الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / متلازمة ريت: مرض أختي النادر الذي ألهمني كتابة رواية-وكالة ذي قار

متلازمة ريت: مرض أختي النادر الذي ألهمني كتابة رواية-وكالة ذي قار

فيكتوريا وكلير

صدر الصورة، Victoria Scott

غالبا ما يستمتع الأشقاء بروابط يصعب حل وثاقها، كونهم يكبرون ويترعرعون معاً، ويتشاركون نفس التجارب. هذا هو حال الكاتبة فيكتوريا سكوت وأختها كلير. لا تستطيع كلير التحدث أو الكتابة أو الإشارة بسبب متلازمة ريت، لذا فقد تواصلتا منذ أكثر من أربعة عقود “بدون كلمات”، كما تشرح فيكتوريا.

إنه عام 1989 وأنا أتعرض للتنمر في المدرسة. لا أريد أن أتحدث مع والديّ حول ذلك لأنني أشعر بالخجل، لكنني أعلم أن كلير لن تحكم علي.

بعد إطفاء الأنوار، أصعد إلى السرير معها. نرقد متلاصقتين، هي تستمع وأنا أفرغ كل ما في جعبتي من مشاكل ومخاوف، وعندما أنتهي، فإن أنفاسها المتواترة تساعدني على النوم.

لقد قضينا العديد من الليالي على هذا المنوال في طفولتنا. وكنت طبعا أنا فقط التي أتلكم لأن كلير لا تستطيع التحدث.

لديها متلازمة ريت، وهي اضطراب عصبي معقد جعلها تعاني من إعاقة شديدة. لم تكن هناك أي علامة على حالتها عند الولادة، لكن خللا جينيا سرق المهارات التي طورتها في طفولتها المبكرة، وباتت الآن بحاجة إلى رعاية على مدار الساعة.

ما هي متلازمة ريت؟

  • خلل وراثي نادر يؤثر على نمو الدماغ ويؤدي إلى إعاقة عقلية وجسدية شديدة
  • يصيب بشكل رئيسي الفتيات ويؤثر على حوالي 1 من بين كل 12000 ولادة كل عام في بريطانيا
  • إنه موجود منذ الحمل ولكنه عادة ما يظل غير قابل للاكتشاف حتى يبدأ الطفل – غالبا بعد السنة الأولى – في التراجع

المصدر: خدمة الرعاية الصحية البريطانية.

تم تشخيص حالة كلير في الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت من أوائل الأطفال في المملكة المتحدة الذين حصلوا على هذا التشخيص أو التصنيف من قبل أطباء لم يكن لديهم خبرة كبيرة في هذا المرض. هذا يعني أن والداي قد تلقيا معلومتين غامضتين ومخيفتين.

أولاً، طُلب منهما اصطحاب كلير إلى المنزل و”إبقائها سعيدة”، في إشارة ضمنية إلى أنها ستموت قريبا. تلك النبوءة لم تتحقق، الحمد لله. تبلغ كلير الآن 41 عاما وتعيش في سكن خاص تديره مؤسسة خيرية. تخلت أمنا، إيفون، عن حياتها المهنية للاعتناء بها، ولكن مع تقدم كلير في السن أصبحت احتياجاتها أكثر تعقيدا، ولم تعد أمي قادرة على تلبية تلك الاحتياجات.

الشيء الآخر الذي أُخبر والداي به هو أنه من المرجح أن يبقى استيعاب كلير وقدراتها العقلية كقدرات طفلة صغيرة للأبد.

لطالما شككت في هذا الافتراض. عيون كلير حكيمة ودافئة ومعبرة. تضيء عندما تستمع إلى موسيقاها المفضلة (كايلي) وتتأثر عندما تستمع إلى أغنية (ذا سنومان)، وترقص عيناها عندما ترى ابني وابنتي وتتألق عندما ترى رجلاً يعجبها (بما في ذلك زوجي). كما أن نظرتها تزداد حدة عندما تتألم، وتضيق عيناها عندما تكون خائفة وتبدو نظراتها باهتة عندما تكون متعبة.

صدر الصورة، Victoria Scott

ثم هناك يداها اللتان جعلتها متلازمة ريت تفركهما بشكل يومي منذ الطفولة. إنهما بمثابة مترجم لمزاجها إذ تبدو حركتهما متوترة عندما تكون متحمسة، وواهنة عندما تكون مسترخية، ومتصلبة عندما تكون غير مرتاحة.

على الرغم من عدم قدرتها على التواصل بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة، فإن هذه الحركات اللاإرادية تخبرنا الكثير عنها.

في السنوات الأخيرة، أدى تطوير تقنية نظرة العين – حيث يمكن للشخص بناء الكلمات والجمل من خلال التركيز على شاشة الكمبيوتر – إلى تغيير حياة العديد من الأشخاص الذين يعانون من متلازمة ريت، إذ أتاحت هذه التقنية الوصول إلى عالم داخلي كان يُعتقد أنه ضاع إلى الأبد.

لقد وجدت العائلات أن أطفالها يفهمون أكثر مما توقعه هؤلاء الأطباء في الأصل، مما أحدث تغييرا جذريا لدى جميع المعنيين. أخبرني أحد الأباء، الذي كانت ابنته مصابة بمتلازمة ريت، أن أول كلماتها كانت: “أنا أحبك”.

