافة، وامتلأ قلبه حبا ودفئا. هنا كتب أولى قصائده التي نشرتها جريدة ” صوت الطلبة “، فأكسبته شهرة بين زملائه. في هذا الشارع تعرف على معظم أصدقاء عمره، الذين يتبوأ كثير منهم الآن أرفع المناصب، والذين طبقت سمعة بعضهم الآفاق في ميادين الأدب والفن والسياسة، وأهم من ذلك كله وردة، التي تقطن في هذا الشارع، والتي لم يفارق طيفها خياله طيلة هذه السنوات الطوال، إنه يتخيلها وقد انتظرت عودته طويلا حتى يئست من الانتظار، كيف طاوعته نفسه فخيّب أملها؟ وكيف أخفى رسائلها ولم يجد في نفسه الجرأة للرد عليها، أو لم يجد ردا يقوله، ورأى أن الصمت أبلغ من الكلام .
تفرس في جانبي الشارع، في البنايات التي تغير القليل منها، وبقي الكثير على حاله، تعرّف على كثير من المعالم، لكن أحدا لم يتعرف عليه، الوجوه وحدها تغيرت، أصحاب البقّالات والمطاعم والمكتبات كلهم وجوه جديدة غير مألوفة لديه ، وإن كانت المحلات ذاتها لم يطَلها إلا تغيير طفيف .
إنه الآن يقترب من المنزل الذي شهد ميلاد حبه القديم، حبه الأول والأخير، وهو لا يدري لماذا جاء هذا اليوم إلى هنا، هل يريد حقا أن يقابل وردة، ولماذا يقابلها؟ وماذا سيقول لها لو التقيا فجأة وجها لوجه، إنه لا يحلم بأكثر من رؤيتها، رؤيتها من بعيد دون أن تراه، ولا يطمع بأكثر من خيط رفيع من أخبارها، خيط يخبره انها قد تزوجت وأنجبت، وأنها تعيش حياة سعيدة، فيطمئن إلى أنه لم يسبب لها تعاسة بالغة حين نكث بوعده معها، وأنها لم تنتظره طويلا، بل استبدلته بمن هو خير منه، مــن
يستحقها فعلا، من لم يهرب من التزامه معها عند أول امتحان . عندها سيزيح حملا ثقيلا عن ظهره، وعبئا هدّ منكبيه سنينا طويلة. سـيخف قليلا إحساسه بالذنب، ويهدأ ذلك الشعور الذي يطارده ويؤنبه ليل نهــار، بأنه قد خدع فتاة طيبة ما كانت تستحق الخداع، أوهمها و وعـدها ثم فرّهاربا، وأخلف وعده وتركها تنتظر السراب .
إن موقفه هذا قد أرغمه على الانقطاع بصورة غير مفهومة عن صديقه” حسن “، الذي كان أعز أصدقائه، وعن السؤال والاتصال بأهل هذا البيت الطيبين، الذين كانوا له أهلا عندما كان بعيدا عن أهله .
إنه الآن مقابل بوابة هذا البيت الذي أحبه، وأحب كل ساكنيه. لم يتغير شيء في ملامح هذا البيت، ولا في حديقته الأمامية الوارفة الظلال، و أشجارها المتشابكة .
إن الأستاذ حمدان يكاد أن يتوقف عن المسير، رجلاه ترتجفان ولا تقويان على حمله، وعيناه تحملقان ناحية المنزل ونوافذه وشرفاته الواسعة، عله يلمح على البعد طيف ” وردة “، ثم يمضي سريعا لا يلتفت وراءه، ولا يتوقف لو سمع صوتها يناديه ، فما عساه أن يقول لها لو نظرت إليه نظرة عتاب واحدة دون أن تفوه بكلمة .