للأسف، لم تتقن كلير هذه التكنولوجيا، ويرجع ذلك أساسا إلى أن احتياجات الرعاية الصحية الخاصة بها ازدادت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. لقد أدخلت إلى المستشفى لإصابتها بالتهاب رئوي وبتعفن الدم في عام 2019، كما أنا انتشار فيروس كورونا فرض عليها الانسحاب قسراً من العالم الخارجي والتقوقع لحمايتها منه.

ومع ذلك، فإننا لن نتخلى عن الأمل، لأن الأمل هو المحرك الذي يواصل دفعنا للأمام.

هناك شيء آخر يحفزنا، فبعد ما يقرب من أربعة عقود من تشخيص كلير، نعرف الآن الجين الذي يسبب متلازمة ريت، ومن المتوقع أن يبدأ العلماء الأمريكيون أول تجربة بشرية للعلاج الجيني على هذا المرض العام المقبل.

صدر الصورة، Victoria Scott

يتضمن ذلك حقن فيروس معدل في المتلقي الذي يحمل نسخة صحيحة من الجين المعيب.

أظهرت تجارب العلاج على الفئران أنه من الممكن قلب المعادلة والشفاء التام من المتلازمة، إنه احتمال خارق ويفوق الوصف، إذ من المذهل أن حالة كلير قد تنعكس (أي تتخلص من المتلازمة) في مرحلة البلوغ.

يبدو الأمر وكأنه خيال علمي، على الرغم من أنه قد يصبح حقيقة علمية قريبا.

ومع ذلك، لدي بعض المخاوف التي لا يمكن إغفالها، فأنا أشعر بالقلق حيال شعور كلير حول العلاج، وما إذا كانت ستشعر بالخوف. علاوة على ذلك، فإن العلاج الجيني جديد ومحفوف بالمخاطر. ماذا لو حدث خطأ ما؟

لقد ناقشنا أيضا إمكانية العلاج الجيني كعائلة، لكننا لم نتوصل بعد إلى أي توافق. إن اتخاذ قرار على هذا القدر من الأهمية والحساسية نيابة عن أختي دون التمكن من استشارتها، مسؤولية كبيرة للغاية.

على الرغم من أن الأبحاث تشير إلى فوائد محتملة تفوق التصور، فإن العلاج الجيني يحمل أيضا بعض المخاطر الكبيرة بما في ذلك احتمال الإصابة بالسرطان، أو مشكلة في الجهاز المناعي، وحتى خطر الوفاة. فهل لنا الحق باتخاذ مثل هذا القرار نيابة عنها؟ ولكن من جهة أخرى هل من حقنا حرمانها من هذه الفرصة؟

كانت هذه الأسئلة هي التي ألهمتني لكتابة روايتي الأولى “الصبر” والتي تسلط الضوء على كيفية تعامل الأسرة مع قرار إدخال ابنتهم في تجربة علاج جيني تجريبي. كنت أرغب في اختبار الجوانب الأخلاقية والعاطفية المتعلقة بهذا القرار.

صدر الصورة، Victoria Scott

الشخصيات الرئيسية التي تتولى سرد الأحداث هي الوالدة والشقيقة وبطلة الرواية (بيشنس) غير القادرة على التواصل، ولا تعرف وعائلتها أنها تفهم.

لقد اختبرت كلير طوال حياتها أن يتخذ الآخرون قرارات بشأن حياتها وصحتها دون أن يستشيرها أحد، وأردت أن أضع هذه التجربة في موقع بارز ومهم.

وبالعودة مجددا إلى الطفولة، في تلك اللحظات، عندما كنا نحن الاثنتين فقط، أقسم أنني اختبرت التخاطر، حين كنا نستلقي متلاصقتين كنت أشعر بكلماتها تتدفق إلى داخلي دافئة وحكيمة.

ربما يرى الناس أن الأمر كان حالة من الرغبة في تحقيق أمنيات بداخلي، وأنني كنت أُسقط كلماتي عليها، وهذا هو التفسير الأكثر منطقية. لكنني أؤمن أيضا بقدرة مشاعر الحب البشري على تجاوز الحواجز والتأثير على الأشياء، خارج مجالات الفهم العلمي.

ربما كلير كانت “تتحدث” معي، وربما لم تكن كذلك، لكن بعض الأدلة لا يمكن دحضها. أعلم من ابتسامتها وضحكها أنها تعرف من أنا، وأنها تتذكر رباطنا، وأنها تستمتع برفقتنا.

في الآونة الأخيرة، رأيت كلير مجددا لأول مرة منذ 18 شهرا بسبب إجراءات كورونا وهي أطول فترة فصلت بيننا على الإطلاق.

بمجرد أن مسحت بعض الدموع، أمسكت بيدها وعانقتها وطمأننا بعضنا البعض بأننا ما زلنا على قيد الحياة وما زلنا نتنفس.

ثم أريتها نسخة من الرواية، كانت تعلم أنني كنت أكتبها، ولكن ربما مثل الجميع تقريبا (بمن فيهم أنا)، لم تصدق أبدا أنها ستراها مطبوعة. تبادلنا نظرة ذات مغزى وابتسامة دافئةحملتني إلى عالم آخر تماماً.


المصدر

عن هادي محيسن

آخر الأخبار