أفاق حمدان من ذهوله على مشهد أطار لبه، وأفقده وعيه واتزانه. كانت تغادر البقالة التي وصل أمامها، وقد حملت في يدها بعض الأغراض التي اشترتها. إنها ” وردة ” بذاتها وصفاتها، وردة التي عرفها وأحبها، وردة ابنة الثمانية عشر عاما التي عرفها، لا زالت كما هي يوم عرفهـــا بجمالها ونضارتها وشبابها. كيف لم تتغير؟ هل توقف الزمن عندها؟ لماذا غزاه الشيب من كل جانب، وتغضن وجهه ، ونفرت عروق بدنه، وبقيت وردة على حالها ؟
تُرى هل عرف الناس في بلادنا سر الاستنساخ قبل أن يعرفه أهل الغرب، فهذه نسخة فتية من وردة ؟
رغم انبهاره وتحديقه الطويل فيها، وقد فغر فاه من الدهشة وهول المفاجأة، إلا أن الفتاة لم يبدر منها ما يشير إلى أنها قد عرفته، أو رأته قبل هذا اليوم . لقد استغربت من إطالته النظر إليها، وتوردت وجنتاها خجلا وهمت بالانصراف مسرعة، لكنه لم يطق على الصمت صبرا وناداها :
– وردة ؟
– نعم، أنا وردة، هل تريد شيئا يا عمي ؟
صعقته المفاجأة . . ” وردة “؟ وتقول ” عمي “! كيف لم تعرفني ؟ !كيف وصلت ُ إلى سن عمها و بقيت في سنها لم تتغير ؟! وكرر السؤال :
– هل أنت وردة محمود ؟
تبسمت الفتاة وقالت :
– وردة محمود، إنها أمي، لقد سماني والدي باسمها. لا أدري ألشدة شبهي بوالدتي أم لشدة حبه لها ؟ هل تعرف أمي يا عمي ؟
– أجل . . أجل . .
أجاب الأستاذ حمدان متلعثما، إنني أمت بطرف قرابة لوالدتك، ولم أرها منذ زمن بعيد .
– إذن تفضل يا عمي وشرفنا بزيارة، هذا بيتنا أمامك .
– وهل والدك موجود في البيت ؟
– لا إنه مسافر، يعمل في الخارج، وأسكن أنا وأمي وإخوتي الخمسة في بيت جدي . تفضل ، شرّف .
– لا، ليس الآن، سأزوركم مساء إن شاء الله ، سلمي على الوالدة .
– ممن أبلغها السلام يا عم ؟
– قولي لها من قريب سيزوركم هذا المساء، اتركيها مفاجأة لها .
حل المساء، وانتظرت الوردتان وسائر أفراد الأسرة زيارة القريب البعيد، وطال الانتظار، وما عرفت الأم وردة من هو الزائر الموعود، وإن كان لها أن تخمن من هو، فربما عرفته من طبعه في إخلاف الوعود .
قبل أن يحل المساء، كان الأستاذ حمدان يركب الحافلة التي تغادر العاصمة
متجهة صوب بلدته. وصل بيته متأخرا، اندفع نحوه أبناؤه يتصارخون .قال أحدهم :
– أين كنت يا أبي؟ لقد افتقدناك، افتقدتك أمي عندما فرغت أسطوانة الغاز ولم نجد من يستبدلها لنا . .
وقال آخر :
– افتقدناك يا أبي فاليوم جمعة، ولم تحضر لنا مؤونة الأسبوع المعتادة من الخضار واللحم والفاكهة .
وقال ثالث :
– لقد افتقدتك يا والدي، فأنا لم أشتر لوازمي من الدفاتر والأقلام التي طلبها المدرس .
وقالت ابنته :
– وأنا افتقدتك يا والدي لتحل لي واجب القواعد، إنه صعب جدا .
عندما فرغوا جميعا من طلباتهم، أقبلت ابنته الصغيرة ” أمل ” وقالت :
– أنا افتقدتك يا أبي لأنام في حضنك، فتدللني وتغني لي أغنياتك الشجية، وتهدهد على ظهري حتى أنام، فأين كنت يا أبي ؟
– كنت في رحلة نقاهة يا ابنتي .
– رحلة! إلى أي مكان ذهبت؟ لماذا لم تأخذني معك ؟
– إنها ليست رحلة إلى أي مكان، إنها رحلة في الزمان يا ابنتي .
لقد ركبت القطار السريع الذي يمضي براكبه إلى كل المحطات، التي يريدها والتي لا يريدها، إنه قطار الزمن .
1998

عن علي عبد الكريم

رئيس التحرير عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو نقابة الفنانين العراقيين
آخر الأخبار